الجزائرية حميدة تروي لـ ( الزمان ) رحلتها ودراستها الموسيقية: قدمت لبغداد أمانة ورحلت عنها مصانة

 الجزائرية حميدة تروي لـ ( الزمان ) رحلتها ودراستها الموسيقية: قدمت لبغداد أمانة ورحلت عنها مصانة

رياض المحمداوي

تقول حميدة : انا الان اعيش لذكرياتي اكثر ممااعيش من حياتي التي اعيشها الان. فبغداد هي ابهى ماعشته من ذكرياتي فلا استطيع مغادرتها فهي كل حياتي . قد تكون الذكريات هي من تنعش ارواحنا. وقد يكون لذكرياتنا وقع كبير يعيش معنا نستمد منه القوة والاصرار على المضي بحياتنا نعيشها بحلوها ومرها .واحيانآ هي من تقتلنا ببطء شديد .لكونها جزءنا المفقود الذي نبحث عنه في بئر النفس والواقع المرير . فلاتزال ذكرياتنا تعيش فينا ونتحسر على صغيرها وكبيرها. ونتمنى ان يرجع بنا الزمن وتتوقف عقارب الساعة لكي نعيشها مرة اخرى . ونكمل مابدأناه ونصلح ونرمم ماافسدناه . فننتصر لضمائرنا و مخاوفنا واحزاننا ومافاتنا من حياة ملؤها الشباب والتفائل والعمل . زادها الحب والخير والتسامح والامل . فعندما نقارنها بزماننا هذا تفيض دموعنا ندمآ وحسرات على مافات من زماننا البهي وحزنآ على زمان اولادنا هذا الذي اصبح فيه الانسان جزء من الالة وتجرد من العاطفة والحسية الابداعية والوفاء .

الفنانة حميدة تريمة هي ابنة السبعة عشر ربيعآ .درست فيه الموسيقى والغناء وعاشت فية بامان واحبت اهله واحبوها فاصبحت عراقية المشاعر والهوى.

   ففي هذا اللقاء تعمدت ان لايكون للاسئلة التقليدية مكان . لكوني اعرف مابجعبتها من بركان ثائر لن تخمده مياه الارض كلها. تريد ان تفرغ محتوياته وتخفف عنها لهيبه. فقلت لها انا اليوم اصغي لك وقلمي يدون ماتسردين . فلاطاقة لي امام بركانك الثائر كي اعترضه باسئلة تقلدية .فامسكت بقلمي وكرست سمعي واحاسيسي لها كي ادون وللتاريخ ماتحمله هذه الفنانة من مشاعر واحاسييس مكبوتة .

