الثقة السياسية- عدنان أبو زيد

286

عدنان ابوزيد

ديمومة‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬تستدعي‭ ‬استعراض‭ ‬أسباب‭ ‬فقدان‭ ‬«الثقة‭ ‬السياسية»‭ ‬بين‭ ‬النخبة‭ ‬والمحتجين،‭ ‬حيث‭ ‬التصعيد‭ ‬الإعلامي‭ ‬لاسيما‭ ‬الموجّه‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬يوسّع‭ ‬الهوّة،‭ ‬ويعقّد‭ ‬حتى‭ ‬«الثقة‭ ‬السيكولوجية»‭ ‬بين‭ ‬المتظاهرين‭ ‬انفسهم‭ ‬ومع‭ ‬دولتهم،‭ ‬بسبب‭ ‬تراكمات‭ ‬المحنة‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬الاحتمالات‭.‬

«الثقة‭ ‬السياسية»،‭ ‬مفردة‭ ‬ليست‭ ‬جديدة،‭ ‬في‭ ‬ادبيات‭ ‬علوم‭ ‬السياسة،‭ ‬وقد‭ ‬اشارت‭ ‬لها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مؤتمرها‭ ‬حول‭ ‬«بناء‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الحكومة»‭ ‬في‭ ‬فيينا‭ ‬العام‭ ‬2006،‭ ‬معتبرة‭ ‬انها‭ ‬نتاج‭ ‬«التوافق‭ ‬في‭ ‬الآراء‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬والنخب‭ ‬السياسية‭ ‬حول‭ ‬الأولويات‭ ‬في‭ ‬البرامج،‭ ‬ونمط‭ ‬الإدارة‭ ‬الحكومية،‭ ‬والتفاعل‭ ‬الإيجابي‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية»‭. ‬

فيما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالعراق،‭ ‬فان‭ ‬المتصوّر‭ ‬ان‭ ‬بنية‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي،‭ ‬الدينية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬تتيح‭ ‬الوشائج‭ ‬المنسجمة‭ ‬بين‭ ‬النخب‭ ‬والمجتمع،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬بناء‭ ‬«الثقة‭ ‬السياسية»‭ ‬ممهّدة،‭ ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬النقيض،‭ ‬اليوم،‭ ‬لأسباب‭ ‬شتى،‭ ‬بينها،‭ ‬

أسلوب‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة،‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وأسلوب‭ ‬مشاركة‭ ‬الموطن‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬التي‭ ‬ترسخت‭ ‬منذ‭ ‬‮٢٠٠٣‬‭ ‬عبر‭ ‬

ديباجات‭ ‬المحاصصة‭ ‬السياسية‭ ‬والطائفية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الفساد،‭ ‬واضمحلال‭ ‬الدور‭ ‬المؤسسي‭ ‬للدولة،‭ ‬واستشعار‭ ‬الفرد‭ ‬بانها‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬طموحاته‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوز‭ ‬الازمة،‭ ‬الا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استرداد‭ ‬«الثقة‭ ‬السياسية»‭ ‬أولا،‭ ‬بين‭ ‬جوانب‭ ‬العلاقة،‭ ‬كمدخل‭ ‬لاسترجاع‭ ‬«الثقة‭ ‬النفسية»‭ ‬و»الاجتماعية»،‭ ‬عبر‭ ‬إرساء‭ ‬منظومة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التجاوب‭ ‬الخلاق،‭ ‬بين‭ ‬الافراد‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬والأحزاب،‭ ‬وتدعيم‭ ‬ثقافة‭ ‬الثقة‭ ‬Trusting‭ ‬Culture‭.‬

يستطيع‭ ‬المواطن‭ ‬«الواثق»‭ ‬بالدولة،‭ ‬ان‭ ‬يتعامل‭ ‬حضاريا‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬اختلاف،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬يتظاهر،‭ ‬او‭ ‬يحتج‭ ‬فيها،‭ ‬

فان‭ ‬اعتراضه‭ ‬سيكون‭ ‬إيجابيا،‭ ‬نحو‭ ‬البناء‭ ‬لا‭ ‬الانتقام‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬والواجهات‭ ‬السياسية‭ ‬بالتخريب‭ ‬والحرق،‭ ‬لان‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الفرد

