الحداثة وتدجين الإنسان

الحداثة وتدجين الإنسان

ضمد كاظم وسمي

جرت العادة عند الحديث عن الحداثة .. ان يشاد بخصالها المبهرة.. ويفتخر بمنظومتها الفكرية والفلسفية .. وتأخذ الإنسان رهبة وعجب وهو يرى الى تقنياتها وآلياتها سواء في السياسية ام الاقتصاد ام المجتمع المدني بل حتى افرازاتها الجمالية التي تعد الوجه الاكثر تقاطعاً من الحداثة مع واقع المجتمعات العربية .. والاشد غرابة في الامر .. ان جل الكتاب العرب يتعاطون مع الحداثة الجمالية في أدبياتهم مع عدم مراعاة الشروط البيئية للحداثة من حيث البنى التحتية ومدى قدرتها على اعادة تشكيل الوعي العربي وبالتالي تجديد بناء المنظومة الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية .. على اساس الانبعاث الحضاري الذاتي جنباً الى جنب الحوار مع الفكر الغربي الحداثي كضرورة تاريخية – الحوار المبني على الندية لا الحوار الذي يجري من طرف واحد – .. لكن حتى لاتنقلب الحداثة الى وثن مقدس .. لابد من التقليل من غلواء اسطرتها .. والوقوف على ساحل عيوبها .. والبحث عن التحفظات المطروحة من الفكر الغربي ذاته ازاء مادية الحداثة وفلسفتها الوضعية الرامية الى تصنيم العقل .. وتاليه العلم .. مع عدم الالتفات الى ابعاد الانسان الاخرى وآفاقه الواسعة .

ثمة افكار قد تنتمي الى فلسفة مابعد الحداثة .. تتوافق مع توجهات فلسفية ذات ملامح نيتشوية أو هيدجرية ، تنتقد الحداثة .. أو على الاقل تتحفظ عليها بصفتها  ( عقلانية ظافرة ، وتحرر جذري ، وذاتية شفافة مطابقة لذاتها  ) .. وترى في كل ذلك نوعاً من آيديولوجيا الحداثة الذي  ( يعكس أوهام الحداثة عن نفسها وتضخم أوهامها الاستبدادية  ) .. فعقلانيتها الظافرة تتوافر على لا معقولية صامتة ، وتحررها الجذري يستبطن حرية استبدادية ، وذاتيتها الشفافية تنتهي الى ذاتية عمياء .

لعل أكبر الانتقادات الموجهة الى الحداثة بأعتبارها آيديولوجيا ، هو ذلك النقد الذي يتوجه الى أساسها الفلسفي القائم على فرعنة  ( العقل  ) باعتبار عقل الانسان كناب الذئب ..  ( يعد سلطة قمعية جديدة ميالة الى المماهاة والغاء التناقضات وتجميد الصيرورة عبر مقولات العقل التي هي الهوية والجوهر والعلة والوحدة  ) .. هذا بالاضافة الى النقد الموجه الى ثنائيات الحداثة المنحدرة من عمق التاريخ وهي الثنائيات التي تؤدلج الانسان وتشطر كينونته العقائدية على مستوى الاخلاق  ( الخير والشر  ) والمنطق  ( الحقيقة والخطأ  ) والميتافيزيقيا  ( الظاهر والباطن  ) .. وهكذا فالبنية الفكرية الاساسية للحداثة هي  ( هذه الثنائية المركزية المتمثلة في الذات والموضوع ، الذات كحرية وفعل واراداة ومعيار ، والموضوع كشبكة من المعطيات الموضوعية والحتميات  ) ..أي ان الانسان كما يصوره الفكر الحداثي تتنازعه ثنائية الاختيار والجبر الفلسفية الموغلة في القدم والتي لم تر الحل المنجز بعد !! .. الانسان من جانب يتسم بالحرية – حرية الاختيار والفعل – ومن جانب آخر تتصدى لهذه الحرية وتستنزفها شبكات غير متناهية من الحتميات المختلفة .. ناهيك عن النقد اللاذع الموجه الى مفعولات الحداثة الاجتماعية التي لاتتواءم والاسس التي اقيمت عليها والشعارات التي تبنتها في المساواة والنظام والعدالة .. كما بني النقد النيتشوي للحداثة على اساس التشكك بالمزاعم التحررية لها تجاه جثوم الماضي والاحكام المسبقة ومعيقات الحاضر والبنيات القائمة .. ووصمها بالنزعة الاحادية والاستبدادية والتوتاليتارية في السياسة واستعمالها لقواها – الحداثة – في استعباد الشعوب واستعمارها ونهب ثرواتها والعمل على تدمير ثقافاتها .. كما وجهت انتقادات الى الديمقراطية التي هي التجسيد السياسي للحداثة باعتبارها دكتاتورية الاكثرية ، وتحكيم الغوغاء والرعاع واقصاء للنخبة والعبقرية وتهميش للفردانية المتميزة ، و  ( سيادة آيديولوجيا القطيع في التجانس والطاعة والامعية وتحايلات الضعفاء ) .. وبذلك يمكن القول ان تاريخ الفكر الالماني سيما الفكر الفلسفي يضج بنقده للحداثة ، وان أعمق المثالب التي وصمت بها قد تبنته الرومانسية الالمانية ونيتشه وهيدجر ومدرسة فرانكفورت  ( الى درجة تم فيها انتقاد ميتافيزيقا الحداثة  ) .. حيث تحدث هيدجر عن الاسس الفلسفية العميقة لميتافيزيقيا الحداثة .. وعاب عليها التشدد في عقلانيتها والتمادي في اداتيتها والتوحش في موضوعانيتها وتدجينها للطبيعة والانسان ، والعمل على تحويل الناس الى كتل متماهية ، وتسييد التعميم والتغفيل وفرض التجهيل الروحي .. ان الحداثة عند هيدجر هي  ( عدمية وفراغ يتم ملؤه بالاساطير المغذية للسيكولوجية الجماعية وبالايديولوجيا واليوتوبيا واصطناع بطولات وأبطال في السياسة والرياضة والفن  ) .. بينما اعتبر بودلير  ( الحداثة هي ما هو عابر وعارض وفرار  ) .. ذلك ان جوهر الحداثة هو صيرورة دائمة التحول والتغيير .. بل سيرورة تحكي التجدد والتخطي المستمر .

