الثابت والمتغيّر في العراق – علي الشكري

209

الثابت والمتغيّر في العراق – علي الشكري

في الحياة ثوابت ومتغيرات ، ويقيناً أن الظاهرة تعتمد الثابت وتبحث في المتغير  ، الحق ثابت والباطل متغير ، العدل ثابت والظلم متغير ، الجمال ثابت والذوق متغير ، المبدأ ثابت والنفاق متغير ، الإبداع ثابت والمبدع متغير ، الدين ثابت والمتدين متغير …….. وبالقطع أن الثابت والمتغير مبدأ مستقر لا يتحدد بميدان دون غيره ، فهو حاكم للطبيعة والأديان والأشخاص والبلدان ، في العلاقات الدولية الثابت أن الإقبال يكون على الغني دون الفقير ، وعلى القوي  دون الضعيف ، وعلى الجسور دون المتردد ، وعلى من علا صوته دون من ركن للسكون . قد تتغير مكانة البلدان تراتبياً فدوام الحال من المحال ، لكن من الدول من تبقى محور وإن تراجع دورها وقتياً ، بلحاظ أنها الثابت وغيرها المتغير ، وهي الباقية وغيرها زائل ، ويكاد يجمع الشرق والغرب ، المقبل والمدبر ، المحب والباغض ، الصديق والعدو ، الشقيق والغريب ، على أن العراق ثابت وغيره متغير ، فالعراق عراق الحاضرات والحضارات ، عراق سومر وأكدو بابل وآشور وكلدان وأور  ، عراق الخلافة الراشدة ، عراق علي ” عليه السلام” وليس أكثر عدلاً إنسانياً وعلماً وحكمةً وزهداً وشجاعة بعد رسول الله ” عليه الصلاة والسلام ” من علي . وعلي ” عليه السلام ” اتخذ من العراق والكوفة تحديداً عاصمة للخلافة الإسلامية . والثابت أن العراق باقٍ وغيره فان ، صبي يافع وغيره يشيخ ، يركن للهدوء والسكينة لكنه يبقى متحرك ، قد يدب الضعف ببنيته المادية مرحلياً ، لكنه يبقى شاخص يرعب ويوجس الحاقد والحاسد والباغض خيفة ، على ضلالة من ظن أن نجم العراق أفل وشمسه غابت وقمره سقط وعهده زال وضعفه حال وعهده ولى وفات ، ورجاله أمنت أن لا عودة قريبة للكبير في قائمة المتصدين ، نعم يمر العراق اليوم بظرف ابسط ما يوصف بالاستثنائي ، ارضه ساحة لتصفية الحسابات ، ماله منهوب ، ومائه مغصوب وسمائه مباح ، وقريبه وبعيده تخلى عنه بل تآمر البعض عليه لاعتقاده أن لا مكان له بين الكبار والعراق باق متصدر قوي معافى .ويقيناً على زلل من ذهب به الوهم بعيداً وراودته نفسه الإمارة بالسوء للإطاحة بالعراق ، ففي قوة العراق قوته ، وفي ضعفِه ضعفهُ ، وعلى من توجس منه خيفة العودة ليس بعيدا ولكن للعقود الأولى من القرن المنصرم ، ليقف على تاريخ العراق ومواقفه من الشقيق والصديق ، الجار والبعيد ، المحتل والمستقل ، الآمن ومن تعرض للعدوان . ومن ضير من سياسات بعض حكامه ، عليه أن يفصل بين العراق الثابت ومن استبد بحكمه المتغير ، فهل اكثر من العراق من راح يساند الحركات العربية الباحثة عن الحرية ؟ وهل نسي من ناصبه العداء صولات العراق وجولاته دفاعا عن الأرض المغتصبة فلسطين القتيلة ؟ وهل نسي الصديق والشقيق خزائن العراق المفتوحة للباحثين عن الاستقلال ، بل من حلت به الكارثة ، ونزل به البلاء ، ومن شح عليه الخير ؟ وهل غاب عن الذاكرة كرم الضيافة وايواء من جار عليه المستبد ، ومن تطلع لارتحاق العلم ، والتعمق في الدين ، والتبحر في اللغة والأدب ، والتتلمذ في الفن ؟ وهل أكبر من العراق حاضرة ومدنية ؟ ويسألونك عن العراق الثابت . جاهل من ظن أن العراق متغير ، فالعراق ثابت وحكامه متغيرون ، وبالقطع أن بناء المواقف واتخاذ القرارات وإصدار الأحكام تنهض على الثابت لا على المتغير ، فضلاً عن ضرورة مراعاة الظروف والتماس الأعذار ، والتجاوز عن الهفوات والتغاضي عن الهنات ، فهل من منصف لا يقول بتكالب الأعداء واجتماع الإرهاب وقطع الأوصال مع القادم الجديد ، الذي عاش المعاناة ، وتنقل بين الأصقاع ، لا حقته اجهزة الدكتاتور القمعية ، سالت دماء ابناءه وزجت نساءه وغيب رجاله في غياهب سجون الدكتاتور ، عاش الغربة والخوف والتهديد والوعيد ، في وطنه مطارد، وفي غربته ملاحق ، نهاره خوف ، وليله رعب ، قضى جل عهده يعارض ، وحينما تصدى لم يجد الا الصد والقطيعة والتكالب ، ويحدثونك عن الخطأ والزلل وهدر المال العام وتسلق الأفاق والكذاب والمنافق  . وبالقطع أن مضي أكثر من عقد ونصف على التصدي وقيادة المشهد غير كافية لرأب الصدع وإعادة اللحمة وبناء ما تهدم وتصفية التركة ، لكنها كافية للشروع في مشوار التصويب والتصحيح والبناء ومحاربة الفساد وملاحقة من اساء للعراق وسمعته ، أما التذرع بحداثة التجربة ، وثقل التركة ، وتراكم الخراب ، وامتداد أذرع الراحل ، فلم تعد مقنعة لعدم الشروع بمشاور التصحيح ، فليس المهم الندب على ما ضاع من ثروة وفرصة وبناء ، لكن الأهم الشروع بمحاربة الفساد ، وملاحقة الفاسدين ، وبناء ما تدمر ولما يزل ، فالثابت أن رجال العراق قادرون على بناء ما تهدم ، وترميم ما تصدع ، وملاحقة من افسد وخرب وباع وخان ، فالطارئ ممن خان الأمانة متغير ، ومعدن ابناء العراق ثابت ، وسعيد من قرأ تاريخ العراق وتبحر  بسيرة رجالاته .

مشاركة