التنمية والديمقراطية

206

التنمية والديمقراطية
عادل الجبوري
لعل الكم الهائل من الدراسات والابحاث التي تناولت قضايا الديمقراطية، وحقوق الانسان، وشرعية النظم السياسية الحاكمة، والتنمية بشقيها السياسي والاقتصادي في العالم الثالث خلال النصف الثاني من القرن العشرين كان متناسبا مع عمق المشاكل والازمات والتحديات التي واجهتها مجتمعات عديدة كان البعض منها خارجا للتو من سلسلة تجارب مؤلمة ومأساوية في ظل السيطرة العسكرية والهيمنة السياسية الاستعمارية، في حين كان البعض الاخر منها مايزال يعيش مرحلة الانتقال من الحلم الى الحقيقة
ولكن من الناحية الكيفية ــ النوعية كان ذلك الكم الهائل، وربما حتى الان، قاصرا الى حد كبير او مقصرا عن فهم واستيعاب وتفسير ابعاد وجوانب الحركة السياسية والاجتماعية والثقافية سواء في اطارها النظري او على صعيد المعالجات العملية لمكامن الخلل والقصور والنقص فيها.
وفي كلا الجانبين، الاطار النظري والعملي كان المطروح هو اما تبرير وتسويق لسياسات الانظمة الحاكمة بأسلوب علمي وموضوعي تطغى عليه في بعض الاحيان نزعة فلسفية تمنحه قدرا من الجاذبية والقبول، واما تنديدا ورفضا لتلك السياسات يفتقر الى الحجج والبراهين والادلة العلمية المقنعة لاستغراقه في استخدام لغة خطابية جوفاء تفتقر الى المضمون والمحتوى الرصين، ولايفضي اي التنديد والرفض الى اية نتائج ايجابية على ارض الواقع، فضلا عن كونه يفتح جبهات مواجهة مع الانظمة تتسع شيئا فشيئا حتى تبلغ الامور الحافات الخطيرة ايا كان موضوع الخلاف او الاختلاف. وقد تقتضي الموضوعية القول ان القراءات والتحليلات الخارجية للتداعيات والارهاصات التي عاشتها معظم مجتمعات العالم الثالث بدت في معظم الاحيان ملامسة للواقع وقريبة منه الى اقصى الحدود، مع الاشارة الى ملاحظة ضمن هذا السياق، وهي ان القراءات والتحليلات الخارجية علما ان معظمها صادر عن مراكز بحوث ودراسات قريبة من من دوائر صناعة القرار الغربي، او اكثر من ذلك هي مساهمة في صناعته لايهدف من ورائها الى اصلاح اوضاع خاطئة وسيئة، وانما الهدف منها يتمثل في زيادة معرفة الاخر بعوالم يهمه كثيرا ما يجري فيها بحكم تشابك المصالح وتداخلها وتناميها مع مرور الوقت.
ولان التجارب الديمقراطية في الغرب قطعت اشواطا طويلة الى الامام واوشكت بنظر الكثيرين ان تبلغ القمة، مترافقة مع تحولات اقتصادية واجتماعية وحتى فكرية ساهمت الى حد ما في خلق اوضاع وظروف بدت في ظاهرها مستقرة، فإن الربط بين الديمقراطية كنظرية وممارسة من جهة، ومفاهيم اخرى من قبيل حقوق الانسان والحرية والتنمية من جهة اخرى كان ومازال امرا طبيعيا ومألوفا ومن اليسير رصده في الادبيات السياسية والاعلامية ومن على منابر المؤتمرات والملتقيات والندوات بعناوينها المتعددة المتنوعة، وكذلك في الشارع.
ومن هنا فأإنا حينما نتحدث عن رؤية غربية لموضوعة التنمية مثلا، فهذا من دون شك يعني اننا نتحدث عن الديمقراطية بكل جزئياتها وتفاصيلها.
وحتى تكون الصورة اكثر وضوحا، قد يكون من المهم جدا ان نشير هنا الى ان هناك مدرسة سياسية في الولايات المتحدة الامريكية تعتقد ان ثلاثية الديمقراطية والاصلاح الاقتصادي والتسامح الايديولوجي هي ثلاثية لازمة لاستتباب السلام، وترى ان الامن الاقليمي لاي اقليم له قاعدتان هما، التنمية الداخلية، والمشاركة السياسية. وفي اطار رؤيتها للشرق الاوسط فهي ترى ان مشكلاته مثلثة الاضلاع يغذي كل ضلع منها الضلع الاخر، وهذه المشكلات هي اقتصادية ــ سياسية ــ ايديولوجية.
