الجامعة العربية وحكاية الجرذ والقط – عبد الأمير كاظم الجوراني

الجامعة العربية وحكاية الجرذ والقط – عبد الأمير كاظم الجوراني

جامعتنا العربية العتيدة في حال لا يسرُّ العدو قبل الصديق, فهي تعيش في واد.. وشعوبها العربية في وادٍ آخر.. فالأزمات تترى على البلدان العربية واحدة تلوَ الأخرى منذ عقود, ولا بوادر من دَوْر حازم ومشرّف تأخذه على عاتقها لتنقذ ما يمكن إنقاذه.. والقضايا العربية المصيرية ينتهي بها المطاف إلى طريق مسدود, أو إلى نفق مظلم لا نهاية له.. وهي تقف موقف المتفرّج لِما جرى ويجري.. وكأنَّ الأمر لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد, وأقصى ما نسمعه منها في بعض الأحيان هو بيانات الإدانة والاستنكار إنْ وُجدت اصلاً.

هذا الحال يذكّرنا بقصة الجرذ وصاحب المنزل.. إذ يُحكى أنَّ جرذاً استوطنَ أحد المنازل, فعاث فيه فساداً وخراباً, فلم يَدَع جداراً أو أرضية إلّا وقد حفرها ونبشها, وذلك في بحثه عن الطعام والملاذ الآمن في هذا المنزل, الأمر الذي أدّى إلى أن يكون هذا المنزل في عداد المنازل الآيلة للسقوط.. فضاق صاحب الدار ذرعاً بهذا القارض اللعين الذي دمّرَ وخرّبَ كل ما تقع عليه عينيه ويديه, ولم تنفع كل أنواع السموم والمصائد في الإيقاع به.. الأمر الذي حدا بصاحب الدار إلى الاستعانة بقطٍّ علّه يتمكن من اصطياد الجرذ اللعين, وبالتالي يتخلص من أذاه إلى الأبد.. ولكن المفاجأة كانت في قيام هذا القط بسرقة طعام وقوت هذا الرجل بدلاً من أن يقوم بالإمساك بالجرذ اللعين, أو على الأقل حراسة المنزل وحمايته من شرّ الجرذ.. بل إنه (أي القط) وجد في منزل هذا المسكين الملاذ الآمن وما يحتاج إليه مما لذَّ وطاب من الأطعمة.. أما صاحبنا المسكين فإنه وجد نفسه وقد أصبح يعاني من مصيبتين بدل الواحدة, وكذلك الجرذ نفسه أصبح يواجه مشكلتين أيضاً, فهو الآن عليه مواجهة صاحب المنزل, كذلك القط المكلّف باصطياده, الأمر الذي اضطره إلى الاستعانة بأبناء جنسه من الجرذان ليخلصوه من مخاطر القط.. فأصبحت الجرذان تتجول في الدار بحريتها, وتتصرف وكأنها هي صاحبة الدار, بعد أن بات القط يخشى مجابهتهم لكثرة عددهم, والأدهى من ذلك أنه أخذ يجاملهم على حساب صاحب الدار, لدرجة أنه عقدَ معهم اتفاقية بتقاسم الدار فيما بينهم, له جانب من الدار, ولهم الجانب الآخر, وأخذ كلٌّ منهم يتمتع بخيرات الدار, وصاحب الدار ينظر إليهم بألم وحسرة لِما حدث له, وهو بلا حول ولا قوة, فما كان منه إلّا أنْ يستدعي أبناء جلدته لمساندته في محنته, ونصرته على أعدائه, فوجدهم لاهون بملذات الحياة وكأنَّ الأمر لا يعنيهم, فغضب منهم غضباً شديداً, وأخذ يلوم نفسه على ما جرى وما وصل إليه من واقع مؤلم, فقد تصور أنه ذكياً حينما استنجدتُ بالقط للخلاص من الجرذ, فجرت الرياح بما لا تشتهي السفن, وصُدِم بتحالفَ القط مع الجرذان لنهب خيراته وخراب بيته, ثم ارتكب الخطأةَ الأخرى بطلب النجدة من أبناء جلدته, فكانت صدمته أكبر حينما وجد هؤلاء وكأنَّ الأمر لا يعنيهم, فأصبح بين أمريْن لا ثالث لهما, إمَّا الاستسلام والرضوخ للواقع المر, أو الموت والدفاع عن داره!!..

وإنْ كان هناك حل آخر, فإني أتركه لخيال القارئ..

مشاركة