الحرية والوهم

331

الحرية والوهم
يحيي البوليني
على مدى عقود طويلة صنع الاعلام الغربي وهما سوقه وروجه داخل المجتمعات الغربية وخارجها بأن الحرية الشخصية وحرية النشر وتداول المعلومات حق مقدس لا يجرؤ احد على المساس به.
ــ واعتبر تمثال الحرية المنصوب على خليج نيويورك رمزا لممارسة الشعوب الغربية للحرية الكاملة ــ في الأفكار والعقائد والتصرفات والنشر، وتم التسويق لهذه الفكرة والتأكيد عليها مرارا حتى ترسخت لدى القاصي والداني أن الدول الغربية تسمى في مجملها بلاد الحرية نظرا لما يتمتع به أفرادها، وأصبحت تلك البلاد حلم الكثيرين ممن يحلمون بممارسة قدر من الحرية، فظلت الجموع تتكاثر على طلبات الهجرة اليهم، ولا تزال.
ــ وساعد تبني واستضافة الكثير من الدول الغربية للاجئين من الدول العربية والاسلامية ــ ومن كل دول العالم الثالث المناهضين لأنظمة حكمهم الدكتاتورية أو المطاردين من حكوماتهم وبسط حماية الدول الغربية عليهم على تعميق هذه الفكرة التي طرحها الاعلام وسوق لها، فأصبحت بالفعل كثير من الدول الغربية ومنها بريطانيا تحديدا مأوى لكثير من المعارضين وبالتالي ازدادت ثقة الناس بالحرية الغربية الوهمية والمزعومة.
ــ والغريب في الأمر أن كل الحكومات الدكتاتورية في العالم الثالث كانت ولا تزال ترتبط بعلاقات وثيقة مع الأنظمة الغربية ــ التي تدعي مناصرتها لقضية الحرية، فلا تزال كثير من الدول الأفريقية الغارقة في مستنقعات الدكتاتورية، تتحرك أنظمتها القمعية كالدمى بإذن من الحكومة الفرنسية، وغيرها لا يحرك ساكنا الا بعدما تأذن له الحكومة الأمريكية أو البريطانية، وبالتالي تكون استضافتهم للعناصر المطاردة من الحكومات القمعية نوعا من الابتزاز الدائم والاعداد لكوادر أخرى بديلة اذا لم تحقق لها الأنظمة القمعية ما تريد من
قرارات وما تشاء من سياسات.
ولا نستطيع أن ننكر أن هناك قدرا من الحرية الشخصية لدى العالم الغربي، لكنها تمثلت في حرية تحديد نوع العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة أو بين أفراد النوع الواحد، وتمثلت أيضا في الحرية الاقتصادية في اقامة المشروعات مع الحذر من الاصطدام بالرؤوس الكبيرة في الاقتصاد، لكنها تظل دوما مقيدة بخطوط حمراء لا تتجاوزها. ــ فهذه الدعاوى الزائفة تتهاوى ــ اذا انتُهكت أي من مصالحهم القومية، فلا حرية ولا انسانية في تعاملهم مع بعضهم أو مع الوافدين عليهم ولا مع الدول المخالفة لهم، وأوضح مثال على ذلك ما قاله ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا عند الحديث عن الأمن البريطاني لا تحدثني فيه عن حقوق الانسان ، بل قال أوضح وأخص من ذلك اذا نزل المواطن عند تظاهرة من على الرصيف الى نهر الشارع فلا تحدثني عن حقوق الانسان ، وهكذا فعلت الولايات المتحدة مع متظاهري وول استريت الذين سحلوا وضربوا بقسوة في
الشوارع.
ــ وهكذا فشواهد المجتمع الغريب تؤكد أن قدسية حقوق الانسان لم تكن الا أكذوبة مصطنعة لتبرير تدخلهم في مصائر الشعوب وتوجيهها وفق ارادتهم فقط، أما عند وجود مصالحهم فلا اعتبار لها ولا وجود.
ــ فأين حقوق الانسان من سجن غوانتنامو الغامض والمؤلم ــ والذي يحتجز فيه سجناء بلا جريمة واضحة أو محاكمة أو أي دليل على ارتكاب أية جريمة وبلا وجود لعقوبة محددة المدة معلومة النهاية، وأيضا دون استطاعة أسرهم أو دولهم التدخل للمطالبة بمحاكمتهم أو الافراج عنهم، وذلك مع تسليمنا بأن أي مشترك في جريمة لابد وان يعاقب عليها بعد محاكمتهم
محاكمة عادلة يثبت بها تورطهم في الجرائم المنسوبة اليهم؟.
