الجنوبي وأزمة الخليج – أحمد كاظم نصيف

479

نزهة بين الكتب

الجنوبي وأزمة الخليج – أحمد كاظم نصيف

ليس هناك تعريف أو حد خاص بأدب الأخوانيات، بيد أنه برز في الشعر أكثر من أجناس الأدب الأخرى، من خلال كتابة القصائد الموجهة للأصدقاء، وقد صدرت دواوين كثيرة متضمنة للأخوانيات منها ديوان للمتنبي وآخر لأبي نؤاس وكذلك ابن الرومي، وهذا الشعر يختص ويصور العلاقات الاجتماعية بين الشعراء وبين الأصدقاء، ويتضمن الاعجاب والمديح والرثاء، ومشاعر الوّد والعتاب والتهاني، لكنه تميز بكونه أنيق وبليغ وفيه لغة.

جاء في كتاب تاريخ الأدب العربي لحنا الفاخوري، “والظاهر لمستقري شعر أبي تمام إن الشاعر كان أقرب إلى الاجادة في وصف عواطف الصداقة منه إلى الاجادة في وصف الحب، وقد برع من ثم في ما يدعوه نقاد العرب (الأخوانيات) فأبو تمام يؤمن بالصداقة، ويبتغيها بحرص، ويحتفل لها بحفاوة جمة مظهراً أصدق الاعجاب بمظاهرها الرائعة”. وفي الأدب العربي الحديث، هناك دواوين كثيرة تضمنت قصائد الاخوانيات، منها، ديوان بريد العودة للشاعر محمد مهدي الجواهري، تبادل فيه القصائد مع صالح مهدي عماش، ودواوين كثيرة لشعراء معاصرين تضمنت قصائد مهداة للأصدقاء، أو لشخصيات معينة، وتعدت هذه الأخوانيات الشعر، فهناك من اختص بكتابة الرسائل، ولا سيما التي كانت تتحدث عن واقعة أو حدث أو مناسبة، أو تعنى بتمجيد عمل خلاق لأحد الأصدقاء.

الكتب

 هناك الكثير من تفاعل بتبادل قراءة الكتب المؤثرة، التي تترك أثراً في أفكار من يقرأها ويتفاعل معها، وتؤثر في القراء فيما بعد قراءتها، وثمة مناقشات وآراء التي تدور في المجالس والتجمعات الثقافية في شؤون أجناس الآدب كافة، فالكتب لها التأثير الأول والمباشر في اكتشاف عالم جديد، ربما مفقود، نتحصل عليه بعلاقة القراءة المشتركة للكتب بين الأصدقاء.

الجنوبي أمل دنقل

ومن الكتب الشيقة والممتعة في محتواها التي تناولناها كانت هناك كتب معينة فيها ذكرى خاصة، أو قصة مثيرة، أو حكاية واقعية؛ تستدعي مشاركة القراءة وابداء الرأي؛ وخلال سنوات دراستي في كلية الآداب في الجامعة المستنصرية كانت تقام معارض للكتاب بمناسبات معينة، وفي احدى السنوات أقيم معرض كتاب، وعند استعراضي العناوين لفت نظري كتاب (الجنوبي أمل دنقل) للكاتبة عبلة الرويني، تتكلم فيه عن مأساة مرض زوجها الشاعر أمل دنقل، ووفاته؛ كان ثمن الكتاب 150 دينار، وهي كل ما أملك في جيبي، اقتنيت الكتاب ورجعت إلى البيت مشياً على الأقدام، (كنا نسكن حينها منطقة الكسرة قرب ملعب الكشافة)، بدأت أقرأ في الكتاب وأنا في طريق عودتي إلى البيت، وعند دخولي المنزل وصلت ذروة المأساة، في الفصل الأخير من الكتاب (أوراق الغرفة رقم 8) الذي كتب فيه أجمل القصائد صدرت فيما بديوان خاص بها؛ توقفت ولم أستطع اكمال الموضوع، تأثرت بشدة وتألمت بحرقة؛ وفي صباح اليوم التالي باشرت اكمال القراءة، ومن شدة التأثر في مرض وفاجعة وفاة الشاعر أمل دنقل لم أذهب إلى الكلية الاسبوع كله، فقد دونت الكاتبة الرويني وهي زوجة الشاعر دنقل، وبما أن كونها صحافية متمكنة ما مكنها من مزج اسلوبها الصحافي باسلوب زوجها الشاعر، فقد أجادت بالوصف المذهل والبليغ والدقيق، وروت كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة سعادة وألم عاشتهما معه منذ تعارفهما وزواجهما وإلى بداية مأساة مرضه ثم الاقامة في معهد السرطان في القاهرة لحين وفاته.

تضمن الكتاب سيرة علاقتهما من اللقاء الأول وكيف بدأ الحب يدب في قلبيهما الذي تككل بالزواج، وكيف رفض الشاعر دنقل السيارة المرسيدس المعدة للزواج وايصالهما إلى الفندق، وفضل أن يركب التاكسي في يوم زفافه؛ وكيف صحى الساعة الثامنة صباحاً في أول يوم واستأذن من عروسته للخروج بحجة شراء علبة سكائر، لكنه عاد الساعة الثامنة مساءً كونه التقى أحد زملائه ودعاه لشـــــــــــرب كأسين في نخب زواجه.

