الجريمة والعقاب المناسب – مقالات – طالب سعدون
عندما تشيع وتنتشر حالات غريبة وشاذة وضارة بالمجتمع ، تصبح الاجراءات التقليدية المتعارف عليها غير مجدية ، إن لم ( يتصد ) لها المجتمع بقوة ، ويتخلص منها بسرعة ، لانها قد تغدو مع مرور الزمن ، وكأنها حالة طبيعية ، يُعتاد عليها ، ويصعب الفكاك منها ، ولذلك تحتاج الى مبادرات وأليات واجراءات غير تقليدية أيضا ، تناسب خطورة الفعل والفاعل ، وقد تكون خارج أطار نص القانون ، لكنها ضمن روحيته وأهدافه ومراميه ، لكي تعود الامور الى طبيعتها التي تطابق شرع الله ، ومضمون القوانين الوضعية والاعراف والتقاليد الاجتماعية ، ومعايير الاخلاق التي يفترض أن تسود في المجتمع .
وعلى سبيل المثال عندما يصبح الفساد بانواعه المختلفة ظاهرة في مجتمع ما ، و(سلوك معتاد) ، ومفردة متداولة ، تتردد على كل لسان ، وكأنه هو (القانون الطبيعي ) في الحياة يكون مصدر إحباط للناس ، وتصور قد يتحول بمرور الزمن الى ( قناعة ) بان هؤلاء الفاسدين ( محصنون ) من العقاب ، أو لديهم من الخبرة أوالمناورة والشطارة ما يمكنهم من الافلات من القانون ، وبالتالي يكون هؤلاء عامل تأخر للمجتمع ، وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة والقانون ، وليس فقط مبعث ألم وحسرة على الاموال الطائلة التي تهدر في غير مجالها النافع ، وضياع فرص ثمينة للبناء والاعمار ..
وعندما يصبح الفساد ( ثقافة ) ومادة يومية تطالع الناس في الاعلام ، ويسمع قصصها الاطفال والشباب والعاطلون عن العمل ، وتقتحم مسامعهم عنوة ، ويقارنونها بحالهم ، وما هم عليه من عوز وحرمان ، فقد يجنح البعض عندما يستمر الفساد سنوات دون نهاية له ، بتصور واهم أن ما يقوم به هو (حالة عامة ) ، أو ( من طبائع الامور ) ، وليس شاذا او غريبا أو مرفوضا .
وعندما لا يتورع الفاسد عن القيام بهذا الفعل المشين ، وغير الاخلاقي ، رغم علمه بان هناك قوانين تعاقب من ( يفسد )، ويتلاعب بالمال العام ويستخدمه لاغراض خاصة ، ومنافع ذاتية ، يصبح من الضروري ليس ان ينال جزاءه العادل فقط ، وانما يجب يكون عبرة لمن يحاول أن يسلك هذا الطريق المنحرف ، ونموذجا مرفوضا يلعنه الجميع ، ويُفضح على الملأ ، لكي يعرف هو وغيره ، مقدار جرمه ومدى الضرر الذي الحقه بالمجتمع وبنفسه ايضا ..
و الفساد حاله حال أي ( معصية ) أخرى ، تغضب الرب عندما تتعدى في ضررها النطاق الفردي الى المجموع ، فقد قال الرسول الكريم محمد ( ص ) ( أن المعصية اذا عمل بها العبد سرا لم يضر بها الا عاملها ، فاذا عمل بها علانية اضرت بالعامة ) ..ولذلك لا بد من اجراء يناسبها لمنع انتشارها بين العامة ..
وهنا ينبغي على المشرع والقاضي والسلطة المعنية ، التفكير باجراءات سريعة وحاسمة ، وبنصوص وأحكام أخرى ، تستجيب للواقع المتغير ، وتناسب فداحة الضرر وتحد من أثاره المدمرة على المجتمع وتطوره ، والدولة وقوتها ، والقانون وهيبته ، وبما يضمن حقوق الناس ويحفظ كرامتهم .
ففي امريكا مثلا حكم القاضي ( مايكل سكونتي ) بولاية اوهايو بعقوبات تبدو لنا خارج اطار النصوص المتعارف عليها ، لكنها ضمن روحيتها وتصب في هدفها عندما (( حكم على سبعة شباب بزرع ( 70 ) شجرة بعد قطعهم أشجارا عامة وبيعها كحطب ، وحكم على مراهق ضرب رجلا مسنا بالخدمة شهرين في دار المسنين ، وحكم على شخص سرق شريط فيديو من أحد المحال بالوقوف أمام المحل لمدة اسبوعين وهو يحمل لوحة كتب عليها (السرقة عمل شائن ) كما خير في حكمه طبيبا اُتهم باحتساء الكحول اثناء القيادة بين السجن لمدة ستة اشهر او القاء محاضرات على الطلبة في المدارس عن اضرار الكحول )) …
فالعقوبات التي حكم بها القاضي ( ما يكل سكونتي ) ، تبدو غريبة ، لكنه يراها مفيدة للجميع لفداحة ضررها ، وسعيه من موقعه للحد منها ..
والعقوبة من جنس العمل ، والحكم بها على مقتضى الواقع .. فما أحوجنا اليوم الى ( عقوبات تناسب واقع الحال ) تردع الفاسدين ، وتفضحهم أمام الرأي العام ، وإستئصال ذلك الفيروس الخبيث ، لكي نحصن ضعاف النفوس من الوقوع في شرنقته، وتحفظ المال العام ، وتزيد من هيبة الدولة والقانون في أعين الجميع ، وتطرد ( ثقافة اليأس ) من أن تتسلل الى عقول البعض بتصور أن العدالة لا تنال الفاسدين لقدرتهم على الافلات منها .. فالقانون ينظر الى الجميع بعين واحدة لا تعرف التمييز ، ويضرب بيد من حديد ، بلا رحمة على الفساد والفاسدين ..
والله لا يحب المفسدين ..
{{{{{
كلام مفيد :
من جميل ما سمعت ( الاحداث المتغيرة ، تحتاج الى اخلاق ثابتة ..) ..

















