الجد والهزل في علم الأدب – خاطرة بين المسافات – معتصم السنوي

الجد والهزل في علم الأدب – خاطرة بين المسافات – معتصم السنوي

مصطلحان متضادان لهما رنين خاص في علم الأخلاق عند المسلمين وفيما يعرف في العربية بالأدب . ولا يرد في القرآن الكريم إلا اللفظ الثاني دون أن ينطوي على مفهوم ضمني من أي نوع ، ومع ذلك فإن المعنى المضاد للهزل هو الجد ، والمعنى المرادف للهزل هو المزاح ، لا يردان فيه أطلاقاً ، والقرآن لا يحدد صراحة الجد أو ينص على أجتناب المزاح ، ومع ذلك فإن الإسلام – دون أن يوحي ضرورة بالحزن والدموع برغم نظرته المتشائمة إلى هذه الدنيا التي سنوضحها فيما بعد- يدعو على الأقل المؤمنين في أهتمام إلى تدبر وعود ربهم وتحذيراته، وأن يعدّوا أنفسهم في هذه الحياة الدنيا للحياة الباقية التي تنتظرهم.

مقابلة بين نظرة الوثني والإسلام

تتصف نظرة الوثني بالخفة وعدم المبالاة وإنكار خلود النفس والبعث وجنوح إلى التنعم بمتع الدنيا كلها دون خشية من عقاب . وبين نظرة الإسلام التي فيها صرامة يميلها الأنشغال الدائم بما يحقق مثوبة الله : ثم إنه إذا كان ” الحلم ” ركناً أساسياً في علم الأخلاق عند المسلمين ، فإنه يتضمن بصفة خاصة شرف النظرة التي تستبعد كل أحتمال للإستسلام إلى الضحك والمزاح : وقد أوحى الأستهزاء الذي عانى منه المسلمون الأولون ورسل الله السابقون بنفور من السخرية التي هي إلى ذلك منهى عنها في القرآن الكريم وما يأتهم من رسول إلا كانوا به يستهزون} (سورة الحجرات ، الآية 11) ، بل من مجرد الضحك الذي هو في حد ذاته مستنكر، ذلك أن الله هو الذي يضحك ويبكي وأنه هو أَضحك وأبكى} (سورة النجم ، ألاية43)، ولسوف يبكي كثيراً في الحياة الآخرة أولئك الذين ضحكوا في الحياة الدنيا قليلاً فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون }(سورة التوبة ، الآية 82-83) ، والضحك هو مسلك أعداء الله (سورة المؤمنون الآية 10، سورة الزخرف الآية 47، ســورة النجم ، الآية 60، سورة المطففين ،   الآية 29) . على أن المؤمنين سيجزيهم الله في الدار الآخرة فنرى وجوه يومئذٍ مسفرة ، ضاحكة مستبشرة}(سورة عبس ، الآية 38 و 39). والمسلم إذ يدرك شرف دينه وكرامته ، وجدّية أفعاله هو مهما بلغ نصيباً من العادية ومرعاته التوسط في كل أمر ، فإنه إن لم يجد نفسه لا يملك إلا البكاء مدراراً يحس بأنه يجب عليه أن يكون أساساً شخصاً جاداً وأن يتجنب أي مسلك لا يتمشى مع السلبية التي عليها الحــلم . وخاصة الضحك والمزاح . وقد وجد هذا الإحساس الذي يقوم على تفسير ضيق لأخلاقيات القرآن ، مبرراً آخر في بعض الأحاديث والأقوال المأثورة التي لم يغفل الكتّاب المتأخرون بعض الشيء للكتب الأخلاقية ودوائر المعارف العامة جمعها في أبواب خاصة . وهكذا نجد الغزالي ( الأحياء ، الكتاب 24) يصرح بأن المزاح منهى عنه مذموم ، ويستشهد بأحاديث مختلفة تؤكد حكمه ، ومع ذلك فإنه يسمح بالمزحة المعتدلة ، ويعقد الإبشيهي (المستطرف ،جـ 2، ص308) بعد الفصل المخصص لتحريم الخمر مباشرة ، فقرة للنهي عن المزاح ، ولكنه لم يغفل عن أن يستشهد بالروايات المناسبة في إسهاب أكثر ويردد عدداً من النوادر المضحكة .