ان هكذا حديث يشير الى غياب المعنى واستشراء العدمية .. ليس بصفته يبحث عن المعنى او يدعو الى تجسيد الوجود بقدر ما يصف بنيات قائمة ، فضلاً عن حض التفكير الانساني لمقاربة الجانب الميتافيزيقي في الحداثة ، واستجلاء بعده السلبي .. ذلك ما اعتمده الخط النقدي في الثقافة الالمانية .. وهو يغذ السير على درب النقد الرومانسي للحداثة ضمن  ( مجموع الانتقادات التي وجهت الى الحداثة كبنية فكرية وكنظام فكري مغلق  ) .. فتيار ما بعد الحداثة يتعكز على تلك الانتقادات حتى ماهى بين اقانيم الحداثة وأساطيرها اذ وصف نسقها الفكري بالمغلق ، وبين رفضها لاي بعد للانسان سوى العقل بانكارها للمتخيل والرمزي والمقدس ، وعاب عليها تمجيدها المطلق للانسان وتصنيمها للتاريخ  ( ولم يعد هناك شيء فوق الانسان ، بعد ان وضعوه في مكان الله ، واضحى التاريخ – لا الله – هو الحاكم الاعلى  ) على حد تعبير  ( ياسبرز ).

في مرحلة الحداثة الظافرة المزهوة بنفسها اصاب العلم نجاحاً باهراً .. نجم عنه تقدم تقني هائل حتى شهد العالم مولد  ( الخرافة العلمية  ) .. واصبحت الحقيقة العلمية هي الحقيقة بعينها فيما عدت الفلسفة مجرد سابقة للعلم حتى  ( اصبح لفظ الفلسفة والميتافيزيقيا سبة ونقيصة معرفية  ) .. الامر الذي انجلى عن ازمة ارهقت الفلاسفة واعيت المفكرين في مخاضاتهم الفكرية بين العلم والايمان .. كما هو الحال عند كانط ، فيما تفاقم مدلول هذه الازمة لدى هيجل الذي عمل على مجاوزته في نسقه الفلسفي .. وانتهى الامر لدى هوسرل الى رد الفلسفة الى العلم واكسابها صرامته ودقته .. وهكذا تقازمت الفلسفة على ايدي هؤلاء الفلاسفة وراحت تستظل بالنموذج العلمي .. لكن ( سيتغير الامر مع هيدجر الذي يبين انه ليس هناك علم خاص خال كليا من الميتافيزقيا ) .

يمكن القول ان ما يؤخذ على الحداثة كديناميكية في جذورها الأصلية .. وعمقها البنيوي .. انها دينامية  ( التفاعل والآلية والتحكم بعيداً عن أية غايات  ) ، سوى غاية التحكم في الانسان والسيطرة على الطبيعة ، الامر الذي يشير الى ان دينامية الحداثة في اساسها العميق لاتعدو ان تكون حركية محايدة اخلاقياً ، اذ انها لاتتغيا اية غاية اخلاقية .

يبقى ان نقول ان كل ما تقدم من انتقادات وجهت الى الحداثة من الفكر الغربي ذاته .. يعني ان هذا الفكر الحر النقدي لايستثنى حتى نفسه من النقد الامر الذي يشير الى التجدد والتجاوز والبناء المستمر .. ويصح ان نقول ان نقد جوانب سلبية من الحداثة لاينتقص من قيمتها العظيمة بقدر ما كان مدعاة لتخطي الذات من خلال لفظ كل ماهو سلبي وتكريس كل ماهو ايجابي ، والتخلص من الانساق المغلقة بفعل التقادم والانطلاق دائماً بانساق منفتحة على المستقبل من خلال تفعيل اقانيمها وتحديثها ، باعادة النظر بها ، بالاضافة ، بالابداع .. تخطياً وتراكماً وطفرات .

مشاركة