الحدود الوهمية ـ د. حسن حنفى

267

الحدود الوهمية ـ د. حسن حنفى
يتنازع السياسيون على الأيديولوجيات الوحدوية عربية أو اسلامية من ناحية أو قطرية من ناحية أخرى. يدافع القوميون والاسلاميون عن وحدة الأمة، عربية أو اسلامية، ويدافع القطريون عن وحدة الأقطار، مصر أولا، الأردن أولا، الكويت أولا… الخ. وقامت تجارب فى الواقع على الوحدة القطرية وعلى الوحدة العربية. ولم تقم بعد على الوحدة الاسلامية. والخطورة هو تحول اختلاف الأيديولوجيات الى صراع سياسى فيما بينها. فما الحل؟
يكمن الحل فى تصحيح العلاقة بين الجغرافيا والسياسة، أيهما أساس وأيهما فرع. هل تتأسس الجغرافيا على السياسة أم تتأسس السياسة على الجغرافيا؟ تأسيس الجغرافيا على السياسة هى نظرة نازية فاشية تقوم على توحيد الشعوب بصرف النظر عن واقعها الجغرافى. وتأسيس السياسة على الجغرافيا رؤية وحدوية تقوم على الواقع الطبيعى بحدوده الجغرافية الطبيعية.
والموقع الجغرافى الذى نشأت فيه هذه الدول هو صحراء ممتدة شاسعة من الخليج العربى الى المحيط الأطلنطى أو ايران وامتدادها شمالا عبر آسيا الوسطى. فهى منطقة متسعة مفتوحة بطبيعتها غير قابلة للتقسيم يصعب تقسيمها الى قطع متلاصقة. عاشت فوقها الامبراطوريات القديمة، اليونانية والرومانية، ورثها الفتح الاسلامى بسرعة غربا وشرقا وشمالا وجنوبا فى بقاع ممتدة بالرغم من خوف عمر على الفاتحين من عبور البحار، البحر الأحمر والخليج العربى، وجبل طارق. فالعربى مقاتل فى الصحراء وليس فوق البحار.
واستمر الأمر كذلك لدى الأمويين ثم العباسيين. ولما ضعفت مركزية بغداد استقلت الأطراف أو كادت. وتوالى على مصر حكم الطولونيين والاخشيديين والفاطميين والأيوبيين حتى المماليك والعثمانيين. وظلت مصر على طول تاريخها ذات حدود مفتوحة شرقا من سيناء منذ الهكسوس حتى الفتح العربى، وغربا من الصحراء الغربية منذ الحيثيين حتى الفاطميين، وجنوبا من السودان منذ النوبيين، وشمالا من البحر الأبيض المتوسط حيث أتى الاستعمار الحديث. ونظرا لقدرة مصر على تمثل الغريب فقد أصبح الجميع مصريين.
ولما جاءت فترة الرجل المريض وبدأت الامبراطورية العثمانية فى التقهقر بعد أن كانت على أبواب فيينا. وبدأ تقسيم ممتلكاتها ومن بينها الوطن العربى بين القوى الغربية الكبرى، انجلترا وفرنسا. لانجلترا مصر والسودان والعراق واليمن والخليج، ولفرنسا المغرب والجزائر وتونس والشام. ولايطاليا ليبيا والصومال. وأكدت اتفاقية سايكس بيكو هذا التقسيم حتى جاءت الحرب العالمية الأولى وأصبح الوطن العربى كله مقسما تحت سيطرة الدول الغربية، أقساما مصطنعة وكأنها بقلم ومسطرة من رسام ماهر.
وجاءت حركات التحرر الوطنى لهذه الدول مطالبة بالحرية والاستقلال سواء عن طريق الشعوب مثل الجزائر أو عن طريق الجيوش مثل مصر أو عن طريق الحكام، الملوك مثل المغرب أو الأمراء مثل الأطرش فى الشام أو الأئمة مثل السودان. وخـُدع العرب بعد أن وُعدوا بالاستقلال ان هم ساعدوا الحلفاء ضد الأتراك العثمانيين. ولما انتصر الحلفاء استعمروا من وعدوهم بالاستقلال بالأمس. وبدأ العرب فى النضال ضد الحلفاء من أجل الحرية والاستقلال حتى السبعينيات.
