الحب المستحيل بين كافكا وميلينا

959

الحب المستحيل بين كافكا وميلينا

يبدو انها عانت كثيراً من الحُب حتى باتت لاترى فيه اي لذة ولاتشعر بأي طعم له ..فقد انتزع منها الشعور بالأمان وانهك قواها كما يفعله المرض عندما يأكل الجسد تماماً حيث تطلعت لتأخذ نظرة عن الحُب الذي كان يتقاسمه كافكا وميلينا لتخرج من قوقعة وتغير مجرى حياتها ونظرتها للحُب من زاويتها المُعتمة .. كيف كان يمنح كل ذاك الحُب والشغف لحبيبته وهو يعلم ان ايامه معدودة حيث كان مصاباً بداء السِل الرئوي وكان من المُستحيل ان يتزوج حبيبته ميلينا كونها كانت امرأة مُتزوجة وكيف بدأت علاقتهما عن بُعد حيثُ لم يحظى العاشقان بلقائهما الأول المقتضب سِوى كلمات بسيطة حيث كان لقاء شبه صامت في فيينا وبعدها التقوا مرة اخرى حيثُ كانت ميلينا تعمل مُترجمة وقد ترجمت احدى رواياته حين كان عمره آنذاك ستة وثلاثين عاماً .. كان قد ارسل لها اول رسالة وهي حينها كانت تعاني من مشاكل مع زوجها ، بينما كانت ترجمتها لرواية كافكا بمثابة توطيد للعلاقة الدافئة بينهما حيثُ يبوح لها في رسالته الأولى بمكنونات قلبه وكيف هو عاشق للحياة تواق للمضي قدماً في ابداعاته وفق نظريته الخاصة للعالم بعيداً عن الأجواء الكابوسية التي قدمها في أدبه ، فهو يُعيد ويكرر انه لايريد لحبيبته سوى ان تكون بخير وان تعيش بسعادة .. حيثُ تبادلا عدة رسائل بعدها.. كانت تخفف عن اوجاعهما ، وفي أحد الأيام كتب لها :

ــ فأنتِ تنتمين اليّ حتى ولو قدر لي ان لااراكِ ثانية على الإطلاق ..

فردت عليه قائلة :

ــ وان كنتَ مجرد جثة في العالم فأنا أحُبك ..

كانت العلاقة بينهما وطيدة وكلاهما يحمل مشاعر جياشة تجاه الآخر لايستطيعان اخفاءها او انكارها رغم صعوبة الظروف التي كانت تجتاحهم حيث لم يتوقف كافكا في رسائله الى ميلينا عند تفاصيل علاقته بها فقط بل تعدى ذلك الى الحديث عن علاقته بالكتابة وقوة تأثيرها الإيجابي عليه فهي قد حسنت مزاجه وخففت من آثار أرقه .. حيثُ استمرت المراسلات بينهما الى مايقارب ثلاثة اعوام كان فيها افق تطوير تلك العلاقة مستحيلاً فهو مُعتل الصحة وهي مرتبطة بزوج.. وبعد فترة كانت قد اصيبت بمرض ذات الرئة ولم تجد من يقف بجانبها ويخفف من شدة المها سوى كافكا ورسائله اليها، حيثُ قد كتب لها مجدداً :

ــ رأيتُ طفلاً يتوسل الإله بالحُب فأحسستُ إننا بعيدان كل البُعد عن الحُب ..

أجابتهُ ميلينا قائلة :

ــ أنا الطفل وأنتُ الإله ..

وبعد فترة إشتد مرضه وإزداد ألمه وتدهورت حالته الصحية حيثُ عاد الى براغ بعد استقراره لسنوات في برلين حيثُ فضل البقاء الى جانب اخته التي اعتنت به ليقضي آخر أيامه في مصحة الدكتور هوفمان في كيرلينغ بالقرب من فيينا عندما لفظ انفاسه الأخيرة في المستشفى عن عمر يقل عن الواحد والأربعين بشهر واحد فقط تاركاً قصاصة كتبها لصديقه برود يرجوه فيها رجاءاً اخيراً بأن يحرق مخطوطاته غير المنشورة ومنها رواياته الثلاث غير المكتملة لكن صديقه لم ينفذ وصيته وبعد وفاة كافكا كانت ميلينا قد نعته في جريدة قائلة :

توفي قبل امس فرانز كافكا ، قلة هم من يعرفونه لأنه كان منعزلاً حكيماً يهاب الحياة ، كان خجولاً وطيباً لكن الكتب التي كتبها قاسية وموجعة ، هو احكم من ان يعيش ، واضيق من ان يقاوم لكن ضعفه هو ضعف اولئك المرهقين العاجزين عن مواجهة الخوف وسوء الفهم .

وكانت قد توفيت ميلينا بعده في الأربعينات ويبدو ان رسائلها الى كافكا انها كانت قد اتلفت ..

ومن اجمل ماكتبه لها ذات يوم :

ـــ وانتِ ياميلينا لو احبك مليون فأنا منهم واذا احبك واحد فهذا انا واذا لم يحبك احد فإعلمي حينها اني قد مت ..

لم يدرك عندما خطت يداه تلك الرسالة انها قد تموت بعده ويموت حبه لها مع موتها ويفقدها كل من يحبها ممن حولها كما فقدته هي تماماً .

نُهى العبدلي – بغداد

مشاركة