الجزائر:عفو عن سجناء بينهم حراكيون ودفن رفات شهداء الحقبة الفرنسية

250

الجزائر‭- ‬الزكان‭ ‬

لمناسبة‭ ‬عيد‭ ‬الاستقلال،‭ ‬أصدر‭ ‬تبون‭ ‬عفوا‭ ‬شمل‭ ‬4700‭ ‬سجين،‭ ‬خمسة‭ ‬منهم‭ ‬موقوفون‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬الحراك‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬أطلق‭ ‬سراحهم‭ ‬الأحد‭ ‬وفق‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬للإفراج‭ ‬عن‭ ‬المعتقلين‭.‬

‭ ‬وامس‭ ‬يوم‭ ‬عيد‭ ‬الاستقلال،‭ ‬وارت‭ ‬الجزائر‭ ‬رفات‭ ‬24‭ ‬مناضلاً‭ ‬ضد‭ ‬الاستعمار‭ ‬استعادته‭ ‬من‭ ‬فرنسا،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬البلاد‭ ‬تنتظر‭ ‬اعتذارات‭ ‬من‭ ‬باريس‭ ‬لتسوية‭ ‬الماضي‭ ‬الاستعماري‭ ‬الأليم‭.‬

قالت‭ ‬يمينة‭ (‬83‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أحفاد‭ ‬مختار‭ ‬بن‭ ‬قويدر‭ ‬التيطراوي‭ ‬أحد‭ ‬المقاتلين‭ ‬الـ24،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬يوم‭ ‬كبير‭. ‬بالنسبة‭ ‬الي،‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬الاستقلال‭ ‬الفعلي‭. ‬هؤلاء‭ ‬أول‭ ‬الجزائريين‭ ‬الذين‭ ‬ضحوا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البلاد‭. ‬لولاهم‭ ‬لما‭ ‬كنا‭ ‬هنا‭ ‬اليوم‮»‬‭. ‬ونظّمت‭ ‬مراسم‭ ‬رسمية‭ ‬لدفن‭ ‬جماجم‭ ‬المقاتلين‭ ‬الذين‭ ‬سقطوا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬العالية‭ ‬الضخمة،‭ ‬بحضور‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬تبون‭. ‬وتضم‭ ‬هذه‭ ‬المقبرة‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬الضاحية‭ ‬الشرقية‭ ‬للعاصمة‭ ‬مربع‭ ‬شهداء‭ ‬الثورة‭ ‬الجزائرية،‭ ‬حيث‭ ‬يرقد‭ ‬جثمان‭ ‬الأمير‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الجزائري،‭ ‬رمز‭ ‬مقاومة‭ ‬الاستعمار،‭ ‬وشخصيات‭ ‬بارزة‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬التحرير‮»‬‭ (‬1954-1962‭).‬

ووفق‭ ‬أحد‭ ‬المسؤولين،‭ ‬سلّم‭ ‬الرئيس‭ ‬تبون‭ ‬الأعلام‭ ‬الجزائرية‭ ‬التي‭ ‬تغطي‭ ‬النعوش‭ ‬‮«‬لأفراد‭ ‬من‭ ‬مدارس‭ ‬أشبال‭ ‬الأمة،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬رمزية‭ ‬تبرز‭ ‬تواصل‭ ‬أجيال‭ ‬الجزائر‮»‬‭.‬

‭- ‬‮«‬صداقة‭ ‬ووضوح‮»‬‭ -‬

ووري‭ ‬الرفات‭ ‬في‭ ‬مدافن‭ ‬امتدت‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬صفوف‭ ‬يضم‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منها‭ ‬ست‭ ‬حفر،‭ ‬قرب‭ ‬مدافن‭ ‬الرؤساء‭ ‬الجزائريين‭ ‬السابقين،‭ ‬وفق‭ ‬مراسل‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭.‬

وأدى‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الجمهوري‭ ‬التحية‭ ‬العسكرية‭ ‬للنعوش‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬ضباط‭ ‬صف‭ ‬في‭ ‬موكب‭ ‬جنائزي‭.‬

ومنذ‭ ‬وصول‭ ‬الرفات‭ ‬الجمعة‭ ‬إلى‭ ‬البلاد،‭ ‬كانت‭ ‬حشود‭ ‬من‭ ‬الجزائريين‭ ‬توافدت‭ ‬طوال‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬الثقافة‭ ‬لإلقاء‭ ‬تحية‭ ‬أخيرة‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأبطال‭ ‬الوطنيين‭ ‬الذين‭ ‬استعيد‭ ‬رفاتهم‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬170‭ ‬عاماً‭.‬

واظهرت‭ ‬صور‭ ‬نقلتها‭ ‬القنوات‭ ‬التلفزة‭ ‬نساء‭ ‬ورجالا‭ ‬يبكون‭ ‬أثناء‭ ‬مرورهم‭ ‬أمام‭ ‬النعوش‭.‬

وقال‭ ‬الثمانيني‭ ‬علي‭ ‬زالمات‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬جئت‭ ‬بصفتي‭ ‬مقاتلا،‭ ‬وبصفتي‭ (‬أحد‭ ‬جرحى‭) ‬ثورة‭ ‬التحرير،‭ ‬وبصفتي‭ ‬مواطنا‭ ‬يحب‭ ‬بلده‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬الرفات‭ ‬محفوظا‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬الوطني‭ ‬للتاريخ‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬باريس‭.‬

