الثقافة العراقية والسؤال عن حاضنة التفكير والعمل

568

الثقافة العراقية والسؤال عن حاضنة التفكير والعمل

باسم عبد الحميد حمودي

بغداد

يبدو العنوان مستفزا، ولكنه لابد أن يكون هكذا : واسعا، عريضا، واقعيا، يطرح اسئلة قبل طرح الاجوبة.

 بالامس القريب كتب الروائي العراقي  برهان شاوي  عبر صفحته في الفيس بوك خاطرة يقول فيها أن لاوجود لثقافة عراقية واحدة بل ثقافات متعددة، ويقسم الثقافة المرجوة الى ثقافة عربية وكردية وتركمانية  وايزيدية  وصابئية وكلدو آشورية  وشبكية… الخ

ويقول ان هذه الثقافات متباينة التأثير للخصوصيات التي تحملها والتي لاتؤكد وجود ثقافة عراقية واحدة.واذا انسقنا الى عرض برهان شاوي للثقافات العراقية فلا بد لنا ان  (نستمر) في التشظية فنقول بوجود ثقافة شيعية وثقافة سنية وثقافة عابرة للطائفية، ووجود ثقافة ارمنية وكلدانية وسريانية ونسطورية.. الخ

اسئلة واسئلة

نحن  في ذلك نتسع  في توصيف  معنى الثقافات العراقية حيث  نتجه الى التأكيد على البنى الاخرى للثقافة ،وهي البنى العقائدية سياسيا من قومية عامة الى وطنية الى دينية طائفية.

 وهذا التقسيم  الذي لايتقاطع مع التقسيمات السالفة يعمق هو الاخر في تشظية الثقافة العراقية  المرجو وجودها.

 هل نحن اذن وسط ثقافات متعددة أم هي ثقافة واحدة عراقيا ؟

هل نحن اسرى الانقسام الثقافي أم التلاحم في الثقافة ؟

وهل نحن متجاورون ثقافيا أم نحن وسط بيئات ثقافية متعددة؟

لابد من الاجابة على هذه السئلة الجوهرية في السياق ونحن نتحدث عن اطروحات الدكتور برهان شاوي.

الثقافات التي حولنا

 وقبل مناقشة افكارد. برهان شاوي لابد من  الاشارة للثقافات الاخرى المجاورة في الدول والمجتمعات الاخرى :

في ايران مثلا تتواجد  ثقافة قوميات اخرى فارسية وازبكية وافغانية وعربية وكوردية وبشتونية  تظللها الثقافة الاسلامية، وفي تركيا تجد مثل ذلك مع التباين في الخصوصية المذهبية.

في مصر توجد الثقافات الفرعية التي تستظل بالثقافة العامة في مصر، فهناك الثقافة العربية الاسلامية (بكل تدرجاتها من أزهرية وصوفية وعصرية) وهناك الثقافة القبطية والثقافةالنوبية.

ومن الطبيعي أن ذلك لا يعكس هويات هذه الثقافات بكل تفصيلاتها  ولكننا نحاول مناقشة الهوية الثقافية العراقية، وقبل أن ننساق في هذه المناقشة لابد لنا من تحديد معنى الثقافة.

بين الثقافة والحضارة أصطلاحا

يقف رشيد مسعود احد محرري(الموسوعة الفلسفية العربية)عند مصطلح ثقافةCulture  في مقاربة اشتقاقية تمهيدية تخرج المصطلح من المعنى الضيق الى المعنى الاوسع باعتباره(عملية تنمية بعض ملكات العقل بواسطة دربات مواتية)، وهو بذلك يحترس من مرادفة كلمة (ثقافة)  لكلمة (حضارة) باللغة الالمانية والادبيات الامريكية حيث ينطوي مفهوم الثقافة عنده (على معنيين اثنين أحدهماذاتي هو ثقافة العقل وثانيهما موضوعي هو جملة الاحوال الاجتماعية والمنجزات الفكرية  والفنية والعلمية والتقنية وانماط التفكير والقيم السائدة اي كل ما يتداوله الناس في حياتهم الاجتماعية من مكتسبات تحصل بالتناقل والتعلم) -الموسوعة الفلسفية العربية المجلد الاول بيروت 1986 مادة ثقافة ص311و321-

ورشيد مسعود في هذا يشارك د. حليم بركات في تجسيم معنى الثقافة موضوعيا رغم فصله -على مستوى اللغة العربية- بين معنى الحضارة باعتبارها ممثلة لمجموعة المنجزات الاجتماعية والثقافة التي تحمل مضمونا لحالة التقدم العلمي وحده وهو مضمون لا يهمنا الوقوف عنده الان في موضوعنا هذا.

