الثمن قصيدة ماكرة –  سرور العلي

1175

قصتان قصيرتان

الثمن قصيدة ماكرة –  سرور العلي

لم تصدق والدتي يومها، حين أخبرها أخي الذي يصغرني بثلاث سنوات بأنه سيتزوج من فتاة فارسية تعرف عليها اثناء دراسته في الجامعة الامريكية في بيروت، ظنت بأنه يمزح معها كعادته حين يزورنا في العطل الصيفية، ويحكي لوالدتي عن مغامراته النسائية، ووالدتي تضحك لحديثه ولكن ذلك اليوم لم تضحك، ماتت ضحكاتها واستحال وجهها مصفرا كأنها تتلقى العزاء بموت اعز احبائها، وبدا اخي اكثر جدية واكتست ملامحه وجهه العزم، والاصرار وتساءلت والدتي بأستغراب:

“ولماذا فارسية؟ كيف سنفهم كلامها؟ لا نعرف عن عاداتهم شيئا وعائلتها هل تسمح بذلك؟”

رد أخي الجالس قبالتها بصوت حازم:

“ليست لها عائلة، هي هاربة منذ خمس سنوات وتسكن لدى رفيقة لها في بيروت”

صرخت والدتي:

“وكيف لنا أن نحيا مع هاربة في بيتنا؟ ربما هي مجرمة؟ او متورطة مع شبكة ارهابية؟”

لا ادري لم تذكرت ذلك اليوم ، وانا اجلس خلف شاشة حاسوبي الشخصي بعد محادثة طويلة مع شوكت، ربما التفكير بعلاقتنا دفعتني للتذكر، كيف سأخبر والدتي بأن شوكت ليس من بلدنا ويرغب بطلب يدي منها، وتخيلتها تنهار صارخة “لماذا ابنائي يتزوجون من غير بلدهم؟”

قبل سنة كنت مدعوة لحضور حفل عيد ميلاد لأحدى صديقاتي في الجامعة، وكان الحفل في احد الاندية وحين وصلت الى هناك، شاهدت العديد من الزملاء قد حضروا ايضا، كان زميلي شادي برفقة شوكت وبعد تبادل الاحاديث وكؤوس العصير، لاحظت أن شوكت يحاول التقرب مني يفتح مواضيع جديدة، او حين اغادر الطاولة لاخرى اجده يتبعني، في تلك الأمسية تبادلنا ارقام هواتفنا، ووعدني بأن يقرأ لي القصائد التي قام بكتابتها لولعه بالشعر، لم انم تلك الليلة كسابقتها احسست أن السرير أرجوحة من الورد تؤرجحني في الهواء عاليا، وخصلات شعري الاشقر تتطاير فرحا ومن خلفي شوكت يلقي علي الشعر ثم استسلمت للنوم،

بعد يومين طلب لقائي، والتقينا في مقهى قريب من الجامعة، جلست هناك انتظر بلهفة، بعد دقائق رأيته يدخل، طويل القامة، بشرته سمراء، عيناه عسليتان، ويرتدي قميص اسود وجينز، ويحمل حقيبة جلدية سوداء في يده اليمنى، نهضت لأصافحه وقلبي يكاد يقفز قبل يدي، بعد أن احضر النادل كوبي عصير البرتقال الذي طلبناه، فتح شوكت حقيبته واخرج رزمة من الاوراق المثقوبة من وسطها، قلب عدة اوراق وابتسم قائلا:

“هذه القصيدة من أجلك انت”

اشحت بنظري عنه مرتبكة وقلت بأضطراب:

“من اجلي انا؟ لم؟”

أجاب وهو يهم بالقاء كلماتها على مسامعي:

“ستعرفين لاحقا، والآن دعيني القي عليك كلماتها”

اخذت استمع له وابهرني صوته حين يلقي قصيدته، وعيناه تبتسمان وخيل لي بأنه يلقي القصيدة في مهرجانا كبير للشعر، استسلمت لكلماته التي اشعرتني بأنني أميرته وله وحده، وأن كل قصائده الماضية كتبها من أجلي، من أجل حضوري، ومن أجل هذه اللحظة التي عثر بها علي،

