الجائزة‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬دولاراً

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

لنتخيل‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬جائزة‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬الادب‭ ‬أو‭ ‬الفن‭ ‬قيمتها‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬دولاراً‭ ‬فقط،‭ ‬يتنافس‭ ‬عليها‭ ‬كبار‭ ‬المبدعين‭ ‬وينتظر‭ ‬نتائجها‭ ‬الجمهور‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬الى‭ ‬عام‭ ‬بشوق‭ ‬ولهفة،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬عربي؟

‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬،‭ ‬مع‭ ‬اعلان‭ ‬نتيجة‭ ‬جائزة‭ ‬غونكور‭ ‬للرواية‭ ‬المكتوبة‭ ‬باللغة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬والتي‭ ‬ترفع‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الفائز‭ ‬بها‭ ‬الى‭ ‬مرتبة‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬الادب‭ ‬العالمي،‭ ‬اما‭ ‬شيك‭ ‬مبلغ‭ ‬الجائزة‭ ‬الرمزي‭ ‬فيضعه‭ ‬الفائزون‭ ‬في‭ ‬برواز‭ ‬كلوحة‭ ‬على‭ ‬الحائط‭ ‬في‭ ‬مكاتبهم‭ ‬أو‭ ‬بيوتهم‭.‬

هناك‭ ‬شعوب‭ ‬ارتقت‭ ‬بالقيم‭ ‬الثقافية‭ ‬والعلمية‭ ‬والابداعية،‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القيمة‭ ‬المادية‭ ‬للجوائز‭ ‬أو‭ ‬المكافآت‭ ‬وانما‭ ‬عبر‭ ‬منظار‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وتقديم‭ ‬التجارب‭ ‬الناضجة‭ ‬للناس‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬المتعة‭ ‬الفنية‭ ‬بجانب‭ ‬الفائدة‭ ‬والتفاعل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬انّ‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬يفوز‭ ‬بالجائزة‭ ‬سيبيع‭ ‬من‭ ‬اعماله‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬سيقبل‭ ‬عليها‭ ‬الناس‭ ‬بقوة،‭ ‬مئات‭ ‬الألوف‭ ‬وربما‭ ‬ملايين‭ ‬النسخ،‭ ‬مع‭ ‬كفالة‭ ‬حقوق‭ ‬المبدعين‭ ‬في‭ ‬كتبه‭ ‬لتعود‭ ‬المنفعة‭ ‬عليه‭ ‬وتطغى‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬اية‭ ‬جائزة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬كبيرة‭ ‬بالدولار‭ ‬أو‭ ‬اليورو‭.‬

هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬الثقافة‭ ‬والمعرفة‭ ‬والكتب‭ ‬والفن‭ ‬التي‭ ‬وصل‭ ‬اليها‭ ‬الشعب‭ ‬الفرنسي‭ ‬او‭ ‬الشعب‭ ‬البريطاني‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬ولدت‭ ‬مع‭ ‬الصف‭ ‬الأول‭ ‬الابتدائي‭ ‬وما‭ ‬قبل‭ ‬ايضاً‭ ‬لأي‭ ‬مواطن‭ ‬هناك،‭ ‬إذ‭ ‬يتعلم‭ ‬الطفل‭ ‬ان‭ ‬الكتاب‭ ‬قيمة‭ ‬عليا،‭ ‬وان‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مبهج‭ ‬ومفيد‭ ‬وممتع‭ ‬ومثير،‭ ‬ولا‭ ‬استغناء‭ ‬للإنسان‭ ‬عن‭ ‬الكتاب،‭ ‬حيث‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حي‭ ‬سكني‭ ‬مكتبة‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬ركائز‭ ‬وجود‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تجمع‭ ‬بشري‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬نائية‭. ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬ينتج‭ ‬القيمة‭ ‬العليا‭ ‬لمعنى‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬المبدعين‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬كسب‭ ‬قلوب‭ ‬المتطلعين‭ ‬للجديد،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬أحد‭ ‬الى‭ ‬انّ‭ ‬الجائزة‭ ‬قيمتها‭ ‬دولار‭ ‬أو‭ ‬ألف‭ ‬او‭ ‬مليون،‭ ‬لأنّ‭ ‬القيمة‭ ‬منجزة‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬المجتمع،‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬التعليم‭ ‬الأولى‭ ‬ثم‭ ‬الارتقاء‭ ‬في‭ ‬مدارج‭ ‬العمل‭ ‬والحياة‭ ‬والمعارف‭.‬

القيم‭ ‬العليا‭ ‬المنتجة‭ ‬لسيرورة‭ ‬الابداع‭ ‬والمعرفة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬تقدم‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬والملتزمة‭ ‬بالعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ودولة‭ ‬القانون،‭ ‬لا‭ ‬تصنعها‭ ‬دساتير‭ ‬محنطة‭ ‬ومزنجرة‭ ‬على‭ ‬الرفوف ‭  ‬،ولاتحميها‭ ‬وزارة‭ ‬ثقافة‭ ‬أضاعت‭ ‬دربها‭ ‬ولا‭ ‬تدري‭ ‬معنى‭ ‬اسمها‭. ‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية