الحرية .. قصة محمد مع قوات حفظ القانون – خالد ناجي

259

الحرية .. قصة محمد مع قوات حفظ القانون

– خالد ناجي

تربينا وتعلمنا وتفتحت مداركنا على حقيقة ان الحرية هي صنو الادمية. فالبشر احرار منذ ولدتهم امهاتهم ولا بد للحرية من ملازمتهم حياتهم كلها .

أن تكون حرا، تلك بديهة، وان تحافظ على حريتك فذلك منهج بني ادم لا ينازعه عليه احد، ولا يختلف معه عليه احد، ولا يسعى احد الى انتزاعه منه. فان فعل فالمجتمع والدين والعرف يقفون لثنيه صفا واحدا كالبنيان المرصوص .

ان الحرية قيمة عليا تُتبنى منا نحن من لا نرى عيشا الا بها، وهذا التبني به حاجة الى ادراك عميق بكنهها وماهيتها وطرائق الحفاظ عليها سالمة من الثلم .

قد يُستعبد الفرد وهو غير مدرك أو غير آبه بالعبودية التي يرزح تحت نيرها وغير مكترث بها . ولعل اكثر ما يتعرض اليه الانسان ويجعله غير مدرك الى عبوديته تقديسه غير المقدس، بأن يضفي على سلوك ما، هالة من اليقينية بصوابها ومن انعدام الشعور بالحاجة الى الخوض في مدى فائدتها وما يترتب عليها من اضرار . ان توسيع مدى القدسية ليشمل ما هو مجبول على الخطأ يُعد اخطر ما تتعرض اليه الجماعات البشرية .

لا بد ان نعي ان القدسية اختصاص الهي حيزه الله وعقيدته وما يرتبط بدينه وكتابه وسنته المؤكدة . ومن دون الانشغال والخوض في الماضي والخلاف والاختلاف القائمان على الاجتهاد فان انساننا المعاصر في شغل شاغل عن ذلك كله بما يعانيه وما يفتقر اليه من مستلزمات الحياة الكريمة في ابسط صورها وادق تفاصيلها .

الحرية تطلب اهلها مثلما هم يطلبونها ويسعون اليها ولا يطيب لهم العيش الا باستنشاق عبيرها.

يقع الكثير من العراقيين في الثقب الاسود للعبودية من دون الوصول الى الحرية ولا حتى الاقتراب من حافاتها بتلك الولاءات المتعددة التي يظنها مقدسة وغير قابلة للثلم والتشكيك، كالولاء للمذهب او العشيرة او الفئة او الحزب . ينهمك في دعاوى أساطينها ويسير خلف منظوماتها كالاعمى ليجد نفسه بعد هُنيهة أسير سلطانها وأجير ربابنتها لكن بلا أجر.

يفقد الانسان الذي لا يأبه لشرط الحرية الكافل لآدميته وعيشه الكريم شيئا فشيئا روحه ووعيه بالاشياء التي حوله، ناهيك عن السماح لنفسه فرض معتقده او فكرته التي يؤمن بها او ولاءه الذي يكبل حريته على الاخر الذي يظنه عبدا يستحق الاسترقاق والمهانة، ولقد تربى الكثير على مثل هذا المفهوم : من ليس معي فهو ضدي ومن لا يؤمن بما اؤمن به يستحق مني –ان تمكنت- كل ما تقرره نفسي الامّارة بالسوء من فحش وايذاء وامتهان .

هذا ما حصل بالضبط من مجموعة قوات حفظ القانون مع الطفل محمد عبر مقطع الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي واحدث ضجة غير مسبوقة .انهم مجموعة من المغيبين الذين تربوا على العبودية فظنوا ان هذا الطفل الاعزل هو عدوهم . ذلك لانه خرج متظاهرا على الفقر الذي عانوه مثله، وعلى الظلم الذي تجرعوه مثله، وعلى مهانة الوطن الذي يشاركون محمدا فيه ، وعلى فرص الحياة الكريمة التي فقدوها مثلما فقدها. عاقبوه بكرامته لأنهم لم يتربوا على معنى ان يهان الانسان بهذه الطريقة الشنيعة. وامتهنوا عرضه واساءوا الى امه لأنهم يظنون ان الاخر المختلف مستباح العرض والمال والروح .

هكذا تعمل العبودية على أرضنا التواقة الى الحرية.

{ الشريف الاستاذ الدكتور

مشاركة