الحديثي يعيد أفكار الوردي الخمسينية الى القرن الواحد وألعشرين في امسية بدمشق

414

الحديثي يعيد أفكار الوردي الخمسينية الى القرن الواحد وألعشرين في امسية بدمشق
عالم اجتماع يكتب في الأدب باجتهاد دارس ومفكر ومتحمس لرأيه
منذر الشوفي
وضع الباحث طلال سالم الحديثي اصبعا ربما لم يشر اليه احد على أسلوبية الباحث الاجتماعي علي الوردي بعد 17 عاما من رحيله في فهم الذوات الانسانية لطبيعة المجتمع العراقي، حيث ذكر في ندوة خصصها المنتدى الثقافي العراقي في دمشق، قدمها الكاتب زيد الحلي، انه لمس أهتمامات العالم الاجتماعي الكبير بشخصية الفرد العراقي، عندما حظي بشرف كونه احد طلبة الوردي في الدراسة الابتدائية حين تم تعيين الوردي معلما في اواسط خمسينيات القرن المنصرم قبل ان يكمل دراسته العليا في امريكا، وأكد بأن الوردي طبع حضوره في أذهان طلبة الابتدائية، من خلال محاكاة الواقع الذي يعيش بظلاله الطلبة واحساسه بما يجول في تلك الذهنية الغضة..ويبدو إن تلك الموهبة والطريقة المبتدعة في التدريس وإلقاء الأفكار رافقته في مسيرته اللاحقة، حيث كتب معظم مؤلفاته التي ذاعت وانتشرت بين القراء لأسباب كثيرة أهمها كونها دراسات غير مسبوقة كتبت بجهد العالم المتمرس المطلع على مناهج البحث القديمة والمعاصرة مدعومة بثقافة أكاديمية واسعة واطلاع عريض على أساليب البحث العلمي في مختلف منازعه الأجنبية والعربية.
إضافة إلى جرأة البحث في تناول الجوانب الاجتماعية التي لم يتناولها أحد وبأسلوب يخاطب كل العقول بمستوياتها المتعددة.. الأسلوب الذي يهدف إلى الوصول إلى كل قارئ مهما كانت ثقافته، ولذلك أقبل القراء على هذه الروح الجديدة في كتابة لا تتعالى على أحد بل تتوجه إلى الجميع ولذلك أحبوها وأقبلوا على قراءتها، ومازال يعاد طبعها وتنفذ كما لم يحدث لكتاب آخرين.
تناول الحديثي في محاضرته، منهج الوردي القائم على ان الانسان هو ذروة المجتمع، والازدواجية الاجتماعية وتناشزها، وكذلك صدام البداوة والحضارة، وأزدواج الشخصية في مفهومها ومعناها الاجتماعي لا المعنى السايكولوجي المرضي.. وأشار الى سعي الوردي في كتبه ومحاضراته في إحلال مفهوم الوطن بدلاً من مفهوم المحلة والعشيرة، وضرورة الخضوع لسلطة الدول وقوانينها بدلاً عن سلطة العشيرة.
وتناولت محاضرة الحديثي، جانبا في مسيرة الوردي الابداعية وهو جانب النقد الادبي، فمن المعروف ان د. علي الوردي أشتهر بكونه من رواد العلم الاجتماعي، لكن لم يشر اي باحث الى كونه احد ابرز من كتبوا النقد الادبي… وقال الحديثي
أذكر أن هذا الموضوع كان قد أثاره أحد النقاد العرب من مصر هو الدكتور ماهر حسن فهمي في محاضرة ألقاها علي طلبة قسم اللغة العربية في كلية آداب جامعة بغداد بواكير ستينيات القرن المنصرم. وقد أثارت محاضرته حينها جدلا واسعا بين صفوف تلامذة القسم الذين استكثروا أن يكون كتاب علي الوردي أسطورة الأدب الرفيع هو المقرر الدراسي الرافد لمادة النقد الأدبي ــ مناهجه وتطبيقاته ــ . ولكن الدكتور ماهر ــ وكنت أحد طلبته ــ لم يأبه بالاعتراضات بل أوضح لنا بتأكيد قاطع أن كتاب أسطورة الأدب الرفيع نموذج ممتاز للنقد الأدبي يجب أن يدرس بغض النظر عن أية اعتراضات.
وقد تفهمنا حينها إصرار الدكتور ماهر حسن فهمي وسار درسنا النقدي بمادة كتاب كتبها عالم اجتماع كشفت لنا عن صدقية الرجل في موضوع بحثه وعلميته المبنية علي اجتهاد دارس مطلع، ومفكر جريء يتحمس لرأيه ويدافع عنه برغبة إقناع المقابل بل وإفحامه.
وكتاب الوردي أسطورة الأدب الرفيع والذي يهديه إلي أولئك الأدباء الذين يخاطبون بأدبهم أهل العصور الذهبية الماضية، عسي أن يحفزهم الكتاب علي أن يهتموا قليلا بأهل هذا العصر الذي يعيشون فيه، ويخاطبهم بما يفهمون، فلقد ذهب عهد الذهب، واستعاض عنه الناس بالحديد ،
يقول عنه في المقدمة إن هذا الكتاب الذي بين يّدي ليس كتابا بالمعنى الدقيق، إنما هو مجموعة من المقالات كتبتها في مناقشة الدكتور عبد الرزاق محي الدين، أستاذ الأدب العربي في دار المعلمين العالية. وقد حاولت في أول الأمر نشرها في إحدي الجرائد المحلية، ولكن الجريدة استصعبت نشرها تباعا يوما بعد يوم، فاضطررت من جراء ذلك نشرها في هذا الكتاب.