وبدأت الكلام. قائلة (لقد ولدت في مدينة عنابة ومنذ  كنت صغيرة قد تعلقت بحب والدي رحمه الله كثيرآ. واحببت الموسيقى  والغناء من خلاله لكونه فنان فطرياً يغني ويعزف على العود والگيتار و كان يحبني كثيرآ  وكنت قد حفظت اغاني لام كلثوم ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية ومحمد عبدالوهاب وبعض الموشحات الاندلسية وشيئاً من القدود الحلبية والموال. فكان يعشق صوتي وعلمني الكثير من طرق الغناء ولكوني امتلك صوتاً مميزاً والعرب يمتازون بحلاوة وشجن . فقد شجعني والدي على دراسة الموسيقى والغناء والموشحات العربية وادخلني المدرسة البلدية للموسيقى في مدينتي عنابة والتي انا اليوم مديرة لها.وتتلمذت على يد الفنان الكبير الراحل د. اسعد كرزون  واساتذة  من كبار الموسيقيين والمختصين . امثال الراحل الاستاذ الكاتب المعروف عمر بوشموخة واخرين. فقد اهتموا بي كثيرآ لكوني امتلك اذناً موسيقية وايقاعية علاوة عن صوت جهوري نقي بنغمة مستقرة واوكتاف متكامل وثقة كبيرة بنفسي . فبدأت دراست الموشحات والصول فيج وقد اكتملت عناصر صوتي ونضجي الفني. وقد شاركت بحفلات ومهرجانات داخل الجزائر وقدسجلت عدة حفلات  للتلفزيون الجزائري ونلت اعجاب الجمهور وانا في عمر الرابعة عشر ربيعآ.  وعندما تخرجت من تلك المدرسة العريقة التي انجبت كبار الفنانيين بعد اربع سنوات. بدرجة الامتياز. عندها اخذت حميدة واستاذها الدكتور كرزون البحث عن وسيلة تعليمة اخرئ يكتمل فيها طموحها فما ان توارد على اسماعهم ان في العراق معاهد وكليات موسيقية عريقة تستقبل الطلبة العرب وتمنحهم منحة دراسية شاملة برعاية الدولة العراقية شاملة الخدمات والمعيشة .فما كان من والدها ان يعزم على ارسلها للدراسة في العراق . وقد رافقها بهذه الرحلة استاذها اسعد كرزون الى بغداد. حينها كان قد تأسس معهد الدراسات الموسيقية العراقي بدورته الاولى عام 1980 حينها تقدمت باوراقي للجنة الاختبار التي تالفت من الاساتذة الموسيقار الكبير الراحل منير بشير والموسيقار الكبير الراحل روحي الخماش والاستاذ العلامة الراحل شعوبي ابراهيم والاستاذ العلامة الراحل الشيخ جلال الحنفي. وقد غنيت لهم موشحاً ومن ثم اغنية لام كلثوم فانبهروا واثنوا على صوتي واذني الايقاعية والموسيقية واتقاني مخارج الحروف .حتى انهم لم يصدقوا انني من الجزائر وضنوا انني عراقية. فقد قبلت في المعهد وخصصت لي المنحة الدراسية ليس من بلدي الجزائر بل من قبل الدولة العراقية شاملة الدراسة والسكن ..وهنا توقفت حميدة عن السرد وسالت دموعها وشهقت في البكاء وغطت وجهها حياء وكانها لاتريد ان ترى العالم في هذه اللحظة التي تغوص فيها ببحر الذكريات التي تعيش فيها ولن تفارق خيالها. وبعد صمت قصير اكملت وقد اختلطت دموعها بكحل عينيها الاسود . وهي تقول بحرقة ..كم انتم كرماء ياعراقيين فلم ار مايضاهي كرمكم في حياتي فلا زلت اسرد الحكايات لتلامذتي عن كرم وطيبة الشعب العراقي العريق الذي غمرني بالحب والحنان فاحبوا العراق من خلالي ).وقد اكملت مابدأته بعد حسرة والم ناتج عن حنين لتلك الايام. وكانها لاتريد ان تصدق مايجري للعراق واهله من قتل وتهجير وجوع ودمار .وتريدان تتحايل على روحها لتبقي تلك الصورة المشرقة الرغيدة التي تركت فيها بلدها الثاني العراق. وتابعت سردها. حين قبلت في معهد الدراسات الموسيقية انتابني فرح كبير وخوف اكبر. وتسالت كيف لي ان اكون وحدي بعيدة عن اهلي وبلدي وكيف لي ان اعيش مع مجتمع جديد علي بعاداته وتقاليده وووو ..وجالت في بالي افكار كثيرة وعشت لوهلة في كابة وخوف .سرعان ماذهب كل هذا عندما تعرفت على زميلاتي وزملائي الذين احاطوني بالحب والاطمئنان والرعاية والاحترام فاحسست انني مدللة بينهم. وعندما خرجت للشارع وتعرفت على العراقيين وجدتهم من اطيب والذ الناس يحترمون الضيف ويقدرونه وخصوصآ عندما كانوا يعرفون انني من الجزائر فترى اغلبهم يقف احترامآ ويقولون لي مرحبآ باخت الابطال وبنت سيدة المناضلات وفخر العروبة جميلة بوحيرد . عندها احسست بالزهو والامان وانتابني شعور كبير ان العراقيين يحبون الجزائريين ويقدرونهم ويقدرون نضالهم ضد الاستعمار الفرنسي واحسست بهم كاهلي طيبين كرام عفويين لديهم شهامة وغيرة وحشمة. فقداحببتهم واحبوني. فالحمدلله استطعت ان اتغلب على اهم جزء في حياتي الا وهو الغربة والامان فلم اعد احس بهذا الاحساس فتصرفت كواحدة منهم كونهم يروني ويعاملوني كواحدة منهم ولايفرقون بين عربي ومواطن عراقي.

