الحزبي والديمقراطي في المغرب

238

الحزبي والديمقراطي في المغرب
ادريس جنداري
ارتبطت التجربة الحزبية؛ في معظم التجارب السياسية حول العالم؛ بنضج منهجية النضال الديمقراطي؛ كمقابل لمنهجية الثورات السياسية والانقلابات العسكرية؛ وذلك لأن الفعل الحزبي؛ في جوهره؛ يقوم على أساس المشاركة في النضال وفي صناعة القرار؛ ويفتح المجال للتغيير السلمي؛ باعتماد المنهجية الديمقراطية التي تقوم على أساس التداول السلمي على السلطة من خلال التداول على تحمل المسؤولية الحزبية.
ولعل هذا هوما تؤكده التجربة السياسية الديمقراطية؛ سواء في أوربا وأمريكا أوفي الديمقراطيات الناشئة في آسيا؛ فقد تراجع النضال الثوري والانقلابي الى الوراء؛ ليفسح المجال أمام النضال الديمقراطي»المؤسساتي؛ الذي تقوده الأحزاب السياسية؛ حيث الصراع بين الايديولوجيات والمشاريع السياسية في ظل تكافؤ تام للفرص المتاحة.
لقد برهن الربيع العربي؛ اليوم؛ بقوة عن صلاحية هذا التحليل؛ فحين تغيب فعالية الأحزاب السياسية؛ يغيب معها النضال الديمقراطي؛ ومن ثم يفسح المجال أما الانقلابات العسكرية أحيانا وأمام الثورات السياسية أحيان أخرى؛ وفي كلتا الحالتين يكون الانفجار تعبيرا عن احتقان سياسي؛ ناتج عن احتكار السلطة من طرف أقلية حزبية أوطائفية؛ وهذا ما لا ينسجم مع طبيعة الفعل السياسي؛ الذي يتميز بالطابع الشعبي و التشاركي؛ عبر اتاحة الفرصة لمشاركة الجميع في تسيير الشأن السياسي؛ اما بشكل مباشر أوبشكل تمثيلي»غير مباشر.
ان الاتجاه نحو الحد من المد الثوري؛ اليوم؛ في العالم العربي؛ لا يمر عبر مواجهة الجموع الشعبية بعنف السلاح؛ كما لا يمر عبر التمويهات السياسية التي تكتفي بتعديلات دستورية شكلية؛ لا تنفذ الى جوهر السلطة؛ ولكنه يجب أن يمر؛ بالضرورة؛ عبر فتح المجال أمام الممارسة الديمقراطية؛ التي تربط ممارسة السلطة بالارادة الشعبية؛ كما تقوم على أساس التداول السلمي على السلطة؛ والتنافس بين المشاريع السياسية. وهذا الرهان لن يتحقق؛ بالطبع؛ سوى من خلال أحزاب سياسية فاعلة وتمتلك قرارها السياسي؛ كما تقوم على أساس تصور ايديولوجي واضح؛ يتحكم في مشاريعها السياسية التي تقدمها للناخبين.
التيارات السياسية
في المغرب؛ تتجه معظم التيارات السياسية نحوتشجيع الخيار الديمقراطي كبديل للخيار الثوري؛ الذي يضرب العالم العربي من المحيط الى الخليج؛ وذلك من خلال التسويق لمقولة الاستثناء المغربي التي تعني أن للمغرب خصوصية ميزته عبر التاريخ عن المشرق العربي؛ وهذه الخصوصية هي التي تميزه اليوم. في الحقيقة؛ لا يمكن لأي متشبع بمبادئ النضال الديمقراطي الا أن يذهب في هذا الاتجاه؛ الذي اعتبر؛ ضمن تجارب سياسية مختلفة عبر العالم؛ خيارا ناجعا. فاذا كانت فرنسا مثلا قد أسست نموذجها الديمقراطي عبر مد ثوري جارف وضحت بملايين الضحايا طوال عقود من الصراع؛ فان انتشار النموذج الديمقراطي في أوربا وفي أمريكا لم يتأسس باعتماد الخيار الثوري؛ بل من خلال النضال الديمقراطي الذي قادته مؤسسات حزبية؛ بتوجهات ايديولوجية مختلفة؛ حيث نجحت؛ في الأخير؛ في ترسيخ مبادئ الديمقراطية؛ وبعد ذلك اتجهت الى بناء المؤسسات القادرة على حماية الممارسة الديمقراطية. لكن؛ لا بد أن نستحضر؛ هنا؛ أن نجاح البديل الديمقراطي قد مر من خلال نجاح المؤسسة الحزبية التي قادت النضال الديمقراطي؛ وهي مؤسسة نجحت في بناء تصور جديد للسياسة؛ لا يكتفي بالنضال من اجل تقييد سلطة الحاكم؛ عبر تحقيق رهان الفصل بين السلط؛ ولكنها تجاوزت ذلك الى ربط السلطة بالارادة الشعبية التي تعتبر المصدر الوحيد لاضفاء الشرعية على نظام الحكم؛ ومن ثم كان التوجه نحوالتداول السلمي على السلطة؛ الذي تتحكم فيه؛ في الأخير؛ صناديق الاقتراع الشفافة التي تمنح حق ممارسة السلطة لمن ينجح في اختبار الاختيار الشعبي.