وكانت‭ ‬الجزائر‭ ‬خضعت‭ ‬للاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬طيلة‭ ‬132‭ ‬عاماً‭ (‬1830‭ – ‬1962‭)‬،‭ ‬وطالبت‭ ‬رسمياً‭ ‬باستعادة‭ ‬الرفات‭ ‬ومحفوظات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬2018‭.‬

وبين‭ ‬الشخصيات‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬يعود‭ ‬إليها‭ ‬هذا‭ ‬الرفات،‭ ‬الشيخ‭ ‬بوزيان‭ ‬زعيم‭ ‬‮«‬انتفاضة‭ ‬الزعاطشة‮»‬‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬الجزائر‭ ‬عام‭ ‬1849‭. ‬وكان‭ ‬هو‭ ‬ورفاقه‭ ‬ألقي‭ ‬القبض‭ ‬عليهم‭ ‬وقطعت‭ ‬رؤوسهم‭ ‬بعد‭ ‬قتلهم‭.‬

وكان‭ ‬الجنود‭ ‬الفرنسيون‭ ‬يعتبرون‭ ‬هذه‭ ‬الجماجم‭ ‬‮«‬غنائم‭ ‬حرب‮»‬‭.‬

تحيي‭ ‬الجزائر‭ ‬الأحد‭ ‬ذكرى‭ ‬الاستقلال‭ ‬ال58‭.‬

وتشكّل‭ ‬إعادة‭ ‬الرفات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬فرنسا‭ ‬مؤشراً‭ ‬قوياً‭ ‬إلى‭ ‬تهدئة‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الجزائر‭ ‬والقوة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬السابقة،‭ ‬وقد‭ ‬اتصفت‭ ‬بالتقلبات‭ ‬منذ‭ ‬1962‭.‬

وقال‭ ‬قصر‭ ‬الاليزيه‭ ‬الجمعة‭ ‬إنّ‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬نهج‭ ‬الصداقة‭ ‬والوضوح‭ ‬حول‭ ‬جراح‭ ‬تاريخنا‭ ‬كافة‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬تعهّد‭ ‬خلال‭ ‬زيارته‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬2017‭ ‬إعادة‭ ‬الرفات‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬متحف‭ ‬الإنسان‭ ‬التابع‭ ‬للمتحف‭ ‬الوطني‭ ‬للتاريخ‭ ‬الطبيعي‭.‬

وقبل‭ ‬انتخابه‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬وصف‭ ‬ماكرون‭ ‬استعمار‭ ‬الجزائر‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬جريمة‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬موجة‭ ‬انتقادات‭ ‬من‭ ‬مسؤولين‭ ‬يمينيين‭ ‬فرنسيين‭ ‬رفضا‭ ‬لتصريحه‭.‬

‭- ‬‮«‬أنصاف‭ ‬اعتذارات‮»‬‭ -‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬مسائل‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الجزائر‭ ‬وفرنسا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التصوّر‭ ‬القائل‭ ‬إنّ‭ ‬فرنسا‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬للاعتذار‭ ‬عن‭ ‬ماضيها‭ ‬الاستعماري‭.‬

وفي‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬قناة‭ ‬‮«‬فرانس‭ ‬24‮»‬،‭ ‬اعتبر‭ ‬الرئيس‭ ‬الجزائري‭ ‬أنّه‭ ‬ينبغي‭ ‬مواجهة‭ ‬‮«‬إشكالية‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬تشوش‭ ‬علاقتنا‮»‬‭.‬

ولدى‭ ‬سؤاله‭ ‬عن‭ ‬المطالبة‭ ‬باعتذارات‭ ‬فرنسية،‭ ‬أجاب‭ ‬تبون‭ ‬‮«‬سبق‭ ‬أن‭ ‬وصلتنا‭ ‬أنصاف‭ ‬اعتذارات‮»‬،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬وجوب‭ ‬القيام‭ ‬‮«‬بخطوة‭ ‬أخرى‮»‬‭. ‬وقال‭ ‬‮«‬إننا‭ ‬نتمنى‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تقديم‭ ‬الاعتذار‮»‬‭.‬

وأقر‭ ‬النواب‭ ‬الجزائريون‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬قانونا‭ ‬‮«‬تاريخيا‮»‬‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬يوما‭ ‬للذاكرة،‭ ‬تخليداً‭ ‬لذكرى‭ ‬مجازر‭ ‬1945‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬القوات‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬مدينتي‭ ‬سطيف‭ ‬وقسنطينة‭ (‬شرق‭).‬

وتريد‭ ‬السلطات‭ ‬الجزائرية‭ ‬أن‭ ‬تطرح‭ ‬ملف‭ ‬‮«‬المفقودين‮»‬‭ ‬أثناء‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬التحرير‮»‬‭ (‬1954-1962‭) ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2200‭ ‬بحسب‭ ‬الجزائر،‭ ‬وأيضا‭ ‬الملف‭ ‬الخاص‭ ‬بالتجارب‭ ‬النووية‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬‮«‬التي‭ ‬أوقعت‭ ‬ضحايا‭ ‬ولمّا‭ ‬تزل‮»‬‭.‬

مشاركة