الجودة .. تبدأ من هنا – جليل وادي

jalil wadi

كلام أبيض

 الجودة .. تبدأ من هنا – جليل وادي

عندما لا يتسم المرء بالموضوعية ويجافي العدالة في سلوكه مع انه يحمل من الشهادات أرفعها ومن المراتب العلمية أعلاها ، فذلك لا يعني خللا في شخصيته فحسب ، بل وفي برامج تأهيله التعليمية والاخلاقية ، فالموضوعية نتاج تدريب على التفكير العلمي الذي من أولى اشتراطاته تجريد الذات من نوازعها وميولها ورغباتها لصالح النظر غير المتحيز للامور والظواهر على اختلاف اشكالها ، ليتسنى الحكم على النتائج بأنها حقائق قابلة للتعميم ، وليست حصيلة تأملات ذاتية او مواقف يغلب عليها الارتجال والعواطف أكثر من التبصر والتحليل ، وعندما يتطبع العقل على التفكير الموضوعي جراء التأهيل الصحيح يكون المجتمع بمنأى عن الكثير من السلوكيات التي تنحو بالحياة الى مسارات غير مرغوب بها .

ولا يمكن للعقل الموضوعي بحال الابتعاد عن العدالة بوصفها قيمة أخلاقية ، شكلت على مدار التاريخ جوهر الرسالات السماوية ، ومن بين المثل العليا التي تتطلع الى تحقيقها المنظومات الاخلاقية لمختلف المجتمعات .

ولذلك ظل الظلم مستترا في غالب تاريخه ، وليس من السلوكيات التي يجاهر بها الانسان ، لتقاطعه مع المنظومات الاخلاقية بصرف النظر عن مستوى سلطة مرتكبيه او طبيعة شخصياتهم ان كانت سوية او معقدة ، ولكن عندما يجاهر بالظلم ويتراجع السلوك الموضوعي ، فذلك يعني في جانب منه ان المنظومة الاخلاقية غدت من الهشاشة بمكان يتعذر معها ان تكون حصنا منيعا لحماية المجتمع من سلوكيات أفراده الخارجين عن منظومته القيمية ، ذلك ان انهيار المنظومة او تراجعها يعد كارثة بذاتها ، لن نحصد منها سوى خراب المجتمع .

واذا كان يراد بالعلم منفعة الانسان فلابد ان يقترن بالأخلاق ، فلا قيمة للعلم من دون اخلاق ، بل اذا تجرد العلم من الاخلاق فأن اضراره على البشرية ستكون أكثر بكثير من منافعه ، وعلى وفق هذا المنظور جرى ربط التعليم بالتربية ، فالعلاقة بين الموضوعة بوصفها قيمة علمية في التفكير والعدالة بوصفها قيمة أخلاقية علاقة عضوية لا انفصام بينهما ، والاثنان لا يمكن للانسان التحلي بهما من دون تأهيل .

لكننا نشهد تراجعا واضحا لهاتين القيمتين في مخرجات عملية التربية والتعليم ،ومن ثم فأن اي خلل في الوسط الاجتماعي يمكن وصفه بالطبيعي ، لان هذا الوسط بالمحصلة نتاج تلك العملية ، والسؤال الذي يفترض طرحه ، هل ان عمليات التأهيل غير كافية ، ام ان آليات التأهيل غير صحيحة ، ام الاثنين معا ، ويقودنا ذلك في كل الاحوال الى مسألة جودة التأهيل التي لم نتمكن حتى الان من الوصول الى تطبيقات فاعلة لها ، وان كنا ندعي ذلك ، ومن المؤكد ان ثمة عوامل عديدة تحول دون ذلك ، منها ما هو خارج المنظومة ومن ثم خارج السيطرة ، ويلقي بتأثيراته السلبية على مجمل العملية ، ومنها ما هو داخلي بالمقدور التحكم به ، لكنه لم يلق ما يستحقه من اهتمام ، ومن أمثلة ذلك : اقتضت اشتراطات الجودة ان نخضع مناهجنا الدراسية للتطوير بغية مواكبة المستجدات في حقولها ، والنظر اليها في ضوء معطيات الواقع ومتغيراته ، وهذا عمل نبيل يشكر القائمون عليه ، لكني اطلعت مؤخرا على قائمة بأسماء من اوكلت لهم هذه المهمة الجسيمة في أحد الحقول العلمية ، وكان من بينهم من لا تتوافر لديه الخبرة الكافية في المجال نظريا وتطبيقيا  ، بينما هناك اساتذة كبار مشهود لهم بالكفاءة بدلالة مؤلفاتهم لم يكونوا من بين تلك الاسماء ، واللافت ان بعض من كلفوا بهذا الأمر كانوا طلبة لاولئك الأساتذة ، وبعضهم حديث العهد بالحصول على شهادته العليا ، وهو بحاجة الى زمن ليس بالقصير ليكون مؤهلا للخوض في غمار هذا الموضوع ، وللوضوح فان الحديث يختص بوزارتي التربية والتعليم العالي ، ثقتي لا تتزعزع بان تشكيل هذه اللجان انطلق من نوايا حريصة ، الا ان الترشيحات لم تكن موفقة ، أرجو ان لا ينظر لمثل هذه الامور كاسقاط فرض ، لان الجودة تبدأ من هنا .