مقالات في الشعر
ومقالات الوردي التي ضمها الكتاب اثنتان وثلاثون مقالة، ولدي قراءتنا المقالات الثلاث المعنونة نقاد الأدب نقف على الدواعي التي دفعت الوردي إلي كتابة ما كتب في النقد الأدبي وهو ليس مجال اختصاصه. يقول ابتلينا في الآونة الأخيرة بفئة من الناس يريدون أن يكونوا كتابا ونقادا للأدب رغم آناف الناس جميعا بينما هم لا يعرفون من الأدب سوى الشتيمة والنقد اللئيم.
ويقول مصيبتنا في بعض نقادنا أنهم لا يملكون المقدرة علي إنتاج شيء يصح أن يسمي أدبا. كل ما يقدرون عليه هو نقد المنتجين ويا ليتهم استندوا في النقد علي أساس من العلم، إنما يجرون فيه وراء عواطفهم الذاتية، فإذا أحبوا شخصا رفعوا به إلي السماء، وإذا كرهوه هبطوا به إلي أسفل درك من الجحيم.
وأهمية النقد تتجلي بقوله لا ننكر ما للنقد من أثر كبير في تنمية الأدب وتوجيهه. ولكنه يجب أن يتحرر من العاطفية الذاتية، قدر الإمكان، لكي يؤتي ثماره في هذا السبيل، أما إذا كان نقدا عاطفيا فهو يؤدي إلى الإضرار بالأدب أكثر مما يؤدي إلي نفعه.
والناقد كما يراه الوردي هو الذي يتذوق القطعة الأدبية كما يتذوقها الأديب الفنان، ثم يخضعها بعد ذلك للمنهج العلمي الذي لا سلطان للذوق الشخصي عليه. إن الناقد بعبارة أخرى، فنان وعالم في آن واحد، وهذا هو الذي جعل مهمة النقد شاقة وعسيرة.
كانت محاضرة ممتعة، وتفاعل معها ضيوف المنتدى الثقافي العراقي بدمشق، الى الحد الذي جعل الوقت المخصص للمحاضر يتضاعف وسط أنتباه ومناقشة أفكار المحاضر، وبذلك يتأكد ان الوردي الذي شغل مجايليه بأفكاره وطروحاته، حضر من جديد وبقوة الى قاعة هذا المنتدى الذي أحتضن المثقفين العراقيين والعرب، وشهدت قاعته الكثير من الفعاليات ذات الطابع الفني والثقافي.. وبسطور سريعة نقول ان الدكتور الوردي هو علي حسين عبد الجليل الوردي ولد في بغداد، حي الكاظمية في عام 1913 ــ 1995 . من عائلة متوسطة المستوى المعيشي، حيث عمل ابوه عطارا في الكاظمية، وقد شارك الوردي اباه في عمله هذا حينما ترك الدراسة التقليدية الكتاتيب التي كان قد التحق بها كعادة معظم ابناء جيل تلك المرحلة ولقلة المدارس النظامية. وقد كان العراق وقتها جزءا من السلطنة العثمانية. وبعد انهيار حكم السلطنة في العراق بعد دخول القوات البريطانية اليه إبان الحرب العالمية الاولى 1914 ــ 1918 ، فقد عاد الوردي الى الدراسة ولكن هذه المرة من بابها الواسعة، حيث دخل مدرسة نظامية وهجر دراسة الكتاتيب. ويجد الوردي في انهيار حكم الدولة العثمانية في العراق والمنطقة أفقا وفتحا جديدا أدخل معه الكثير من مدخلات الحضارة الى العراق ومنها انتشار هذا النوع من التعليم الحديث، والذي لولاه لكان الوردي عطارا مثل ابيه كما ذكر ذلك في أكثر من مناسبة.
عمل معلما لمدة سنتين بعدها بعد تخرجه من الدراسة الاعدادية، سافر بعدها ليدرس في الجامعة الاميركية في بيروت، ثم جامعة تكساس في اميركا حيث نال شهادة الماجستير في عام 1947 في علم الاجتماع، ثم تحصل في عام 1950 على الدكتوراه من نفس الجامعة ونال تكريم حاكم الولاية شخصيا بعد ان تفوق بامتياز.
عاد الى العراق بعد تخرجه وعمل بقسم علم الاجتماع في جامعة بغداد وكان من رواد القسم ورواد علم الاجتماع في العراق.
وقد كان الوردي اول من دعا الى علم اجتماع عربي يدرس المجتمع العربي في ضوء خصوصياته الجغرا ــ ثقافية، وانطلاقا من طروحات ابن خلدون.
ركز الوردي على عامل البداوة وقيمه وأثرها في تكوين الشخصية العربية
/4/2012 Issue 4184 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4184 التاريخ 26»4»2012
AZP09