الحب في الغربة وطن أيضاً

434

الحب في الغربة وطن أيضاً

رواية تحت سماء كوبنهاغن

سعد العبرة

(تحت سماء كوبنهاغن) للكاتبة حوراء النداوي، رواية متوسطة المتعة.. كيــــــف ؟

فهي طيلة قراءتها تحفر في داخل القارئ سؤالا: هل سأتركها أو أكملها ؟ فهي جاذبة مملة مثل مزاج أبطالها،أو مثل مزاج العراقيين المتقلب !!

الرواية المترجمة من الدنماركية إلى العربية خيالا،إذ تكتب بطلة الرواية(هدى) روايتها في اللغة الدنماركية.

هدى المولودة في كوبنهاغن من أبوين عراقيين،لاشك أنها تعد اللغة العربية التي تعلمتها من أسرتها هي اللغة الثانية وإن كانت تتحدث بها مع أهلها،إلا أنها لا تجيدها مقارنة بأخيها(عماد) المولود في العراق.لذا كتبتها بالدنماركية ثم طلبت من (رافد) عبر البريد الإلكتروني ترجمة فصولها إلى العربية. رافد الذي لا يعرفها وهي التي تعرفه وتحبه، وسيعيش هذا الحب مع القارئ طيلة فصول الرواية التي تتكون من (392) صفحة.

أن أول غربة أوقفتنا الروائية عندها هي غربة اللغة،ولك أن تتخيل أن تكون بين ليلة وضحاها في بلد لا تجيد لغته، أيّ غربة ستعانيها ؟

بل حينما تكون لاجئا عربيا ولا تعرف عن العربية شيئا،لكنك ستعيش بهذا النعت، وتبقى لاجئا عربيا، هل رأيت كيف تطاردك قوميتك وأنت في أبعد نقطة عنها !! فيا ترى هل سنسأل في القبور عن قوميتنا ؟ وبأي لغة سيتحدث معنا المِلكان ؟ هل يجيدون كل اللغات ؟ أو أن العربية شرطا للحديث معهم ؟

من خلال الرواية،نعرف أن الغربة ليست واحدة بل متعددة،فهي غربة لغة كما أسلفنا،وغربة لون أيضا،فسواد شعر هدى وعينيها،جعل الطفل(كلاوس) يبتعد عنها ويتجنب اللعب معها عندما كانت طفلة:

– جدتي تقول عندما تكبر،لا تتزوج من السوداوات.

– لكننا لم نتزوج.. وأنا لستُ سوداء

– أنتِ بشعر أسود.. أذن أنت سوداء.

وهذا الحوار يرسم لنا غربة اللون ويبين لنا حجم العنصرية الدنماركية، والتي طالما ذكرتها في الرواية،ملصقة العنصرية بالدنماركيين الأصليين وفي كوبنهاغن خاصة،مفضلة الذين في الضواحي البعيدة على أنهم أكثر طيبة ممن في العاصمة.

ثمت غربة أخرى،وهي غربة الملبس والعادات والتقاليد التي حملها الشرقيون معهم إلى أوربا ليعيشوا مختلفين.وها هي هدى ترتدي الحجاب بطلب من والدتها ثم تقول (حملتُ اختلافي فوق رأسي) وتعيش الصراع بين وطن تنتمي له ولم تراه ووطن ولدتْ فيه وتعيش فيه غريبة !!

مانعرفه أن من الممكن أن يكون الإنسان غريبا،لكن كيف يولد غريبا !!

تقول (ذاك الوطن المغبر بالحروب لا يعرفني،ولا أنا عرفته. وهذا الناعم المرّفه لا يقبلني ولا يكاد يتعرف إليّ،رغم أني على مر السنين لم أعرف غيره بدلا).

لكن الحب هو المعين الوحيد على الغربة، وحب هدى ليس للمكان ولا للغة ولا للدنماركيين حتى، بل حبها كان ل(رافد) أحد اللاجئين العراقيين في الدنمارك.

رافد الذي لا يعرفها إلا من فصول روايتها التي تصل إليه عبر البريد الإلكتروني. وهي التي أحبته منذ رأته أول مرة وهو يجلس مع شقيق صديقتها (زينة) في المقهى.

ثم تابعت أخباره عن طريق صديقتها،والتي تسترق أخباره من شقيقها،بل سرقت رقم هاتفه أيضا،لكن، هدى لم تتحدث معه هاتفيا،وحين تشتد ضيقتها،تتصل به دون أن تتكلم،وتسمعه يقول: نعم..نعم، ثم يغلق الهاتف. هذه ال(نعم) التي لا تنساها.

لِمَ أحبتْ عراقيا ؟

لم يعجبها جمال الدنماركيين أو أنه جزء من حنين متجذر لطينتها الشرقية ؟

تقول:(علّمني حبك،يا آدمي وحوائي،أن الكون يحرّكه الحب). لذا أرى أن الحب هو الذي غيّر حياة (هدى) حتى أنها استطاعت أن تتعرف و تعرّفنا على أماكن كثيرة في كوبنهاغن،ولم تكن لتعرف ذلك لولا متابعتها لحبيبها (رافد)، وهي التي كانت لم تخرج من البيت إلا للمدرسة، وهذا ما دعاني للقول: إن الحب في الغربة وطن أيضا.

مشاركة