أن د. حليم بركات في كتابه(المجتمع العربي المعاصر) ص321 يقول بوجود ثلاثة مكونات متداخلة لتحديد مصطلح الثقافة فهي تتكون في رأيه من :

1- القيم والاخلاق والسجايا والمعتقدات والمفاهيم والامثال والمعايير والتقاليد والعادات والوسائل والمهارات التي يستعملها الانسان في تعامله مع بيئته أو بكلمة: آداب الناس في أحوالهم في المعاش وأمور الدنيا ومعاملاتهم وتصرفاتهم في الحياة اليومية

2- الابداعات التعبيرية الفنية من آداب وموسيقى ورقص وغيرها

3- الفكر من علوم وفلسفة ومذاهب ونظريات ويقول بركات بتداخل هذه المكونات حتى لا يجوز الفصل بينهما دون الحاق ضرر بكل منها وتشكل معا الثقافة  العامة لشعب ما.

 من ذلك يتضح أن الثقافة لا تعني تحديدها بالقراءة والكتابة وحب الكتاب وتذوقه، بل تعني  السلوك الحياتي الاعتقادي والممارسات اليومية لهذا السلوك والمعتقد اضافة الى تجلياته على صعيد الفنون الشعبية والآداب، واحوال الناس اليومية.. الخ، وهي أحوال متداخلة بالاخر المجاور اجتماعيا، وربما دينيا، أو المختلف دينيا والمجاور اجتماعيا.

 ولابد أن نسلم مسبقا بضعف ذلك التناغم بين المتجاورين المختلفين قوميا أو دينيا بسبب ظروف غير موضوعية اسهمت مخططات دولية وهوس حكام واستهتارهم بقيم الشعب على شق المؤتلف لصالح المختلف، ولكن ذلك ينبغي ان يعالج بحصافة  الحاكم والمواطن معا.  ان السؤال عن حاضنة للتفكير تعني الكثير، فالحاضنة الفكرية للفرد العادي مليئة بثقوب الرزايا اليومية ولكنها ينبغي ان تغذى فكريا ودينيا بضرورة قبول الاخر وضرورة الحث والتاكيد على المصير العراقي الواحد. والحاضنة الفكرية للتجمعات السياسية اليوم مبنية  على الشللية التي لايسهم الكثير منها في الحث على التناغم مع الآخر الا بحدود، وهذه الحدود والتجمعات التي تدعو لاصطفاف ابناء الوطن الواحد في خندق الوطنية الواحدة ينبغي ان تؤازر وتشجع لأنها المعول عليها في التلاحم السياسي – الاجتماعي – الثقافي.

ثقافة ام (ثقافات)؟

السؤال الرئيسي هنا في العراق بالذات:

 هل نحن وسط ثقافة واحدة، نعايشها ونتمثلها وتشكل القاعدة الفكرية والاجتماعية  لنا جميعا ؟

والجواب هو : خائب ومتغاب من يقول بذلك، ذلك اننا نتعايش وسط ثقافات متجاورة لاثقافة واحدة، والمرجو ان تستمر هذه المعايشة التي نجدها لدى شعوب دول اخرى ناجحة تماما، رغم ملاحظة هذا الطرف او ذاك، وتجربة محاولة اسكتلندا الانفصال عن المملكة المتحدة  وفشل الاستفتاء جول ذلك قريبة لاتحتاج الى ايضاح، رغم أن نسبة التصويت على الانفصال كانت تقارب الـ45 بالمئة وهي نسبة ليست ضئيلة، كما أن التباعد الايرلندي الانكليزي لا زال مفهوما عند الطرفين رغم التعايش الموجود بين الشعبين.