وبعد أن نالت الدول الوطنية استقلالها أقامت نظمها على نسق الدولة الوطنية فى الغرب فى القرن التاسع عشر، وحدة اللغة والعرق، وقبول الحدود المصطنعة التى ورثتها عن الدولة الغالبة فى الحربين العالميتين الأولى والثانية. ولما بدأ تعثر الدولة المتحررة حديثا وتحولها من دولة وطنية الى دولة مستبدة ثارت الشعوب ضدها لأنها ليست هى الدول التى ضحت من أجلها. وبدأ الربيع العربى يمثل ثورات الشعوب ويحقق أهداف الثورة القومية بصرف النظر عن انتكاساتها فى مرحلة التحول الديموقراطى، انفرد فريق واحد بالسلطة خوفا من انفلات السلطة من الأيادى وبالتالى يمتد الاستبداد على الديموقراطية. ويستمر الخلاف الأيديولوجى الفوقى على الأرض فيغطيها.
أما على الأرض فلا توجد دولتان جارتان الا بينهما خلاف على الحدود بين المغرب والجزائر واحة تندوف، بسببه أغلقت الحدود بين الدولتين فوق الثلاثين عاما، وبين مصر وليبيا حيث توجد قبائل أولاد على، وبين مصر والسودان، حلايب وشلاتين، ومنطقة وادى حلفا التى يتغير فيها عرض السكة الحديد، ومصر وفلسطين فى منطقة العوجة، والامارات وعُمان فى واحة البريمى، واليمن والسعودية فى منطقة عسير ونجران، والأردن وفلسطين فى وادى الحمة، والكويت والسعودية فى المنطقة التى تحت ادارة الأمم المتحدة، والعراق والكويت فى منطقة آبار النفط، وسوريا وتركيا فى لواء الأسكندرونة. فعاشت الدولة العربية فى نزاعات حدود بينها. وخلقت عداءات بينها. وهى منطقة صحراوية واحدة لا يعرف العربى فيها حدودا بل يرى أمامه الأفق دائما.
لذلك عادى الغرب كل حركة وحدوية قومية أو اسلامية تلغى الحدود بين الأقطار العربية، وتسميها العالم العربى وليس الوطن العربى. وعادى الاستعمار كل تجربة وحدوية مثل تجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا 1958ــ1961، وبين مصر وسوريا والعراق، ومصر وسوريا وليبيا واليمن حتى ولو كانت على الورق وليس لها أى أثر فعلى.
وبعد أن توقف المد الوحدوى بدأ تخطيط تفتيت المنطقة بداية بالعراق الى دول طائفية، عرقية شيعة فى الجنوب، سنية فى الوسط، كردية فى الشمال. وبدأ تفتيت الخليج على نفس النمط والدعوة لأن يكون السكان الأسيويون مواطنين لهم حقوق. والمساعدة على شق الصراع اليمنى بين سنة وزيدية، وشق السودان قسمين، شمالا وجنوبا، ثم تفتيت الجنوب بين القبائل وتفتيت السودان بدارفور وكردفان، وتفتيت مصر بين مسلمين وأقباط، وتفتيت المغرب العربى كله بين عرب وأمازيغ، وتفتيت لبنان الى طوائف والشام كله الى طوائف وأعراق. فتكون اسرائيل هى أقوى دولة طائفية عرقية فى المنطقة. تجمع يهود الشتات فيها فى حين أن الوطن العربى يكون طاردا لسكانه بحثا عن الرزق أو الحرية. ولا تحتاج اسرائيل فى الدفاع عن نفسها الى جيوش تحارب بها حربا أرضية فقد أصبحت الحروب الآن بصواريخ بعيدة المدى، والطائرات دون طيار وحربا نووية، بضربة واحدة تقضى على العدو.
الحدود الأرضية التى عليها خلاف حدود وهمية، لا وجود لها. تعبرها الأسلحة الحديثة اليوم عابرة للقارات وليست فقط عابرة للحدود الأرضية كما هو الحال فى الحرب التقليدية.
AZP07