شعوبي والاعظمي

فبدات دراستي في المعهد وانا محظوظة جدا لكوني درست على يد عباقرة الموسيقى العربية فدرست المقام العراقي على يد استاذي المرحوم شعوبي ابراهيم.  وبعدها على يد استاذي الدكتور حسين الاعظمي . كما درست النظريات الموسيقية والصولفيج على يد استاذي الموسيقار الراحل روحي الخماش رحمه الله. ودرست اللغة العربية والعروض على يد استاذي الراحل الشيخ جلال الحنفي رحمه الله. ودرست التذوق الموسيقي على يد استاذي الراحل باسم حنا بطرس رحمه الله. فدرست  الة القانون على يد كبار اساتذة هذه الالة في الوطن العربي واذكر منهم استاذي الحنون الموسيقارالرحل سالم حسين طيب الله ثراه كان من اقرب المقربين لي والذي احتضنني وعائلته الكريمة . وايضآ اول استاذلي هو معلمي الحنون الفنان الكبير جمال عبدالعزيز السماوي والاستاذ الراقي حسن الشكرجي واستاذي وزميلي الفنان الكبير الموسيقار عبدالكريم بنيان. كما درست عند عدد من الاساتذه الكبار الاستاذ حبيب ظاهر العباس. ولا انسى استاذي الموسيقار المرحوم حسين قدوري رحمه الله واستاذي المرحوم الشاعر الكبير عبدالرزاق عبدالواحد واستاذي الدكتور طارق حسون فريد .هؤلاء اساتذتي الذين احاطوني بكرمهم وحنانهم الذي لن انساه ماحييت ). وتوقفت وقالت. الم اقل لك انني محظوظة. لاحاط بهؤلاء الكبار بكل شيء. واكملت (وقد وجدت الابتسامة طريق في وجهها الجميل بعد ان خيم عليه التوتر والحزن ونهري الدموع .لقد وجدت في المعهد بيتي الذي عوضني عن بيتي واهلي . حينما تعرفت على زملائي واصدقائي الذين احبهم مثل روحي .فكان اولهم زميلي الفنان الكبير احمد نعمة فكنت معجبة بخلقه و بجمال صوته العذب وطريقته في الغناء وزملائي الاخرين علي بدر وكريم محمد وانيس محمد والفنان الكبير كاظم الساهر ود.هيثم شعوبي وعبدالستار جدوع ود. محمد حسين گمر ووسام ايوب وعلاء مجيد وكريم عاشور ومحمد مرزوق ومحمودانور وسعد حسون وزميلاتي ابتسام اسدالله وسيدة المقام فريدة محمد علي والكثيرين من الزملاء. والزميلات الذين لاتسعفني ذاكرتي لذكرهم. وبعدها اصبحت صديقة اغلب فنانيين العراق ). فتوقفت قليلا ومسحت دموعها المحبة بمنديلها الذي اختلط بدموعها وسواد كحلة عينيها. وقالت (لوتعلم انني كم احبكم . فلن تعلم مدى حبي للعراق الا اذا شققت صدري واخرجت قلبي حينها تعلم انه ينبض بحبكم. واكملت وهي تروي بصوت محشرج العبرات. لقدكانت تجربة معهد الدراسات النغمية تجربة من اعظم التجارب في حياتي والتي خلقت مني فنانة حقيقية وانسانة متكاملة الشخصية تحمل من الذوق الموسيقي و الخبرة الكبيرة في علم المقامات وصقلت موهبتي في الغناء واصوله وتسلحت في العلم والثقافة الموسيقية ودراية كاملة في الة القانون فكنت متميزة مما اتيحت لي فرص كثيرة في العمل مع كبار الفرق الموسقية والانشادية في العراق لكوني احمل صوت واداء مميزين .فقد انظممت لفرق منظمات المجتمع المدني الفنية ومارست الغناء باشراف اساتذة وموسيقيين ومربين كبار. امثال الموسيقار الراحل طالب القره غولي والذي شجعني وغنيت له اغنيات من الحانه والموسيقار المعلم الكبير فاروق هلال صاحب الفضل الكبير علي وعلى كثير من الفنانيين العراقيين الذي ضمني للفرقة النغمية الطلابية مع عدد من زملائي وقد غنيت له اغنية من اجمل الاغني على قلبي.ليل العاشقين. واغاني اخرى وهذا ماجعلني احدى نجمات الشاشة العراقية. وقد عرفني الجمهور العراقي واعجب بي واصبحت من الوجوه الغنائية الشبابية المعروفة. كما غنيت لكبار الملحنين العراقيين امثال الاساتذة. المرحوم عباس جميل والمرحوم كنعان وصفي والدكتور علي عبدالله وكثير من الملحنيين الشباب.