أنصار المزاح لهم براهينهم

ذلك أن الأفكار الأساسية التي يمكن أن يستند إليها في تبرير الذم الكامل للمزاح تناقضها في الحق بعض الأحاديث وأنظار حكماء المسلمين ، ومن اليسير أن يلتمس السند عند النبي نفسه ، فقد كان يمزح في مناسبات مختلفة، وكذلك عند السلف الصالح الذين كانوا فيما يظهر يكادون لا يتمسكون بظاهر الأحكام القرآنية الناهية عن الضحك والمزاح ، وسرعان ما أتخذ مّثلَ ما انتهجه أئمة فقهاء المدينة سابقة ، ولا يستطيع المرء أن ينسى تلك الواقعة العجيبة (وإن كان من الممكن تفسيرها ) من أيام القرن الأول الهجري (الثامن الميلادي) التي حدثت في مكة والمدينة . وخاصة المدينة، وهي قيام مدرسة حقيقية من أصحاب الفكاهة كانت صنعتهم الإضحاك ، وقد ساعدوا على إقامة النادرة ورفعها إلى مصاف القوالب الأدبية 0 ولم ينج العراق من آثار هذه الحركة ، وإنما الأمر يقتضي المرء أن يقلب النظر في الفهرست (طبعة القاهرة ، ص201 وما بعدها ، 435) ليخرج بفكرة عن وفرة مجموعات النوادر سواء كان جامعوها معروفين أو مجهولين ، أجل مجموعات النوادر التي كانت شائعة في عهد متقدم يرجع إلى أيام ” أبن النديم ” ومن الراجح جداً أن أصحاب الفكاهة هؤلاء وزبانتهم من الطبقة الأرستقراطية – بقدر ما يكون لهم وجود تاريخي ، ومن المعلوم أن بعضهم كان له وجود حقاً – قلما كانت تزعجهم النواهي التي كان غيرهم يعدونها نواهي مطلقة، وقد أختفى معظم المجموعات التي من هذا القبيل والتي كانت على التحقيق عظيمة الشيوع مثلها مثل الكتابات الخيالية التي ظهرت وفرتها في كتاب الفهرست ، والراجح أن السبب في أختفائها هو ردّة إلى التشدد والتطهر، ولكن بعضها استوعبته مجموعات أحدث ، وقد حفظ الأدب مختارات منها تشهد بتذوق القراء العرب للنادرة اللاذعة بله المفحشة التي تخدش الحياء وهو تذوق باق وإن لم يعترف به –

الجاحظ يبرر الضحك لأقترانه بالحياة

وبصرف النظر عن الناحية الأخلاقية بمعنى الكلمة النادرة ، فإن العنصر الفكاهي يثير حقاً مشكلة أدبية ، يبرز فيها الجاحظ للمرة الثانية في الميدان فيكون أول من حددها تحديداً واضحاً ، ذلك أن الجاحظ ، وقد ورث تراثاً دينياً وأدبياً قديماً ، صدمته النظرة المتشددة في غير موجب لبعض معاصريه ، وقد أنبرى من أول الأمر إلى تبرير الضحك الذي جعله مقترناً بالحياة ، وتبرير المزاح ، مبرزاً مزاياه ما دام لا يسرف ، ومظهراً أن الإسلام دين متحرر لا يفرض بأية حال التحفظ والتشدد ، ومن هنا راح يحمل على الجمود الذي تنطوي عليه معظم الكتابات التي هي في رأيه مسرفة في التشدد، وقد أقترح إباحة القليل من الهزل حتى في أشد الأنظار تشدداً ، وكان في بعض الأحيان لا يتردد عن قطع حجة دارسة ليستشهد ببعض النوادر على حساب التهوين من بقية كتابه ، ولكنه نجح في مزج الجد بالهزل مزجاً منسجماً في عديد من كتاباته، ومن بينها ” كتاب التربيع والتدوير ” الذي هو بلا جدال أكمل مثال على ما نقول .وصفوة القول : أنه أراد أن يكون الأدب مثقفاً ومسلياً في آن واحد . والظاهر أنه نجح بعض النجاح في هذا الباب ، ذلك أنه قد قلده كثيرون في المشرق والمغرب ، وذهب إلى أبعد من هذا فسبق من غير وعي منه الشعار الذي يقول بإصلاح العادات والسلوك بالسخرية منها ، وكتب ” كتاب البلغاء ” الذي أتخذ فيه الضحك عنصراً في خطة للتهذيب . على أن نجاحه في هذه الحالة مشكوك فيه أكثر ، و ” أبن الجوزي ” هو فيما يبدو الكاتب الآخر الوحيد الذي نجح على تفاوت حين حاول أن يتخذ الضحك بلا قيد لتحقيق مثل هذا الغرض (أخبار الحمقى والمغفلين ، دمشق سنة 1345 هـ ، ص2-3) . ونستطيع أن نقول بصفة عامة أن الكتابات الفكاهية بل الفكاهيات المسرحية المعاصرة ( تسمى الكوميديات هزلية ) لا ينظر إليها أبداً إلا على أعتبار أنها لا تعدو أن تكون تحولاً مقبولاً بلا أي مغزى خلقي؟

مشاركة