الجوانب المفقودة في الثقافة العربية – حسين عليوي ناصر الزيادي

 

 

 

الجوانب المفقودة في الثقافة العربية – حسين عليوي ناصر الزيادي

الثقافة Culture  منظومة متكاملة من الأفكار والقيم والمعتقدات والقواعد السلوكية المتراكمة عبر مراحل زمنية متعددة، تنتقل من جيل إلى آخر فتعكس هوية الأمة وشخصية أفرادها ونمط تفكيرهم وأساليب عيشهم واتجاهاتهم وهي حسب تعريف الفرنسي لاروس: مجموع النظم الاجتماعية والمظاهر الفنية والدينية والفكرية التي تتميز بها وتحدد بها مجموعة أو مجتمع بالنسبة للآخر، ولكل شعب من الشعوب البشرية ينتمي إلى ثقافة متميزة عن غيرها.

   ويمتلك العرب منظومة ثقافية فرضتها عليهم بيئتهم المادية والمعنوية، فضلاً عن تراثهم الذي اسهم في تكوينهم النفسي والاجتماعي، وهناك بعض الثقافات لا تكتمل في المنظومة الفكرية العربية مع التأكيد النسبية وعدم الاطلاق :

1- ثقافة تقبل الراي الاخر

 الاختلاف في الآراء سمة بشرية رافقت الأنسان في حياته منذ نشأته وهو امر طبيعي ومقبول لكن غير المقبول ان يتحول الاختلاف الى خلاف، ولعل غياب تلك الثقافة كانت السبب الرئيس  اندلاع النزاعات والصرعات.

تتراجع ثقافة تقبل الرأي الآخر في مجتمعنا العربي وتبعا لها يزداد رفض العديد من الأشخاص بسبب وجهات نظرهم او آرائهم ومعتقداتهم، ولم تقتصر المشكلة على الرفض فقط ، بل أصبح هناك تعرض للهجوم والإقصاء وسيل من الاتهامات، ويصل الأمر إلى التخوين والتكفير والتقليل والتعدي، ولاشك ان وجود هكذا ثقافة ستسهم في تراجع الديمقراطية والتنمية في مجتمعاتنا العربية، إذ باتت ثقافة التعدد وتقبل  الراي الاخر من مستلزمات التعايش السلمي.

2- ثقافة الاعتذار

    الاعتذار من اهم الثقافات الانسانية التي تشير الى قوة شخصيه ، وهي ثقافة راقية لا يجيدها الكثيرون فالاعتذار تقويم لسلوك سلبي يجعل من شجاعة الفرد في قمتها اتجاه نفسه و اتجاه المجتمع، وفي بعض المجتمعات يعد الاعتذار جزءاً من مقوماتها وثقافتها الفكرية، فتراهم يزرعون في أطفالهم ثقافة الاعتذار منذ الصغر، والاعتذار هو أسلوب حياة وسلوك اجتماعي راقي نبيل يعطي الأمل بتجديد العلاقة بين الأطراف المختلفة، لان الخطأ سمة من سمات البشر، وكل إنسان معرض للخطأ تحت وطأة الظروف والانفعالات، وليس عيبا أن يخطئ المرء ولكن العيب أن يستمر في خطئه، والاعتذار هو رجوع إلى جادة الحق، وإقرار بالخطأ وإحساس بالمسؤولية والندم، وهو وسلوك حضاري وفضيلة تنم على الثقة العالية بالنفس، وفن ومهارة شخصية واجتماعية  لايتقنها الكثيرون وهي فضلاً عما تقدم أولى خطوات النجاح والإصلاح وتأديب النفس وتهذيبها، وللاعتراف في الذهنية العربية معان ودلالات منها الاذعان بالضعف والانكسار وهو أشبه بحالة تعرٍ في وضح النهار، والبعض لا يعترف علناً بالخطأ أو التقصير أو الجهل، حتى وان اعترف به سراً في داخله.

3- ثقافة التغيير

أن الفرد في المجتمعات التقليدية غير مستقل بأفكاره  فهو مقيد بجملة من العادات والتقاليد والاعراف، لذلك يلحظ ان الفرد العربي يقاوم التغيير الى اخر نقطة، وربما يأت التغيير بوصفه نتيجة حتمية لحالة معينة، وهذا الاتجاه يتسع مداه في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، حتى ان المثل العربي يذهب بعيداً ليقول(الشر الذي تعرفه خير من الخير الذي لا تعرفه) وهذه الثقافة تحد من التطوير والتنمية وتجعل المجتمعات اسيرة لعاداتها وتقاليدها.