ــ وأين حقوق الانسان من سجن أبو غريب في الأراضي العراقية ــ وذلك مثبت بتقارير أصدرتها منظمات دولية مثل منظمة العفو في تقرير بتاريخ 7»5»2003 جعلته عن جرائم الحرب في سجن أبو غريب، فأظهرت أن هناك أنواعا عديدة من سوء المعاملة للسجناء مثل الضرب والصدمات الكهربائية والحرمان من النوم والتعليق والوقوف الاجباري لفترة طويلة وأيضا ما شاهده العالم كله من صور تعذيب لمساجين عراة يتلذذ معذبوهم بسادية مفرطة في تعذيبهم واهانة كرامتهم، بل وتعمد نشر أكثر من 1000 صورة للتعذيب الوحشي بداخل هذا السجن.
ــ وأين حقوق الانسان كذلك من سجن باجرام في أفغانستان ــ وهو السجن السيئ السمعة الموازي لمعتقل غوانتنامو تماما، ويقبع فيه أكثر من ثلاثة آلاف مسلم أفغاني بلا جريمة تذكر الا جريمة مقاومة العدو المحتل وهي التي لا تعتبر جريمة في الأعراف الدولية بينما تعتبر وسام شرف لدينا نحن المسلمين عند دفاعنا عن أوطاننا ضد المحتلين.
ــ وأين حرية الاعلام والنشر والابداع ــ من وقوف حاكم ولاية بنسلفانيا الأمريكية عام 1992 وقفة شرسة ومصادرته لكتاب فكاهي يحتوي على رسم كاريكاتوري اعتبره خارجا عن ثوابتهم وقيمهم، حيث صور رسام دانمركي تمثال الحرية واضعا رأس هندي أحمر مقطوع وتنزف منه قطرات دماء مكان الشعلة التي ترفعها يد التمثال اليمنى وواضعا في اليد الأخرى فأسا يقطر منها قطرات دم بدل الدستور الأمريكي، فأمر الحاكم بمنع بيع الكتاب أو تداوله في ولايته وسحبه أيضا من المكتبات العامة ومكتبات المدارس الحكومية .
ــ وظهرت بوضوح وخاصة أثناء الحروب الأمريكية المتعددة مصطلحات اعلامية جديدة ــ تنهي تلك الأسطورة السمجة المسماة عندهم بتقديس الحرية وخاصة الحرية الاعلامية، قدمت فيها مصلحة البلاد على الحرية الزائفة، فكان من بين تلك المصطلحات المصلحة القومية تتقدم على حرية الصحافة ومصطلح الحقيقة ملك للقضية الوطنية ، وبالتالي فلا حقيقة مطلقة الا بما تخدم القضية الوطنية، ولا اعتبار للحقيقة ولا حق للمواطن في معرفتها اذا كانت لا تخدم القضية الوطنية بفهم ساسة البلاد، وبهذا ضربت الحرية المزعومة وحق القراء في معرفة الحقيقة في مقتل واثبت بالفعل أن الحرية الاعلامية ما هي الا وهم مزعوم وخيال كاذب.
والاعلام الأمريكي تحت سيطرة قوية وصارمة جدا من السلطات الفيدرالية، وكانت الحرب على العراق مثالا صارخا للسيطرة الحكومية على كل وسائل الاعلام، اذ استبقت الحرب بثلاث سنوات كاملة حملة اعلامية ضخمة على كافة المستويات والوسائل لاظهار القيادة العراقية بمظهر شيطاني بالغ، ليمهد المجتمع الأمريكي والعالم بأسره لشرعنة الحرب على العراق.
ــ وكما يشير صباح ياسين ــ السفير العراقي ــ الى احتكار الاعلام في السياسة الأمريكية الحرة ô.الا في الحقيقة، فيشير الى أن الشعار العربي الصارخ الذي تبنته كثير من الأنظمة الشمولية الدكتاتورية في عالمنا العربي، وهو شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، قد تصدر المشهد الاعلامي الأمريكي، فظهر شعار مطابق له تقريبا على لسان أحد أشهر مذيعيها على قناة فوكس نيوز وذلك في قوله يوم ستبدأ الحرب ضد صدام حسين فاننا نتوقع من كل أمريكي أن يساند جنودنا والا فليخرسن، وأنا سأعتبره عدوا لكل أمريك .
