الحرب‭ ‬والمفاوضات – رافد جبوري

203

تتسارع‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬الازمة‭ ‬مع‭ ‬ايران‭ ‬لتأتي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬بجديد‭ ‬من‭ ‬الافعال‭ ‬والتصريحات‭. ‬ترامب‭ ‬يتحدث‭ ‬ويغرد‭ ‬ويهدد‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لكلماته‭ ‬قيمة‭ ‬كبيرة‭ ‬او‭ ‬دلالة‭ ‬واضحة‭ ‬فقد‭ ‬افلتت‭ ‬منه‭ ‬ادارة‭ ‬الازمة‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬حينما‭ ‬بات‭ ‬واضحا‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬الحرب‭. ‬ترامب‭ ‬يريد‭ ‬صفقة‭ ‬مع‭ ‬ايران‭ ‬تكون‭ ‬بديلة‭ ‬عن‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬الذي‭ ‬وقعه‭ ‬سلفه‭ ‬باراك‭ ‬اوباما‭ ‬ولم‭ ‬يصادق‭ ‬عليه‭ ‬الكونغرس‭ ‬وهاجمه‭ ‬ترامب‭ ‬منذ‭ ‬حملته‭ ‬الانتخابية‭ ‬لينتهي‭ ‬الامر‭ ‬بالانسحاب‭ ‬الاميركي‭ ‬المنفرد‭ ‬منه‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬ثم‭ ‬انهياره‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬عمليا‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬ايران‭ ‬الى‭ ‬تخصيب‭ ‬وخزن‭ ‬اليورانيوم‭ ‬في‭ ‬الاسابيع‭ ‬الاخيرة‭. ‬

كانت‭ ‬لحظة‭ ‬اسقاط‭ ‬الايرانيين‭ ‬للطائرة‭ ‬الاميركية‭ ‬المسيرة‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬حزيران‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‭ ‬هي‭ ‬اللحظة‭ ‬الاكثر‭ ‬توترا‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬الازمة‭. ‬اذ‭ ‬اعطى‭ ‬ترامب‭ ‬الاوامر‭ ‬فعلا‭ ‬لشن‭ ‬مجموعة‭ ‬ضربات‭ ‬على‭ ‬اهداف‭ ‬محددة‭ ‬لكنه‭ ‬تراجع‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬التنفيذ‭ ‬بعشر‭ ‬دقائق‭ ‬قائلا‭ ‬بانه‭ ‬لم‭ ‬يرد‭ ‬ان‭ ‬يزهق‭ ‬ارواح‭ ‬مائة‭ ‬وخمسين‭ ‬شخصا‭ ‬قدرت‭ ‬القوات‭ ‬الاميركية‭ ‬انهم‭ ‬سيسقطون‭ ‬ضحايا‭ ‬للضربات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭. ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬الحرب‭ ‬يريد‭ ‬ايضا‭ ‬ان‭ ‬يسلط‭ ‬اقصى‭ ‬درجات‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬ايران‭ ‬ويريد‭ ‬لذلك‭ ‬الضغط‭ ‬ان‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬جر‭ ‬ايران‭ ‬الى‭ ‬التفاوض‭ ‬وفق‭ ‬شروط‭ ‬ترامب‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬بل‭ ‬يكاد‭ ‬العكس‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬فقد‭ ‬اخذت‭ ‬ايران‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭ ‬الميدانية‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬حوادث‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬هي‭ ‬وحلفائها‭ ‬الاقليميين‭ ‬امتدت‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬الى‭ ‬اليمن‭ ‬الى‭ ‬السعودية‭ ‬الى‭ ‬العراق‭. ‬اما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبرغم‭ ‬التهديدات‭ ‬فهي‭ ‬تمارس‭ ‬اقصى‭ ‬درجات‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬اي‭ ‬موقف‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بايران‭ ‬كافيا‭ ‬لان‭ ‬يكون‭ ‬ذريعة‭ ‬لشن‭ ‬ضربات‭ ‬قاسية‭ ‬على‭ ‬ايران‭. ‬انظر‭ ‬مثلا‭ ‬الى‭ ‬قيام‭ ‬ايران‭ ‬باحتجاز‭ ‬ناقلة‭ ‬نفط‭ ‬بريطانية‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بالرد‭ ‬عليه‭ ‬بالتصريحات‭ ‬والتوعد‭. ‬بينما‭ ‬وضع‭ ‬المرشد‭ ‬الاعلى‭ ‬الايراني‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬عنوانا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬واضحا‭ ‬لا‭ ‬للحرب‭ ‬ولا‭ ‬للمفاوضات‭ ‬وضع‭ ‬ترامب‭ ‬مبدأ‭ ‬لا‭ ‬للحرب‭ ‬نعم‭ ‬للتفاوض‭ ‬بدون‭ ‬شروط‭. ‬لا‭ ‬ندري‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تفاوض‭ ‬فعلي‭ ‬سري‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬مثلما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬بين‭ ‬ايران‭ ‬واميركا‭ ‬بطريقة‭ ‬مباشرة‭ ‬و‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭. ‬لكن‭ ‬الايرانيون‭ ‬باتوا‭ ‬يتحدثون‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬امام‭ ‬التفاوض‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬عن‭ ‬المبدأ‭ ‬الذي‭ ‬وضعه‭ ‬المرشد‭. ‬فقد‭ ‬نقل‭ ‬عنهم‭ ‬انهم‭ ‬مستعدون‭ ‬للتفاوض‭ ‬اذا‭ ‬رفعت‭ ‬العقوبات,‭ ‬ترامب‭ ‬ايضا‭ ‬تراجع‭ ‬عن‭ ‬الشروط‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬التي‭ ‬وضعتها‭ ‬ادارته‭ ‬بعد‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬وبات‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬مفاوضات‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬شروط‭ ‬مسبقة‭. ‬تبدو‭ ‬المفاوضات‭ ‬هي‭ ‬الحل‭ ‬الامثل‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬رغبات‭ ‬الطرفين‭ ‬واهدافهما‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬فقد‭ ‬اثبتت‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ ‬ان‭ ‬استمرار‭ ‬وجودهما‭ ‬معا‭ ‬وسياساتهما‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الاوسط‭ ‬فيها‭ ‬خدمة‭ ‬متبادلة‭ ‬رغم‭ ‬حروب‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬لعقود‭. ‬ترامب‭ ‬يصرح‭ ‬بوضوح‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬لكن‭ ‬الايرانيين‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬تسلطه‭ ‬واشنطن‭ ‬خطرا‭ ‬حقيقيا‭ ‬يهدد‭ ‬وجود‭ ‬النظام‭ ‬واستمراره‭. ‬خطر‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬اشعال‭ ‬الحرب‭ ‬خيارا‭ ‬لهم‭ ‬اذا‭ ‬وصلت‭ ‬الامور‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬يهدد‭ ‬نظامهم‭ ‬فعلا‭. ‬اما‭ ‬ترامب‭ ‬فلا‭ ‬يريد‭ ‬الحرب‭ ‬ولكنه‭ ‬سيكون‭ ‬مضطرا‭ ‬لخوضها‭ ‬اذا‭ ‬قامت‭ ‬ايران‭ ‬بهجوم‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬قتل‭ ‬اميركيين‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تجنبه‭ ‬حتى‭ ‬الان‭.‬

مشاركة