الثقافة الأدبية لمن يتولّى المسؤولية –  نهاد نجيب

268

الثقافة الأدبية لمن يتولّى المسؤولية –  نهاد نجيب

منذ أقدم العصور  والعدل يستأثر باهتمام الأمم في كل زمان ومكان..وهو أساس الملك كما يقال..لقد كانت لعظماء القضاة غايات بارزة محدودة..ضحوا من أجلها  بكل شيء..وأمثالهم  يغيرون العالم  ويخلدون على مر الزمن..ويهبون كل حياتهم  لتحقيق  أهدافهم  ورسالاتهم وهم سعداء دائما  لأنهم قد وهبوا حياتهم  لشيء عظيم هو العدل الذي يعتبر من المستويات الرفيعة من المعاني ومستمد من تطور التأريخ وحضارة التطور وقيم الإنسان  وتبلور على مر الايام وتركز بفعل الزمن في كلمة  (العدل) ..

فماذا عن الإنسان العادي؟

كل منا له غاية وهدف في حياته..وهناك مثلا من يسعى إلى أن يضع يوما كتابا فيه لبعض الناس ايحاء وراحة ودعه..وقد لا ينجح  ولكنه يثابر مع ذلك على الكتابة وعلى الحياة لمخلوق بين الخلق….وهناك من تود أن تكون أما مثالية وهذه من أسمى الغايات واحسنها….

ومن الناس من يرمي  إلى القيام  بعمل مفيد..وأن يعتلي أسوار المجد في عمله..ومنهم من يرجو  أن يخدم الآخرين قدر استطاعته كلما كانوا بحاجة إلى المعونة..ومن الناس من يبغي  الثراء أو الشهرة في ميدان النشاط..بل من الناس من يود أن تتعدد جوانب كفاءته وأن يظفر بمحصول وفير من التجارب المختلفة وأمثال هؤلاء واولئك لا غبار على غاياتهم  واهدافهم….

وماذا عن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بعيدا عن الاهواء والغايات الفردية..وهل يجوز لكل من هب ودب أن يصبح بين عشية وضحاها وزيرا..أو نائبا..أو حاكما..أو مامورا..والاجابة تكمن في اختزال تلك المسميات كافة في شخصية  القاضي   وكيفية اختياره لأنه يمثل أحد رموز الفكر ونوابغ العدل والقانون  منذ أقدم العصور  ..ويعطي من إدراكه والهامة أكثر مما يأخذ.. ويتصل بالضمير الإنساني والإنصاف  اتصالا فكريا وروحيا طالما كانت له آثاره العظيمة فيما شهده الإنسان  في حضارته القديمة والحديثة من ديانات ومدنيات  وكان طوافه الفكري وتأمله العقلي..وفيضه الروحي..وأبحاثه في سر القوانين والشرائع  باعثا لاحقاق الحق وتطبيق العدل بحذافيره….

على أني أرى أن الغاية الصحيحة عند رجال القانون وبخاصة القضاة يجب أن تشتمل على جانب من الإيثار والرغبة في نشر العدل ونفع الآخرين  ..وقد لا يتحقق هذا  عند كل إنسان…

وحين تواجهنا غايات  وأهداف متعددة  فمن الخير أن نبدأ باحسنها قيمة في مجال القضاة وعدلهم  وثقافتهم الأدبية..وإذا نحن انجزنا هذه الغاية السامية..فإن المسائل الأخرى تبدو هينة ميسورة..

صفات متعددة

وما دمنا في مجال  القضاء والقضاة فتتعين الإشارة إلى الصفات  الواجب توافرها  في القاضي وهي متعددة ..في مقدمتها  أن يكون  عالما  بالقوانين..متحليا  بالحكمة والشجاعة..والعفة والعدالة..فإن احاطته باللغة  والأدب وفن البيان والتعبير  أمر لازم لزوم تمكنه  من القانون ذاته..فكيف إذا انتخب وزيرا للعدل؟

فالتعبير سواء بالنطق  أو بالكتابة  لا يتيسر إلا لمن ذل له  اللفظ واوتي المقدرة  الكاملة  على الإعراب  عن المعاني  التي تجيش  في صدره  اعرابا  واضحا لا لبس فيه ولا غموض..وتحرير الأحكام  القضائية  فن  لا يبلغ  تمامه  مالم تكن لدى القاضي  حصيلة كافية من الكلمات  والمترادفات  تسعفه  باللفظ الذي يؤاتي المعنى  المنشود  دون زيادة  أو نقصان..وعنايته الفائقة  في تحرير أسباب أحكامه  بلغة رفيعة  وألفاظ منتقاة..وهناك عبر التأريخ  أمثلة عديدة  على رجال جمعوا بين  الثقافة القانونية العالية والأدب..تجدهم لا في المناصب  القضائية  وحدها  بل وايضا في سلك النيابة العامة وبين عمالقة المحامين..والعمل الدبلوماسي  من سفراء ووزراء خارجية…