4- ثقافة الشكر

الشكر قيمة سلوكية وحضارية رفيعة تعبر عن شخصية ذات تقدير كبير للذات الإنسانية، ومع ذلك نجد للأسف أن هذه القيمة السلوكية تكاد تفتقد في مجتمعاتنا وصدق الله عز وجل (وقليل من عبادي الشكور)، وهذا خلل سلوكي كبير له انعكاساته على العطاء الاجتماعي والحضاري لأفراد المجتمع أولا، وعلى شبكة العلاقات الاجتماعية، والشكر في فلسفته أحد أرقى مظاهر العطاء والامتنان والتقدير، ونحن كعرب للأسف الشديد نُجيد ثقافة “الأخذ” بكل ما نملك من رغبة وقوة، أما “ثقافة الشكر” فليست مترسخة ضمن قاموسنا الحضاري.

5- ثقافة التسامح

    التسامح او العفو هي كلمة دارجة تستخدم للإشارة إلى الممارسات الجماعية أم الفردية تقضي بنبذ التطرف او ملاحقة كل من يعتقد أو يتصرف بطريقة مخالفة قد لا يوافق عليها المرء، تعد ممارسات النظم الشمولية نقيضاَ للتسامح وتسمى تعصباً، مصطلح التسامح أكثر شيوعاَ من مصطلحات أخرى مثل “القبول” و”الاحترام” التي تدين بها جماعات مختلف

 وهو مبدأ ينبثق عنه الاستعداد للسماح بالتعبير عن الأفكار والمصالح التي تتعارض مع أفكارنا ومصالحنا، ويمكن تعريف التسامح بأنه: الاحترام و القبول والتقدير للتنوع الثقافي ولأشكال التعبير والصفات الإنسانية المختلفة، إن هذا التعريف للتسامح يعني قبل كل شيء اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوقهم وحراتهم الأساسية المعترف بها علمياً. وممارسة التسامح لا تتعارض مع احترام حقوق الإنسان ولا تعني قبل الظلم الاجتماعي أو تخلي المرء عن حقوقه ومعتقداته أو التهاون بشأنها.

 6- صعوبة التفاعل مع الثقافات الأخرى

يؤدي التفاعل الثقافي دوراً مهماً في توطيد التواصل والحوار بين الشعوب الامر الذي يسهم في تعزيز مبدأ السلم العالمي،  وبعض الثقافات لها استعدادٌ كامنٌ في أصولها للتعامل مع الثقافات الإنسانية ، اذ يعد التفاعل الثقافي وليد الانفتاح بين الشعوب والمجتمعات، ولن تتمكن الشعوب من التفاعل الثقافي مع الاخر ان تمسكت بالصور النمطية التي عززتها ثقافتها الحالية، وفي الوقت الحاضر وفي ظل التكنلوجيا الحديثة بات التفاعل الثقافي اسهل واسرع من السابق كما انه يحمل في طياته جملة من المحاذير التي ينبغي الالتفات لها والاهتمام بها لاسيما مايتعلق منها بالغزو الفكري والجانب التربوي .

ان الثقافة العربية بما تحمله من ثقل ايدلوجي كبير وجوانب مشرقة تبقى بحاجة الى التعزيز لاسيما في ظل عالم يعج بالمتغيرات وتشكل العولمة احدى العوامل الدافعة لهذا الاتجاه، فعالم اليوم لم يعد عالماً مغلقا او حبيساً على مجاميع بشرية معينة. وهناك بعض الوسائل التي تعين على مواجهة تحديات العولمة ابرزها صياغة استراتيجية عربية للتعامل مع الاخر، وإعادة النظر فى المناهج الدراسية والجامعية على نحو يهدف إلى اضافة وتعزيز بعض القيم الى الشخصية العربية لمواجهة تحولات عالم اليوم وضرورة خلق إعلام ناضج، يبني الإنسان العربي الواعي والقادر على أن يكون فاعلاً فى حوار الثقافات، والكشف عن مواطن القوة والضعف فيها، ودراسة سلبياتها وإيجابياتها برؤية منفتحة، غايتها البحث والدراسة العلمية، وفى نفس الوقت التعرّف تلك الثقافات العالمية.

مشاركة