الثنائية المرة

1207

علي السوداني

الأولى‭ :‬

قريباً‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬،‭ ‬وبعيداً‭ ‬جداً‭ ‬عن‭ ‬الأمنيات‭ ‬،‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬نحو‭ ‬أربعة‭ ‬شهور‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬مفتتح‭ ‬سيلان‭ ‬الدم‭ ‬العراقي‭ ‬الثائر‭ ‬،‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المشكوك‭ ‬فيه‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬،‭ ‬أن‭ ‬الأكراد‭ ‬لن‭ ‬يساهموا‭ ‬أبداً‭ ‬في‭ ‬ثورة‭ ‬تشرين‭ ‬العظيمة‭ ‬،‭ ‬لأنهم‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يرون‭ ‬ويتمنون‭ ‬،‭ ‬يعيشون‭ ‬بدولةٍ‭ ‬مستقلةٍ‭ ‬تماماً‭ ‬،‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬كردستان‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬يدخل‭ ‬بباب‭ ‬الاستثمار‭ ‬الانتهازي‭ ‬المريض‭ ‬غير‭ ‬العادل‭ . ‬

أما‭ ‬المدن‭ ‬الغربية‭ ‬الساكتة‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭ ‬،‭ ‬فما‭ ‬زالت‭ ‬متمسكة‭ ‬بعدم‭ ‬التظاهر‭ ‬،‭ ‬تحت‭ ‬حجة‭ ‬عوراء‭ ‬عرجاء‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها‭ ‬كثيراً‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬القول‭ ‬إنهم‭ ‬إنْ‭ ‬شاركوا‭ ‬ورفعوا‭ ‬راية‭ ‬تشرين‭ ‬المبجلة‭ ‬،‭ ‬فسوف‭ ‬يتهمون‭ ‬بالداعشية‭ ‬ويتعرضون‭ ‬إلى‭ ‬أذى‭ ‬كبير‭ ‬واجسامهم‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تستضيف‭ ‬سكاكين‭ ‬داعش‭ ‬وأخواتها‭ ‬بالرضاعة‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يرون‭ ‬فيه‭ ‬بوضوح‭ ‬وبالألوان‭ ‬،‭ ‬أن‭ ‬حكم‭ ‬المحمية‭ ‬الخضراء‭ ‬،‭ ‬صار‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬أهل‭ ‬الجنوب‭ ‬أيضاً‭ ‬،‭ ‬بكل‭ ‬وسائل‭ ‬القتل‭ ‬والحرق‭ ‬والتدمير‭ ‬والإهانة‭ ‬والتهميش‭ ‬‭!!‬

وبهذا‭ ‬السيناريو‭ ‬الأسود‭ ‬ستفشل‭ ‬الثورة‭ ‬وتضيع‭ ‬الدماء‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬الخريطة‭ ‬دولتان‭ ‬مستلتان‭ ‬من‭ ‬دفتر‭ ‬العاهرة‭ ‬الكونية‭ ‬أمريكا‭ ‬،‭ ‬هما‭ ‬دولة‭ ‬شيعية‭ ‬وثانية‭ ‬سنية‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬تقع‭ ‬حرب‭ ‬طاحنة‭ ‬قاتلة‭ ‬،‭ ‬ساحتها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بغداد‭ ‬وأخياتها‭ ‬نزولاً‭ ‬صوب‭ ‬الجنوب‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬نهايتها‭ ‬سيلتقي‭ ‬دجلة‭ ‬والفرات‭ ‬بالقرنة‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬يصبان‭ ‬بشط‭ ‬العرب‭ ‬،‭ ‬والذي‭ ‬سيكون‭ ‬لونه‭ ‬حينها‭ ‬أحمرَ‭ ‬تامّاً‭ ‬دامعاً‭ ‬‭!!‬

الثانية‭ :‬

‭ ‬ولقد‭ ‬تبيَّنَ‭ ‬بعد‭ ‬تجريبٍ‭ ‬وتجربةٍ‭ ‬،‭ ‬نَّ‭ ‬الجدَلَ‭ ‬على‭ ‬حائط‭ ‬الفيسبوك‭ ‬،‭ ‬يُفسِدُ‭ ‬الودَّ‭ ‬ويصخِّر‭ ‬القلبَ‭ ‬ويدمِّر‭ ‬الفكرةَ‭ ‬ويخرِّبُ‭ ‬المعنى‭ ‬،‭ ‬ويُكاثرُ‭ ‬ويسقي‭ ‬ويرعى‭ ‬مزرعةَ‭ ‬الشيبِ‭ ‬على‭ ‬الرأس‭ ‬واللحية‭ ‬،‭ ‬ويُقصّرُ‭ ‬العمرَ‭ ‬،‭ ‬ويزيدُ‭ ‬من‭ ‬أسبابِ‭ ‬زيارة‭ ‬مشفى‭ ‬الشمّاعية‭ ‬والعصفورية‭ ‬،‭ ‬ويجعل‭ ‬الطلاق‭ ‬بالثلاثة‭ ‬مثلَ‭ ‬قبضة‭ ‬خُبّاز‭ ‬بقدر‭ ‬فقير‭ ‬،‭ ‬ويَذهبُ‭ ‬بالمتجادلين‭ ‬المساكين‭ ‬،‭ ‬صوبَ‭ ‬طقطوقة‭ ‬صارت‭ ‬مشهورة‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬وشاع‭ ‬استعمالها‭ ‬كثيراً‭ ‬وزبدتها‭ ‬تقول‭  «‭ ‬إنَّ‭ ‬آخر‭ ‬الدواءِ‭ ‬الحظرُ‭ ‬«‭ ‬!!

كثرة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬صارت‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬كتابة‭ ‬رأيها‭ ‬الحاسم‭ ‬الصريح‭ ‬،‭ ‬فوق‭ ‬حائط‭ ‬السيد‭ ‬مارك‭ ‬الشاسع‭ ‬،‭ ‬خوفاً‭ ‬ورعباً‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬العنف‭ ‬والإرهاب‭ ‬اللغوي‭ ‬المشين‭ ‬،‭ ‬لذلك‭ ‬لجأ‭ ‬بعضهم‭ ‬الى‭ ‬السكوت‭ ‬والفرجة‭ ‬،‭ ‬وذهب‭ ‬آخرون‭ ‬مذهباً‭ ‬ينام‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬نفاق‭ ‬وتدليس‭ ‬،‭ ‬وأجبروا‭ ‬على‭ ‬شتم‭ ‬الباذنجان‭ ‬ليس‭ ‬لأنه‭ ‬سيء‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬إرضاءً‭ ‬للطماطة‭ ‬الحمراء‭ ‬المدللة‭ ‬فقط‭ ‬!!

مشاركة