 هنا لا بد من القول أن الجركس والشيشان الذين يعيشون في الاردن منذ عقود قد امتزجوا حياتيا مع الطبقات الشعبية والحياة الرسمية في المملكة ولكنهم يعيشون تقاليدهم الخاصة ومناسباتهم الاجتماعية ولهم قصصم وفولكلورهم الخاص. كما أن سكان بلاد النوبة الموزعين بين مصر والسودان يعيشون تجربتهم الاجتماعية الخاصة وتقاليدهم مع الاندماج بالمجتمع المجاور وهو اندماج تسجله  بوضوح رواية (الشمندورة) للكاتب النوبي محمد  خليل قاسم، وهو اندماج لايكاد يتشابه تماما مع التعايش الامازيغي العربي في المغارب العربية.

  اننا ينبغي الانخجل من وجود ثقافات عراقية متجاورة ومتعايشة،وأن يكون لكل اثنية قومية أو مجموعة دينية ثقافتها الخاصة ضمن الاطار العراقي العام، ولكن انكار ذلك على بعضنا البعض يشكل تغابيا وخللا في التعايش مع واقع ثقافي وشعبي واضح.

 ان الثقافة الاجتماعية للمكون العرقي الشعبي الفيلي لها تمثلاتها الحكائية والفولكلورية وامثالها الشعبية ومعاناتها التاريخية، ولكنها ثقافة متجاورة مع الثقافات العراقية الاخرى.

من جهة اخرى فأن مكونا اجتماعيا ودينيا كالمكون الارمني (الذي سكن العراق منذ  زمن) قد تعايش مع المكونات الاجتماعية الاخرى بصدق واحترام ولكنه بقى مكونا متجاورا باحتراس، رغم ان عددا من شخصياته قد اسهم في المجتمع العراقي بامتياز كالاطباء والمصورين والحرفيين والسينمائيين،وشخصيا استذكر القاص والصحفي كارنيك جورج وما قدمه للقصة العراقية وللثقافة في البحرين عند هجرته اليها.

 ان ثقافة الصابئة المندائيين تضرب في جذور الثقافة الاجتماعية الشعبية في جنوب العراق ووسطه، ورغم وجود لغة مندائية خاصة لكنهم ترجموا كتبهم المقدسة الى العربية واسهموا بنكران ذات في خدمة الثقافة العربية، حيث قامت الطبقة المثقفة منهم بالترجمة من مختلف اللغات الى العربية ونشطوا عملية الكشف عن الفولكلور المندائي المتعايش مع الثقافة العربية الاجتماعية، فيما كانت اسهامات كبار مثقفيهم علما ء(عبد الجبار عبد الله مثالا) وادباء (لميعة عباس عمارة وعبد الرزاق عبد الواحد  وناجية المراني ونعيم الرومي كامثلة) كبيرةمرموقة  في خدمة الثقافة العراقية.

 ان الحديث عن تميز مكون اثني او ديني بتجربة ما وبخصوصية ما امر لاينبغي الا فهمه في اطاره العام واستيعابه اجتماعيا وثقافيا، كما ان احترام المكونات الاخرى عملية ينبغي ان يجري التثقيف عليها ضمن احترام الثقافة العراقية بعامة. خلاصة، أن الثقافات العراقية المتجاورة ينبغي ان يكون لبعضها ذلك التداخل غير المخل بها بالثقافات الاخرى، وذلك مبعث دينامية الثقافة العراقية وجما لية تركيبها المعجز.  أن السؤال عن حاضنة التفكير بالثقافة العراقية والكتابة عنها يجيب –  باحتراس – عنهما تقدم من حديث اردناه مقتضبا يشكل مدخلا لكتابة جديدة عن الثقافة العراقية.

 ان  فهم ثقافة المجاور الشقيق في الوطن ينبغي ان تستوعب باقصى درجات الحرص والفهم لضرورتها الاجتماعية والحضارية والسياسية،وأن التبشير بثقافةواحدة متسلطة قد اكسب وطننا الكثير من الويلات،كما أن الاعتراف بالثقافات الوطنية الاخرى هو الاساس في بناء حضارة عراقية متكاملة وبيئة انسانية تعد نموذجا نصبو لتحقيقه.