الحاجة إلى إشارة الإستيقاظ – محمد غاني

453

الحاجة إلى إشارة الإستيقاظ – محمد غاني

لقد برهن العلم الحديث مدى تأثير الافكار على صحتنا العقلية و البدنية و الروحية فما هي في النهاية الا مداخل الجانب الظاهري من الانسان الى الناحية الباطنية منه، ليست الافكار وحدها التي تشكل نوافذ الى العالم الخفي من الانسان (العقل الباطن)، بل نجد أن الحواس الخمس كلها تعد في نظر العلماء  انما هي شبابيك مطلة على اعماق الكائن الانساني.

 تقرر الطبيبة الامريكية الدكتورة ايرين فال هاسكل في برنامجها الشهير على قناة فوكس الامريكية كما على قناة نتفليكس حقيقة كلنا كان يعرفها سابقا، لكنه اصبح يتناساها وسط الكم الهائل من الاشهارات الدعائية للأدوية، هاته الحقيقة هي توفر كل جسم على ذكاء ذاتي يجعله يتماثل للشفاء سريعا، و تذكرنا الدكتورة باننا حين كنا صغارا و نتعرض لجرح ما، كنا نمسحه بشيء من الكحول وننسى الامر، فيتماثل سريعا للشفاء عكس جيل ايامنا هاته نجده إن لم يصاحب ذلك بمضادات حيوية و أدوية أخرى فلن يتماثل للشفاء سريعا.  يبرهن الكاتب الامريكي الدكتور جو ديسبينزا على نفس الحقيقة، و يحكي لنا قصة تعرضه لكسر على مستوى فقرة من فقرات عموده الفقري عندما شارك في احدى سباقات الماراتون الثلاثي، و دفعته سيارة رباعية الدفع ليسقط ارضا، فيشير عليه الاطباء بضرورة اجراء عملية جراحية تدعى “جراحة قضيب هارينغتون” و الا فلن يستطيع المشي مجددا، و لإيمانه القوي بوجود ذكاء خارق خطط لهذا الوجود، فانه قرر عدم إجراء عملية جراحية، و عزم على التركيز الذهني المطلق على ان جسده قادر على استعادة قوته ان اتصل بالذكاء المطلق و لم يشوشه فكره بما قد يوسوس لها بالعكس، و فعلا بعد خلوة فكرية و روحية صور فيها لنفسه كل مراحل التصاق فقرات عموده الفقري بعضها ببعض استطاع تدريجيا استعادة حركة اصابع يديه فجسمه ببطء ليتماثل سائر جسده شيئا فشيئا للمشي ثم بعد فترة القدرة على ممارسة التمارين الرياضية التي واظب عليها منذ سنة 1986 سنة حصول الحادثة و الى اليوم. يعلن الكاتب و الجيولوجي الامريكي جريك برادن نفس الحقيقة حين يقول بأن الجسم البشري قادر على شفائ نفسه إن هو وضع في بيئة مناسبة، حتى الاعضاء التي قد نظن انها غير قادرة بتاتا على تطوير ذكائها النفسي كالنخاع الشوكي و البنكرياس و الدماغ و القلب و البروستاتا، كلها في نظره تعتبر اجهزة مصممة مسبقا على التماثل للشفاء و ترميم نفسها بنفسها ان توفرت لها الظروف المناسبة و التي يقسمها الى كون بعضها بيئي كالماء و الهواء و يقصد ان يكون الطعام طبيعيا، و بعضها الآخر كيميائي كبعض المنتجات العشبية التي عرفها اجدادنا و استخدموها من اجل علاج انفسهم قبل تطور الطب الحديث. تعضد الكاتبة و الاستاذة الامريكية مايان ويليامسون هذا الاتجاه بقولها ان هناك ذكاء مطلقا يطور الخلية من جنين الى طفل و يحول حبة البلوط الى شجرة، هذا الذكاء الطبيعي في نظرها هو نفسه الذي يبقي الكواكب في مساراتها تجري حول الشمس، و تقرر نفس الباحثة بأن عين آلية هذا الذكاء المطلق هي التي ساعدت الإنسانية في تطوير نفسها الى ان وصلت الى ما هي عليه اليوم من حداثة مبهرة، نفس هاته القاعدة تجري في نظرها على الإمراض و الجروح، و هو عين ما يسميه العلم اليوم الجهاز المناعي فما هذا الجهاز غير ذلك الذكاء الطبيعي الذي يمنحنا الحياة و يجعل قلبنا ينبض لنمضغ الطعام، و يسير في الجهاز العصبي اللاإرادي، و تسميه نفس الباحثة بأنه الشافي الأعظم في الحياة، و ما علينا الا ان نبتعد عن تدخلاتنا في طريقه ليفعل فعله السحري في ذواتنا. تؤكد الباحثة و عالمة النفس الامريكية جوان بوريسينكو ان السبب الرئيس في كافة الأمراض النفسية و العضوية على حد سواء يعود الى التوتر، هذا الأخير يقسمه  الدكتور جو  ديسبينزا الى ثلاث انواع من التوتر: التوتر الجسدي كالحوادث و الأمراض والصدمات، و الثاني التوتر الكيميائي كالفيروسات والهرمونات و البكتيريا، و الثالث و الاخير التوتر العاطفي مثل المآسي العائلية و فقدان الأشخاص أو الوظائف و المال. يرجع عالم الخلايا و الاعصاب الامريكي بروس ليبتون احد اهم أسباب نجاحنا في الهرب من الخطر في ما فات من ماضي الإنسانية كالهرب من النمر مثلا الى تنشيط نظام الادريالين الذي يساعدنا على ضخ الطاقة اللازمة للجسم التي تتضاعف الحاجة اليها في ساعة الخطر، يزيد المدرب العقلي الأمريكي و معالج الايروفيدا الامريكي  بيتر كرون تفصيلا في الأمر حين يسقط مثال النمر ايامنا هاته على مثال الزوجة مثلا او الايجار او الرئيس في العمل او غيرها من المسائل التي قد تهدد المرء لكن نظام التفاعل مع هاته التهديدات لا زال هو هو، و يقصد بذلك افراز الادريالين، فان كنت تفرزه طوال الوقت فنك تحشد الطاقات من حدسك، من نظام التخلص من جسمك، من جهاز المناعة لديك، من المراكز الدماغية لديك. ختاما، أليس ما يدعو اليه العلم الحديث من اصطحاب حال الاضطرار هذا، لفرز المزيد من الادريالين كطاقة لازمة للجسم للوصول الى تحقيق الاهداف، هو عين معنى الآية الكريمة “أمن يجيب المضطر اذا دعاه”، بمعنى ان شعور الانسان بالاضطرار هو ما يساعده على التركيز المطلق على مطلبه فيصل اليه بفعل ما يفرزه جسمه من طاقة لازمة يشحنها تلقائيا من موارد ذاتية تكفيه للوصول الى الهدف المنشود؟

مشاركة