جس نبض الشارع
الجلبي المغلوب على أمره
دعنا نحاول النظر الى الامور من زاوية واقعية، ولا نجازف بترك الإنصاف والموضوعية، وحجتنا (او ذريعتنا) في تسويغ هذه المحاولة على صعوبتها، اننا لم نكن يوماً من خصوم أحمد الجلبي، ولم يكن يبدو لنا ان نضع اسمه في لائحة اعداء الشعب العراقي كما فعلنا مع اقرانه وزملائه من الساسة وطلاب الرئاسة. وموقفنا هذا ان كان يوصف بالحياد فليس عن نزاهة نعتقد انها تليق بشأن الجلبي ولا عن براءة يستحقها كمسؤول امام شعبه، ولكن لسببين، اولهما: عدم حرص الجلبي (حسبما قرأنا في تاريخه ابتداءً من سنة 2003) على المبارزة مع القوم في حلبة الصراع على المناصب الرفيعة، رغم انه كان اجدرهم بالفوز بها لو بارزهم وحالفه حسن الطالع، والسبب الثاني: ظننا أنه كان يعقد آمالاً على الشعب فترك حبل السياسة على غاربه ريثما تحين فرصة (عاجلاً ام آجلاً) يعي فيها العراقيون من هو الاصلح والاجدر من بين هذه الفئة المنوط بها حكم العراق طوعاً او كرهاً. ويبدو ان الجلبي كان قد اقترب كثيراً من الغاية المنشودة لو امهله القضاء المحتوم (او ربما غير المحتوم).
إن هذين السببين كانا بمثابة المانع والرادع دون تناولنا للجلبي (في حياته) بالنقد مثلما فعلنا مع زملائه او شركائه، فمن المبرر اذن أننا لم نكن من المتربصين بالرجل ريب المنون حتى اذا حضر أجله انهلنا عليه بالنقد والطعون كما فعل ذلك غيرنا عن شماتة او عن بهتان، إذ لم نكن له خصوماً في نهج او مخالفين له في رأي، الا اللهم في إطار كونه فرداً من الجماعة التي اوصلتنا الى هذه الحال.لم يكن احمد الجلبي من رجال الدين ولا من رموز الاسلام والمسلمين، وهو قطعاً لم يدّعِ ذلك لنفسه في حياته ولا ادعاها له عاقل بعد مماته، فقد اجمعت (الأمة) على علمانية احمد الجلبي، بل أقرّ هو بذلك وإن لم تجمع… فمن يحاول اليوم ان يجعله قديساً دينياً أو يصيّره رمزاً وطنياً فعن شبهة، وإن اصرّ فلا كلام لنا مع قصار النظر. واما حسن عاقبته (على ما يفسرها البعض (بملاحظة مجاورته للإمامين الكاظمين مدفناً او لمجرد حسن الظن به لكونه على منّا وليس منهم)، فأمرٌ لا يسعنا اثباته ولا انكاره، وعلى فرض قبوله فلا يخولنا أن نرتب عليه حكماً جزماً بحسن حاله. ومثلما لم يجمع الشعب في حياة الجلبي على توصيفه بالقداسة أو بالوطنية او بغيرهما من الاوصاف العليّة، فالاحرى ان لا يتغير الحال الآن فيلتمس له البعض صفات كهذه او على منوالها بعد وفاته.نعم لقد كان الرجل واضحاً في توجهاته الرافضة للخلاف والتشرذم والاستئثار بالسلطة والتكالب على الغنائم ولعل السبب في ذلك يكمن في كونه من أولي النعمة منذ نعومة اظفاره… لقد كان الجلبي ذكياً في جس نبض الشارع العراقي الذي أغرته العناوين البرّاقة وأثّرت فيه الشعارات الزائفة، فعلمَ انه ليس هناك، فليس جديراً (في خضم هذا المعترك الذي نصبت فيه الأفخاخ للناس من قبل اترابه واصحابه) بأن يشار إليه من بينهم بالبنان، فاكتفى بما عهدوه اليه من قانون الاجتثاث سنين، وقنع بما شغلوه به من رئاسة بعض اللجان المالية وغيرها حتى حين. وبينما سارت الركبان بإعلاء مقام اصدقائه وتمجيد اسماء شركائه وتكثير سواد فلان وفلان، حتى أصبح احدهم مختاراً واضحى الثاني رمزاً مغواراً وصار للثالث من اسمه نصيب ومكان… كان الجلبي يتوارى بعيداً خلف ما اثاره اولئك الركبان بسنابك خيولهم من الغبار حتى صار كأنه غير مرأي او كالمتروك والمنسي، واذا شوهد صدفةً في جلسة برلمانية او مرّت صورته عبر قناة فضائية فهو كحاضر لا يُعد، واذا لم يشاهد (لسبب او من دون سبب) فانه غائب لا يفتقد…
لقد كان المرحوم أحمد الجلبي صريحاً في خطاباته التي ربما عجّلت أخيراً بوفاته، وكنت استغرب حينما استمع اليه مؤكداً انه قد بات على وشك فضح اسماء السراق وكشف ما اختلط على الشعب من الاوراق، وقلت في نفسي: انّ الرجل يراهن اليوم على فشل القوم وصحوة الشعب من النوم… فهل سيفي بوعده ام سيعجلون بحتفه؟ نعم ما ان دخل الجلبي إلى دائرة الضوء تمهيداً لما سعى له من الامر، وثقةً بعاقبة ما احتمله من الصبر، (وربما غفلة عن عروض الخيانة او الغدر)، حتى يخطّفه هادم اللذات فأمسى صريعاً بين الأموات…
حسن النجفي- بغداد

















