الجيش و التصنيع العسكري – مقالات – عباس البغدادي

الجيش و التصنيع العسكري – مقالات – عباس البغدادي

بعيدا عن التهاني والتبريكات بمناسبة عيد الجيش المصادف 6 كانون الثاني اود ان اضع يدي على احدى جراحات قوتنا الباسلة عبر هذا المقال لعل هناك من يصغي له ويفكر ويعمل بفحواه . كما هو معلوم ان بعض الجماعات المسلحة التي تمارس العمل العسكري تعتمد على تصنيع السلاح بطرق محلية ، وهذا الاعتماد يعد عاملا مهما في ستراتيجية المواجهة ، مثلا الفصائل الفلسطينية المقاومة للاحتلال الاسرائيلي وبرغم من الحصار المفروض عليها تمكنت من صناعة صواريخ محلية الصنع تراوحت مدياتها من 10 كيلو مترات الى 100 كيلو متر ، وبقدرات تدميرية متفاوتة ، تتكون هذه الصواريخ من اسمدة زراعية يجري اعدادها كيمياويا و انابيب حديدية تُخرط بأشكال وأحجام وأوزان مختلفة  وبتكلفة لا تكاد تذكر .

اما النظام العراقي قبل عام 2003 فقد كان مهتما جدا بالصناعات العسكرية و بفضل التنسيق والتشاور مع الاتحاد السوفيتي صارت البلاد أفضل قوة بالمنطقة بامتلاكها قدرة التمويل والتصنيع الذاتي . ولكن الحكومات التي توالت على ادارة الحكم بعد 2003 عملت على تنفيذ قرار بول بريمر سيء الصيت بحل جميع الاجهزة الامنية وابرزها هيئة التصنيع العسكري لان امريكا علمت جيدا خطورة هذه المؤسسة الحيوية ، ومن تداعيات القرار انه خلف جيشا من العاطلين واضاع مصانع بمليارات الدولارات و افقد البلاد اهم مصدر من مصادر التسليح ، مع العلم ان بعض موظفي التصنيع يتقاضون رواتبهم وهم في منازلهم .

هيئة التصنيع العسكري كانت تضم شركات حمورابي وابن الوليد والصهيد و طارق والتهادي والاخاء والرشيد والزحف الكبير والنعمان والعبور والمنصور والرضوان والنداء والسلام وابن ماجد وجابر بن حيان واليرموك والعز والقادسية والفداء والكرامة والقعقاع وبدر و تبوك والحضر ونيسان والحارث والكندي وصلاح الدين وابن رشد وحطين . هذه الشركات لم تكن جميعها تصنع الاسلحة بشكل مباشر بل كان لكل واحدة منها مجال عمل يختلف عن الاخرى ولكنها جميعها تصب في الصناعة العسكرية .وللتوضيح اكثر بعض تلك الشركات كانت معامل سوفيتية اشتراها العراق او تعاقد على نقل التكنولوجيا الخاصة بها . وبفضل تلك الشركات امتلك الجيش العراقي السابق دبابات وطائرات وسفن و اسلحة بالستية وكيمياوية واسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة . و اللغز الذي لا يخفى على المختصين ان تلك الشركات افرغت من معداتها والاتها وموادها الاولية والمنتوجات التي انتجتها قبل الاحتلال بوقت قصير وكأنَّ هناك من كان ينتظر ساعة الصفر لانطلاق النهب . وبعض التكهنات قالت اما ان تكون المعدات فكـــــكت ونقلت الى دول الجوار او ان جهات إقليــــــمية صادرت المعــــدات عبر عصابات تـــــهريب وغيــــــرها من التكــــهنات .

اذن اذا كان فصيل فلسطيني محاط من اربع جهات قادرا على صنع سلاح يواجه به اسرائيل فعلى الحكومة العراقية التي تمتلك مقومات النجاح إعادة تفعيل التصنيع العسكري ، لأنه من غير المنطقي ترك الطاقات الهندسية والعلمية والفكرية فضلا عن المنشآت التصنيعية معطلة واللجوء الى امريكا وروسيا واوكرانيا لشراء اسلحة بمليارات الدولارات والبلاد تعيش ازمة اقتصادية بسبب تراجع الصادرات وانخفاض اسعار النفط عالميا.

ان على الحكومة استثمار الدعم الدولي للعراق في حربه ضد الارهاب والتعاقد او الاتفاق مع الحكومات المعنية بتصنيع الاسلحة لإعادة بناء المنشآت السابقة او استيراد معامل كاملة للتصنيع او حتى معامل لإعادة تجميع الاسلحة . وهذا الامر ينبغي ان يأخذ بعين الاعتبار من وزارة الدفاع و لجنة الامن والدفاع النيابية فضلا عن البرلمان والكتل السياسية (هذا من حيث التمني ). والامر الواقع اني علمتُ من مجلس الوزراء ان ( اعادة تفعيل التصنيع العسكري خارج برنامج الحكومة في الفترة الراهنة وربما على المدى البعيد ايضا ).

و الحقيقة الغائبة المغيبة اننا نمتلك خبرات قادرة على تصنيع الاسلحة بمكائن ومعدات ومواد اولية مدنية متوافرة في السوق وكل الذي نحتاجه إرادة حقيقية ودعم حكومي بسيط وفتح المجال امام المختصين ودعمهم ومساندتهم . وتذكروا ان العراق الذي كان يعاني من الحصار طيلة 30 عاما تمكن من انتاج اسلحة واليوم العراق خرج من البند السابع ورفع عنه الحصار فالأولى به ان يكون رائدا بالصناعات لوجود خبرات متراكمة لدى ابنائه ، ولكن مع الأسف ان اغلب تلك الخبرات ابعدت ونفت وبعضها اغتيل وبعضها يعمل بمنشآت دول الجوار ونحن بامس الحاجة لهم . فمتى نفكر بعقلية بناء دولة قوية ومتقدمة ؟ ومتى نصنع الفخر بايدينا ؟