ــ وفي كتاب أحدث دويا واسعا صدر عام 2011 عند صدروه، وكان من أكثر الكتب مبيعا داخل الولايات المتحدة، وهو عبارة عن تقرير يصدر سنويا عن مؤسسة مشروع للرقابة في الولايات المتحدة، ويتكون فريق المشروع من ثلاثين جامعة من مختلف أنحاء العالم تدرس محتوي وسائل الاعلام الرئيسية في العالم كله وتقدم تقريرا سنويا يشمل المعلومات المسكوت عنها اعلاميا، فجاء في تقرير 2011 أن هناك أربعة رؤساء أمريكيين بوش الأب وبوش الابن وبيل كلينتون وباراك أوباما ، بالاضافة الى أربعة رؤساء وزراء بريطانيين، أخفى الاعلام عن العالم ارتكابهم لحقائق تثبت مسئوليتهم عن جرائم الابادة الجماعية وجرائم ضد الانسانية تتعلق بابادة ما يزيد عن مليون ونصف مليون عراقي. ــ نصفهم على الأقل من الأطفال ــ، وكانت تلك المعلومات كفيلة باثبات الاتهام عليهم وادانتهم.
ــ وضرب الكاتب عدة أمثلة عن حقائق اخبارية مخفاة عمداــ لم يعلم عنها العالم شيئا أو مضخمة عمدا لتحقيق مصالح للادارة الأمريكية مثل أحداث مخفاة عن يوم 11 سبتمبر مثل حجبها لأخبار تتعلق بالعثور على متفجرات في موقع مركز التجارة العالمي أو أسباب سقوط المبني رقم 7 وهو المبنى الذي لم يتعرض لهجوم بالطائرات نهائيا، وأخبار تتعلق بالحرب العراقية ومنها اصابة العراقيين بالاشعاعات الضارة بسبب استخدام اليورانيوم المنضب في الهجوم وذلك في الوقت الذي أكدت فيه التقارير أن واحدا من كل 4 أطفال عراقيين يولدون وبهم عيوب خلقية بسبب التعرض لهذه الاشعاعات، ومنها أخبار تتعلق بالحرب الأفغانية وتلوث مياه الشرب في المناطق التي تم ضربها باليورانيوم مما أسفر عن قتل ما يزيد عن المليون أفغانيا، وغير ذلك من الأخبار المخفاة عمدا. ومن الأخبار التي ضخمت عمدا لتحقيق مصالح أمريكية ما ضخمته وسائل الاعلام حول فايروس أنفلونزا الطيور والخنازير مما حقق منافع كبيرة لبيع المخزون الكبير لدى شركات الدواء الأمريكية.
ــ ولم تقتصر السيطرة الاعلامية على الصحف والقنوات فقط ــ بل وتطرقت الى الاعتداء على خصوصيات وأسرار المشتركين على شبكة الانترنت، فأباحت الولايات المتحدة لنفسها انتهاك تلك الخصوصيات وذلك بسن قانون أسموه المساعدات الاتصالية لتنفيذ القانون ، وهو الذي يسمح بموجبه للسلطات الأمريكية التجسس على مواقع الفيسبوك وتويتر وجوجل بلس وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، بل وعلى مراقبة الحوارات الكتابية والصوتية على مواقع مثل ومايكروسوفت وياهوو ومحادثات سكاي بي وغيرها، وذلك بعد فترة طويلة من التنصت على أجهزة الهاتف المحمول من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ــ وبعد كل هذه الانتهاكات للحرية الشخصية ولحقوق الانسان داخل الولايات المتحدة وخارجها وداخل الدول الأوربية، هل يمكن لأحد أن يدعي أن هناك وجودا لما يسمى بقدسية الحرية الشخصية أو الحريات العامة.
ــ ان هذا الوثن الوهمي الزائف الذي تم صنعه خصيصا ليبرروا به تدخلهم في شؤون الدول تحت وهم دعم الحريات في العالم، وليجعلوا منه مطية لتبرير مواقف تحدث داخل مجتمعاتهم من الاعتداء على مقدسات لغيرهم، فيزعمون أنهم لا يستطيعون الاعتداء على حرية أفرادهم في حجبهم لفيلم مسيئ للرسول صلى الله عليه وسلم في حين أن القضاء الفرنسي يصدر حكما بتجريم كل من ينشر صورا مشينة لزوجة الأمير وليام ابن العهد البريطاني .ــ
ــ فآه أيتها الحرية، فكم من الجرائم ترتكب باسمك
المصدر مركز التأصيل للدراسات والبحوث
AZP07