زراني بعد هذه الأيام الدكتور الأستاذ هادي نهر استاذ مادة النحو، ليطمئن على سبب غيابي الطويل، فكلمته عن الكتاب وكيف ترك بداخلي هذا التأثر، وقال:” لقد كنت أبحث عن هذا الكتاب منذ سنوات، كون الشاعر أمل دنقل صديقي وجمعنا موقف كبير ورهيب في الوقت نفسه”، يواصل الدكتور هادي كلامه ويقول: “أثناء دراستي في جامعة القاهرة لنيل شهادة الدكتوراه أبلغني جمع من الأصدقاء بأن السلطات المصرية حينها تطارد الشاعر أمل ولا بد من ايجاد وسليه لاختبائه عن الأنظار، فاجتمع رأي الأصدقاء أن يسكن في شقتي كونها بعيدة عن أعين السلطة، وفعلاً جاء الشاعر أمل وسكن معي؛ اثناء اقامة الشاعر أمل في شقتي اعتدنا ان نتناول الغداء معاً، وفي أحد الأيام بعد عودتي وأثناء تناولي الطعام شعرت بطعم غريب، (كانت سيدة تقوم بادارة الشقة واعداد الطعام) فسألتها: ما هذا الطعم الغريب في الأكل؟ فأجابتني: بأن الأستاذ أمل طلب ملوخية بالأرانب، فوبختها بشدة وضربتها كوني لا يمكن أن أتناول أكل الأرانب، فما كان منها إلّا أن تذهب إلى أقرب مركز شرطة وتخبرهم بأن شخصاً مطارداً من السلطات يسكن مع الطالب العراقي؛ وفعلاً جاءت الشرطة واعتقلت الشاعر أمل دنقل وقامت بتسفيري وتعليق دراستي.

هل أنا كنتُ طفلاً

أم أن الذي كان طفلاً سواي؟

هذه الصور العائلية

كان أبي جالساً،

وأنا واقف .. تتدلى يداي

رفسة من فرسْ

تركت في جبيني شجاً، وعلّمتِ القلبَ أن يحترس.

ذلك مقطع من (الورقة الأخيرة ـ الجنوبي) قصيدة الشاعر من ديوانه الأعذب والأكثر حــــــــــزناً وشفـــــــافية (أوراق الغـــــرفة 8).

أزمة الخليج محاولة للفهم

في بداية التسعينيات من القرن الماضي وبعد حرب الخليج الثانية جاءني شقيقي الصحافي محسن التميمي وهو يخبيء شيئاً ما، يحمله، وعند جلوسه أخرج كتاباً مستنسخاً عنوانه (أزمة الخليج محاولة للفهم) لمؤلفه غازي القصيبي، وقال لي: “هذا الكتاب ممنوع من التداول وحرصت على أن تقرأه، بشرط أن تعيده لي في اليوم التالي”، سهرت الليلة بكاملها كي أقرأ هذا الكتاب الذي تضمن ثمانية فصول احتوت أحداثاً غريبة ومشوقة وحساسة جداً عن حرب الخليج الثانية، تكلم فيها القصيبي عن الحرب ومواقف الزعماء العرب ورسائلهم إلى رئيسي دولتي العراق والكويت، وما تضمنته هذه الرسائل من تحذيرات الدخول في آتون الحرب ومآسيها وكوارثها المستقبلية، التي قد تعود بالدولتين إلى العهد ما قبل البائد حسب تعبير الملك الراحل الحسن الثاني ملك المغرب في رسالته إلى الرئيس العراقي، وفعلاً صدق قول الملك الراحل وعاد العراق إلى العهد ما قبل البائد؛ وفي الصباح أخذت الكتاب معي وذهبت إلى الدكتور الأستاذ عبد الله الجبوري (رحمه الله) وكان حينها رئيساً للمجمع العلمي العراقي، وسرعان ما نظر إلى الكتاب وقال: هذا صديقي، وأسمه الكامل غازي عبد الرحمن القصيبي، وكلمني عن اصوله وسيرة حياته، وهو أديب وكيف أصبح وزير النفط بعد وزارة الكهرباء في المملكة السعودية العربية ، ثم سفيراً لها في لندن، وله مواقف سياسية عديدة يشهد لها الكثير، وأضاف بأن الخطاط الراحل يوسف ذنون هو من كان سبب التعرف له كونهما أصدقاء، كان طلبي الوحيد من الدكتور عبد الله أن يعيد الكتاب لي في اليوم التالي كي أعيده لصاحبه، وفعلاً في صباح اليوم التالي وجدت الدكتور عبد الله الجبوري بكامل اناقته وهو يرتدي الفينة البغدادية والمعطف الأسود وشاربيه الأبيضين يتوسطهما لون التبغ الأصفر ينتظرني، وقال: أنا اليوم في اجازة كوني شعرت بصحتي ليست على ما يرام لكن الموعد معك لاسترجاع الكتاب بعد قراءته ألزمني الحضور!

مشاركة