وعلاقة الأدب  بمهنة المحامي خاصة  في غنى عن التوكيد..وليس هناك إنسان  أكثر من المحامي  حاجة  الى فصاحة اللسان  وسحر التعبير  للوصول  الى  وجدان القاضي  وعقله  وللتاثير  في زملائه المحامين وموكليه.. ولذلك كله تعتبر هذه المهنة القانونية فنا رفيعا لا يستهان به..فعلى شباب المحامين الإقبال  على القراءة في الأدب العالمي والأدب العربي  قديمه وحديثه وربما يجدون  ذلك عسيرا  في باديء الأمر ثم ممتعا متعة لا تعادلها  أية متعة أخرى..حتى إذا ما انطلقوا  من عمل بهذه النصيحة مترافعين واتتهم العبارات  وتدافعت  الألفاظ والجمل وانساب الكلام كالنهر المتدفق  أو كالينبوع المنبثق..(فالحق ) في حاجة دائمة لأن يقدم في إطار جميل..وأن يزوق بثوب نظيف رائق يسر الناظرين..حيث كان لصناعة الكلام وفن البلاغة  اللذين يمسك بزمامهما  أي رجل قانون اثرهما على كل من يستمع  إليه من قضاة  وجمهور في قاعات المحاكم..ولقد عرفت قاعات المحاكم هذه الظاهرة ذاتها في العصر الذهبي للمحامين حيث كانت  الجماهير قبل أن تضنيها  متاعب  الحياة في هذه السنوات  العجاف..تتزاحم  للإستماع  الى مرافعات  أقطاب المهنة في القضايا المهمة جنائية  كانت أو سياسية…

سؤال مثير

ويبقى السؤال المثير للجدل..ومفاده..كيف كان يتم اختيار القضاة قبل مئات السنين  في ظل عدم  وجود جامعات وكليات حقوق ومعاهد إعداد القضاة؟ وكيف سلخت تلك المهن  القانونية  بلا تقنين  ينظمها في تلك الفترات بالذات..ونبغ منهم من نبغ ببلاغته  وفصاحته..وكان من ذوي الخبرة الواسعة في معترك الحياة والبراعة في الخطابة والكتابة وهما من لزوميات المهنة بل من الزمها حتى وصل إلى الاوج والقمة  !!

ومن أمثلة حيثيات  لمن يتولى  القضاء قبل قرون من الزمن  هذه السيرة..(حيث أمر الخليفة الأندلسي الحكم بن هشام..بتقديم إبن بشير..ليتولى القضاء في مدينة..قرطبة..فاستدعى إبن بشير دون إعلامه بما دعى اليه..ومر الرجل في طريقه إلى قرطبة  بأحد الشيوخ الذين يركن إليهم في الراي والمشورة..وقال له…

إني ماض  الى قصر الخلافة  لأمر لا ادريه..واخشى أن يعرض علي قضاء قرطبة..فماذا تشير الي؟..أأستجيب أم  استعفى؟..

فقال له الشيخ..إني سائلك  عن أربعة أشياء..وأعزم عليك  أن تصدقني  فيها ثم أشير عليك بعد ذلك بما ارى….

فقال الرجل..سلني ما تريد..وساصدقك الجواب..

فسأله الشيخ..

كيف حبك للمأكل الطيب..والملبس اللين..والمركب الفاره؟؟

فأجاب الرجل..والله لا أبالي  ما أرد به جوعي..ولا ما أسر به نفسي..ولا ما أحمل عليه رحلي…

فسأله الشيخ..

فكيف حبك للتمتع  بالوجوه الحسان..وما شاكل ذلك من الشهوات؟

فأجاب الرجل..هذه حال والله  ما استشرفت قط اليها..ولا اكترثت لفقدها..ولا خطرت لي ببال….

فسأله الشيخ..

كيف حبك لمدح الناس لك..وثنائهم عليك؟

فأجاب الرجل..والله ما أبالي  في الحق  من مدحني..ومن ذمني….

فسأله الشيخ..

كيف حبك للولاية..وكراهيتك  للعزل؟

فأجاب الرجل..وآلله ما أسر للولاية..ولا استوحش  للعزل..

فقال الشيخ..

والآن أشير عليك  بأن تقبل  القضاء..وأنك لموفق فيه إن شآء آلله..

وذهب إبن بشير  إلى قرطبة..وتولى القضاء فيها..ولم يكن أحرص منه على التزام  الحق  في أحرج المواقف…..

ولعلك أيــــها القاريء الكريم بعد هذا الذي حدثتك عنه رغم ايجازه أكثر اقتــــناعا الآن  بأن القانون  والأدب لا يتعارضان بل يكمل كل منهما الآخر وإن كانت حاجة رجل القانون  إلى الأدب أكثر بكثير من حاجة الأديب إلى التــــعرف على القانون..

وهكذا لو عرفنا  قيمة القضاء والقضاة  والثقافة القانونية والأدبية..عرفنا  قيمة أنفسنا..

فلا نضيعها  هباء منثورا

مشاركة