حسمت أمري وقررت أن اخبر والدتي بعد العشاء، وحين رأيتها أمام شاشة التلفاز تتكئ على عكازها، وشعرها قد ابيض ، والابتسامة على وجهها الذي بدا شاحبا اكثر من أي وقت مضى، جلست قبالتها كما فعل أخي سابقا والكلمات تكاد تختنق على شفتي، كانت هذه عادتي حين اتردد بالافصاح عن أمر يقلقني، لذا نظرت في عيني مباشرة وتساءلت بتوجس:

“ماذا هناك تكلمي؟”

أجبت بتلعثم:

“لا شيء يا أمي، ولكن هناك أمر ربما يسعدك وربما سيحزنك؟”

ردت والقلق لا يفارقها:

“تكلمي بسرعة”

قلت بعجل:

“امي هناك شخص يرغب بالتقدم لطلب يدي منك”

انفرجت شفتاها عن ابتسامة، وشعرت بأن كل حواسها تبتسم لي وقالت:

“وهل في هذا الخبر ما يحزن يا ابنتي؟ لطالما انتظرت هذا اليوم”

واجبتها كالملسوعة:

“الشخص ليس من بلدنا”

اجابت امي بدهشة:

“كيف؟ هل انت ايضا تودين الهرب كما فعل أخيك حين تزوج الفارسية وهاجر معها؟”

قلت بصوت يرتعش:

“لا يا امي شوكت قرر أن يستقر هنا بعد زواجنا”

اخذت تردد بصوت حالم:

“شوكت.. اسمه شوكت اذن”

“اجل يا امي وهو يحبني كثيرا، وسيترك عائلته من اجلي ويأتي للعيش هنا”

اجابت امي بسخرية:

“وهل تصدقين هذا الهراء”

“ولم يا امي هل نسيت ما فعله اخي نبيل من اجل زوجته وغادرنا؟”

“ولكن زوجته هاربة وهما يعيشان في امريكا الآن”

صمتت امي ثم استدركت:

“انا لا اعترض على جنسيته، ولكن اخشى من الفراق سابقى وحيدة في هذا المنزل بعد ان ترحلين معه”

حبست دموعي ونهضت اقبل رأسها:

“لا تتحدثين هكذا يا امي، كيف تعتقدين بأني ساتركك لوحدك وارحل؟”

ردت بأرتياح:

“حسنا اذن دعيه لزيارتنا غدا لأتعرف عليه”

غادرت الصالة والفرح يغمرني قائلة:

حســـــــــــــــنا سأخــــــــــــــــبره بذلـــــــك.

مرت سنة على زواجي من شوكت، كنت يومها غير مصدقة أن الشاب الذي احببته وتمنيته زوجا لي صار ، كتب المزيد من القصائد لي، قمنا برحلات رائعة، ولكن فجاة احسست بأنه تحول شخصا اخر لا اعرفه، اصبح مزاجه معكرا على الدوام، لا يهتم بي ولا بطفلتنا المولودة حديثا حتى قصائده شعرت بأنها لم تعد تكتب من أجلي، ويوم وقع ديوانه في حفل كبير حضره الكثير من المدعويين، لم اكن انا بينهم كنت في صالة الولادة، وربما حضرت اخرى تحتفل بكلماته التي كتبها لها، وعندما اناقشه بأمر ما يتهم ذوقي ويصفه بالرديء وبأنه لا يدري كيف تجرأ وتزوجني، كنت يومها في المطبخ اعد طعام الغداء، وبعد جدال عقيم بيننا هددني بأنه سيغادر الى بلاده دون عودة، لم ارد على تهديداته وذهبت مسرعة الى غرفة النوم، وحزمت ثيابي وثياب طفلتي وغادرت، وهو لا زال في المطبخ وتناهى لسمعي صوت ضحكاته في الهاتف المحمول.ذابت كل قصائد الحب التي زعم بأنها كتبت لي، ورحلت مع الذكريات الجميلة وعدت الى بيت والدتي، اردت ان اعتذر لها عما ارتكبته بحقها من جفاء وغياب، شاهدت بواب العمارة المجاورة ومعه اخرون متجمعون امام البيت، احسست بأنني فقدت والدتي الى الأبد، واقتربت لاهثة استطلع الأمر: “ما الذي حصل؟ هل والدتي بخير؟”

رد رجل مسن بحزن:

“والدتك توفيت هذا الصباح، البقاء في حياتك”.

مشاركة