المتيقّن،‭ ‬يدرك‭ ‬جيدا‭ ‬ان‭ ‬دولته‭ ‬بنظامها‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬توصله‭ ‬الى‭ ‬مركز‭ ‬القرار‭ ‬والسلطة،‭ ‬يوما‭ ‬ما،‭ ‬وان‭ ‬عليه‭ ‬وفق‭ ‬ذلك،‭ ‬ان‭ ‬يديم‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ويجاري‭ ‬آليات‭ ‬المعارضة‭ ‬السلمية‭.‬

المواطن‭ ‬اليقيني،‭ ‬يتحمّس‭ ‬للتظاهر،‭ ‬قدْر‭ ‬اندفاعه‭ ‬الى‭ ‬التشارك‭ ‬في‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية،‭ ‬ونبذه‭ ‬الافرازات‭ ‬الطائفية‭ ‬والقومية،‭ ‬واحترامه‭ ‬الأقليات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وتفاعله‭ ‬بإيجابية‭ ‬مع‭ ‬كافة‭ ‬أنماط‭ ‬الفعاليات‭ ‬المجتمعية‭ ‬وتسامحه‭ ‬معها،‭ ‬حتى‭ ‬وان‭ ‬تباين‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الأساليب‭ ‬والاهداف‭. ‬

لكن‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬ذلك؟‭ ‬المسالة‭ ‬ببساطة‭ ‬تعود‭ ‬الى‭ ‬«الثقة‭ ‬السياسية»‭ ‬حين‭ ‬يدرك‭ ‬الفرد،‭ ‬ان‭ ‬برامج‭ ‬الحكومة‭ ‬تلمس‭ ‬الحاجات‭ ‬المجتمعية،‭ ‬وتستجيب‭ ‬لها،‭ ‬وحين‭ ‬يؤمن‭ ‬الفرد‭ ‬بذلك،‭ ‬يتسامح‭ ‬معها‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬الضرورات،‭ ‬لأنه‭ ‬يدرك‭ ‬جيدا‭ ‬انها‭ ‬تسعى‭ ‬الى‭ ‬ذلك،‭ ‬وانّ‭ ‬ظروفا‭ ‬مركّبة،‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬التنفيذ‭.‬

على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فحين‭ ‬ينتبه‭ ‬الفرد‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الحكومة‭ ‬منفصمة‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬ولا‭ ‬تدرك‭ ‬التطلعات،‭ ‬فانه‭ ‬يعرض‭ ‬عن

التأييد،‭ ‬بل‭ ‬ويحاول‭ ‬عدم‭ ‬الامتثال‭ ‬للقوانين‭ ‬والبرامج‭ ‬الحكومية،‭ ‬بعدما‭ ‬يصل‭ ‬الى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التقييم‭ ‬السلبي‭ ‬للسياسات‭ ‬العامة،‭ ‬معتبرا‭ ‬ان‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تمسك‭ ‬بالقرار،‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬المسارات‭ ‬الى‭ ‬الأهداف‭ ‬المرغوب‭ ‬فيها‭.‬

لا‭ ‬يتأتّى‭ ‬السخط‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬الخدمات‭ ‬وتردي‭ ‬الواقع‭ ‬الصحي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬والبطالة،‭ ‬فحسب،‭ ‬فثمة‭ ‬ظروف‭ ‬قاهرة

تتسبّب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مثل‭ ‬الحروب،‭ ‬ونقص‭ ‬الموارد،‭ ‬لكنه‭ ‬يولد‭ ‬أولا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬الجماعي‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬الأحزاب‭ ‬والطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬

والاقتصادية‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬او‭ ‬انها‭ ‬مشغولة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مصالحها،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬مشاعر‭ ‬البغضاء‭ ‬الى‭ ‬ابعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فتصوّب‭ ‬أهدافها‭ ‬الى‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكم‭ ‬والنظام،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭ ‬السياسية،‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الارتياب،‭ ‬تقطع‭ ‬الجسور‭ ‬بين‭ ‬

النخبة‭ ‬الحاكمة‭ ‬والشعب،‭ ‬ويترنح‭ ‬الاصطفاء‭ ‬السياسي‭.‬

  ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬«الثقة‭ ‬السياسية»‭ ‬هي‭ ‬المبدأ‭ ‬في‭ ‬الاستقرار،‭ ‬والتي‭ ‬تؤسَّس‭ ‬على‭ ‬لبنات‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الوعود‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬باستجابة‭ ‬صاحب‭ ‬القرار‭ ‬لحاجات‭ ‬المواطنين‭ ‬قبل‭ ‬اصحاب‭ ‬الوظائف‭ ‬السياسية‭ ‬والحزبية‭ ‬الرفيعة‭.‬

‭ ‬

مشاركة