فهل حقا يمتلك المغرب؛ ومعه مجموعة من التجارب السياسية العربية؛ ارادة قوية في التوجه نحوخيار ديمقراطي واضح وشفاف؛ تمتلك فيه الأحزاب السياسية الكلمة الفصل؛ في قيادة النضال الديمقراطي؟
الأنظمة السياسية
واذا كان الجواب بالايجاب؛ فهل تمتلك الأنظمة السياسية؛ التي تسوق لهذا النموذج؛ الجرأة الكافية التي تجعلها تكتفي بتمثيل رموز السيادة الوطنية؛ مع فسح المجال للتنافس الحزبي الذي يتوج الأقدر والأصلح لممارسة السلطة وتمثيل الارادة الشعبية؟ ان التعديل الدستوري الأخير؛ في المغرب مثلا؛ يفتح مجالا واسعا نحوهذا الأفق الديمقراطي؛ سواء من خلال تقييد سلطات الملك أومن خلال توسيع صلاحيات رئيس الحكومة؛ لكن سيكون من السابق لأوانه أن نعتبر أن المغرب قد نجح في بلورة خيار ديمقراطي واضح؛ وذلك لأن الكثير من الغموض ما يزال يلف الكثير من فصول الدستور؛ التي غلب عليها الطابع الطاكتيكي؛ مع غياب أي أفق استراتيجي واضح يرتبط باعادة بناء مفهوم السلطة؛ من منظور ديمقراطي تتحكم فيه الشرعية الشعبية كبديل للشرعية الدينية»التاريخية. اننا نعتبر هذا التعديل خطوة الى الأمام؛ لكنها تبقى بداية الألف ميل؛ في اتجاه تحقيق انتقال حقيقي نحوالممارسة الديمقراطية الحقيقية التي تجعل الشعب؛ بجميع فئاته؛ يساهم في صناعة القرار السياسي؛ وهذا لن يتحقق؛ بالطبع؛ الا عبر المرور بجميع خطوات الانتقال الديمقراطي؛ التي تبدأ بتشكل أحزاب سياسية حاملة لمشاريع ورؤى ايديولوجية واضحة؛ ولا تنتهي بفتح المجال أمام التنافس الانتخابي الحر بين هذه المشاريع لتتويج الأصلح والأقدر منها؛ في علاقة بتطلعات مختلف الفئات الشعبية.
التعديل الدستوري
ان الاستثناء الحقيقي الذي يميز المغرب؛ في علاقته بمحيطه العربي المنفجر؛ هوتجربة النضال الديمقراطي التي بدأت مع دستور 1908 ولا يجب أن تتوقف مع التعديل الدستوري الأخير؛ وهي تجربة ثرية وعصبة على الوأد؛ لأنها امتلكت مناعة قوية عبر توالي العقود؛ ولذلك فان أية محاولة للالتفاف على هذه المكتسبات لا تكمل حتى شهور حملها الأولى؛ لأن الوعي الشعبي يجهضها في حينها؛ ولا يمنحها أية فرصة لفرض هيمنتها. ولنا عبر في تاريخنا السياسي المعاصر؛ فقد تمكنت الحركة الوطنية بعيد الاستقلال من اجهاض مشروع القوة الثالثة الذي كان يسعى الى وقف عجلة المشروع الديمقراطي الناهض؛ وبعد ذلك تمكنت فصائل الحركة الوطنية من افشال تجربة الأحزاب الادارية»الأنبوبية والتي مثلها حزب الفديك خير تمثيل؛ وليس ببعيد عنا اليوم ما يعيشه حزب الأصالة والمعاصرة من مخاض؛ سيؤدي بالضرورة الى ولادة مولود مشوه؛ لا يمتلك قدرات مسايرة النضال الديمقراطي. وكلها تجارب تؤكد بالملموس أن الشعب المغربي؛ وعلى قائمته نخبه السياسية؛ قد تشبع بمبادئ النضال الديمقراطي؛ ولذلك فانه أصبح عصيا على الاخضاع لمشاريع سياسية أوتوقراطية؛ حتى ولوكان يرعاها المخزن نفسه.
ان الخيار الوحيد المطروح اليوم؛ على الدولة والمجتمع في المغرب؛ هوالالتزام بروح النضال الديمقراطي؛ وهذا يفرض مسؤوليات تاريخية على الطرفين. من جهة؛ يجب على الدولة أن تلتزم بفتح المجال وتوفير الوسائل اللازمة للنضال الديمقراطي وذلك يمر؛ بالضرورة؛ عبر رفع يد الدولة عن الأحزاب السياسية وفتح المجال أمامها لتجديد نخبها وتكريس المنهجية الديمقراطية في تشكيل هياكلها؛ وكذلك الانتقال الى مرحلة ربط الفعل الحزبي بممارسة الحكم وليس فقط بالتمثيل الشكلي للشعب. ومن جهة أخرى؛ يجب على المجتمع السياسي أن يلتزم بالدفاع عن المنهجية الديمقراطية؛ كأداة وحيدة للتغيير؛ وهذا لن يتحقق الا من خلال نشر ثقافة ديمقراطية تقوم على التعدد والاختلاف؛ وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ وربط ممارسة السلطة بتمثيل الارادة الشعبية.
كاتب وباحث أكاديمي
AZP07