حلاوة الشباب وحب الحياة ..

عند تخرجي من المعهد عملت في الاذاعة العراقية واماكن فنية اخرى.لقد انقضت عشرة اعوام من حياتي في بغداد هي من اجمل ايام عمري التي عشتها بحلاوة الشباب وحب الحياة. ولكن القدر لايسير بنا كما نشاء فدائما تجري الرياح بما لاتشتهي السفن.

فقد اندلعت حرب الخليج وساءت الاوضاع الامنية والاقتصادية عام 1990 فقررت الرجوع للجزائر بعد فراق طويل دام لعشرة سنوات قضيتها بن اهلي في العراق الحبيب. بعد الحاح من والدي واهلي برجوعي للجزائر. وعند قدومي للجزائر عينت في ادارة الاذاعة والتلفزيون الجزائري  في لجنة رقابة الاغاني التي تقدم للتلفزيون. وقد انتجت وعملت في العديد من البرامج وقد سجلت وصورت اغاني عدة .وبعدها في عام 2007 عينت عضوة لجنة تحكيم لاختيار الاصوات الشابة وشاركت في مسرحيات عديدة غناء وتمثيل . وبعد ان تزوجت وانجبت ابنتي دعاء ولم تدم حياتي الزوجية طويلآ غادرت العاصمة وشددت الرحيل صوب مدينتي عنابه وبيت والدي الذي تدهورت صحته وعملت في تدريس الموسيقى والمقامات وبعد فترة قصيرة توفي والدي رحمه الله فعانيت من غربة كبيرة بفقدان والدي وحياتي في العراق فاحسست اني فقدت كل شيء. ولازمت البيت ولم اخرج منه لفترة. بعد ذلك استجمعت قواي ورجعت لنفسي لكون الحياة يجب ان تستمر وان احقق حلم والدي في ان اكون ذات شأن اخدم ابناء بلدي بما احمله من علم وخبرة موسيقية واختصاص لايوجد منه في الجزائر بل وجميع بلاد المغرب العربي الاوهو خبرة المقامات العراقية والعربية التي بجعبتي فيجب ان يستفيد منها ابناء بلدي واهلي .فقررت ان اتقدم للعمل في مدرستي الاولى التي درست فيها الغناء والموسيقى. المدرسة البلدية للموسيقى والرقص الكلاسيكي.  وقبل طلبي وعينت مديرة لهذه المدرسة التي كنت احدى تلامذتها منذ ست عشر سنة من الان .فقد شاركت في تطويرها بالشكل الذي يتناسب مع متطلبات العصر الحديث وشددت على ايصال الدروس الموسيقية للتلاميذ بالشكل العلمي والحضاري والحمدلله تخرج الكثيرون من تلامذتي وبكفاءة عالية وقد احسست بالرضا عن نفسي وانا اقوم باقدس مهمة اقدمها لبلدي واهلي في الجزائر. وقد تم اختياري رئيسة لجنة الحفلات البلدية في مدينة عنابة ولا ازل في عملي حتى الان واطمح لتكملة دراستي العلمية من اجل تطوير الموسيقى في بلدي بمايجعل الموسيقى تعيش في كل بيت جزائري لكون الموسيقى غذاء روحياً وحضارة انسانية ولغة سلام تمتاز بها شعوب الارض. فكل هذا بفضل الله وبلدي الثاني العراق  فلن انسى فضل اهلي العراقيين الذين طوقوني بحبهم وكرمهم .ففي بغداد تعلمت اولى دروس الحب والعاطفة الجياشة التي اجتاحت روحي واكتملت فيها كل عناصر النقاء وارتعش لها جسدي وكبر فيها عقلي وتوسع منها فكري وتعلمت فيها ان اكون قوية وذات شخصية مستقلة. فلي في بغداد ذكريات لاازال احملها في قلبي رغم انها اثقل من كل الاحمال لكنها اجمل من كل الجمال.

واخيرا قول. (قالوا تحزبت أذ عشقت عراقي…  وزرعت في بغداد بعض دمائي…  بغداد يارأ س العــــروبة شامخا…  الله ماابهاك يابغداني…  فإن كآن حبي للعراق تحزبآ…  سأظل أهتــــف ماحييت عراقي).