وباعتبار ان رواد هذه المدرسة السياسية ــ التي بدأت تتبلور افكارها واطروحاتها مع تنامي الاهتمام الامريكي بالشرق الاوسط منذ النصف الثاني من القرن الماضي ارتباطا باكتشاف البترول بكميات كبيرة وظهور دولة اسرائيل كحليف واستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة هم من افراد النخبة السياسية والفكرية هناك، وبأعتبار ان معظمهم اما يشغلون مناصب رفيعة في اجهزة الدولة، او يحتلون مواقع علمية مرموقة في ارقى الجامعات واشهر مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية، فإن مايطرحونه يحظى باهتمام كبير في الولايات المتحدة وخارجها، حتى ان افكار واطروحات تلك المدرسة وجدت لها انصارا ومؤيدين على نطاق واسع في اوربا وبعضا من العالم الثالث، وذلك لانها اتسمت بالواقعية وبدت كما لو انها تعمل بجدية على تفكيك وتحليل المشاكل والازمات القائمة في العالم الثالث وذلك من خلال دراسة طبيعة الانظمة السياسية الحاكمة سواء كانت ذات طابع عسكري، او عشائري ــ قبلي، او حزبي ــ عقائدي، وكذلك دراسة عوامل الشد والجذب المتبادلة بين السلطات الحاكمة بمؤسساتها وشخوصها وبين مختلف الشرائح والتيارات والفئات المؤلفة للنسيج الاجتماعي. ورغم الاهداف والاجندات السياسية لكثير من المراكز والمؤسسات الاكاديمية الغربية، الا انه لم يكن غريبا ان نجد ان عددا كبيرا من دراساتها وبحوثها بهذا الشأن تصبح مصادر ومراجع اساسية لفهم جانب من التفاعلات حتى بالنسبة للذين يعيشون في خضمها، مثلما اصبحت الهياكل والبنى الديمقراطية في التجربة الغربية نماذج صالحة للاستنساخ والنقل والاستعارة، بحيث لم يعد عسيرا على المرء ان يرى او يسمع في اية دولة من دول العالم الثالث عن وجود برلمان ومجالس محلية وسلطات قضائية ووسائل اعلام بعناوين ومسميات متعددة. بيد ان ما يمكن ملاحظته ايضا في مقابل ذلك هو ان الانظمة السياسية التي استنسخت او نقلت او استعارت جوانب من التجربة الغربية في الديمقراطية انشغلت كثيرا وانشدت الى المظاهر الجذابة لتلك التجربة، ولم تكن معنية ولو بدرجة قليلة بمضامينها، ولا كانت مستعدة للتعاطي معها فيما لو وجدت انها لاتعبر عن مصالحها ولاتضمن بقاؤها في القمة.
ويصف الدكتور احمد عبد الله الاكاديمي والباحث العربي المتخصص بقضايا الديمقراطية وحقوق الانسان الحال في العالم العربي وصفا يبدو دقيقا، حيث يقول في العالم العربي انجزنا الدولة القمعية القهرية التي تعامل مواطنيها اسوأ مما عاملهم الاحتلال الاجنبي، لقد سقط في بلادنا صرعى وشهداء بيد الدولة الوطنية. الدولة الديمقراطية هي دولة سيادة القانون الذي يطبق على الجميع بغض النظر عن الصغير او الكبير، المواطنون امام القانون سواء، والقوانين ليست حبرا على ورق، ويشارك الناس في صياغة هذه القوانين من خلال برلمانات حقيقية، لابرلمان لم يقل في عمره لا، الذي عندنا هو اشكال ممسوخة وزائفة لما يسمى الدولة، الدولة الحقيقية تتحقق في ظل الديمقراطية مثلما ان الديمقراطية يلزمها اطار الدولة ليكمل كل منهما الاخر . ولن يكون من قبيل المبالغة حينما نقول ان التجربة الايرانية على صعيد التنمية السياسية تعد نموذجا متميزا الى حد كبير في العالم الاسلامي والعالم الثالث على وجه العموم قياسا بما سواها من النماذج الاخرى.
ولعل من بين مظاهر التنمية السياسية في ايران، التعددية الحزبية والسياسية التي يعبر عنها العدد الكبير من الاحزاب والجمعيات والحركات السياسية، وحرية التعبير عن مختلف الاراء والافكار التي يعكسها تنوع وسائل الاعلام المختلفة، وخصوصا المقروءة منها، وكذلك الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية وانتخابات مجلس خبراء القيادة عبر مشاركة شعبية واسعة للغاية، ووفقا لاساليب ووسائل ديمقراطية بأعتراف واقرار الكثيرين.
ومع ذلك فإنه ما زالت هناك نقاط خلل وقصور في التجربة الايرانية ينبغي تشخيصها ومعالجتها، وهذا شيء طبيعي بالنسبة لتجربة ولدت في احضان الثورة ونمت وترعرعت في خضم تفاعلات وتحديات داخلية وخارجية، فضلا عن ذلك فأنه كان عليها ان توفق بين ضرورات خطاب ايديولوجي يمثل الاسلام محوره الاساس، وبين صيغ ومفردات ومفاهيم معاصرة، اي بعبارة اخرى المزاوجة بين الثوابت والمتغيرات.
واذا كان لابد من الدراسة العلمية الموضوعية لتلك التجربة فأنها لابد ان تتم على مستويين، الاول مستوى خاص، اي ان تدرس وتحلل كحالة معزولة ومجردة عن محيطها الخارجي والعوامل المؤثرة عليها سلبا وايجابا، والثاني مستوى عام، اي ان تدرس وتحلل كنموذج له سماته وخصائصه كما ان للنماذج الاخرى سماتها وخصائصها في اطار ظاهرة عامة، ومن غير شك فأن الدراسة على كلا المستويين لها فوائد كثيرة وكبيرة لفهم جانب من اشكاليات ومعوقات التنمية السياسية في العالم الثالث، وللوقوف على طبيعة وجوهر العوامل المحفزة والدافعة لها، وبالتالي فأن دراسة مثل هذه تعني في جانب منها بحثا في تجربة جديدة للممارسة الديمقراطية على ضوء مفاهيم جديدة هي الاخرى.
وما هو مهم هنا في هذه التجربة هو الهامش الكبير للحراك السياسي، وتنوع العناوين وتعدد الاطروحات، والتعاطي بقدر لابأس به من الواقعية مع مجريات الوقائع والاحداث، مع الحرص على عدم التفريط بالثوابت.
والتجربة التركية ايضا جديرة بالدراسة والتأمل في اطارها محيطها، لاسيما بالنسبة للتحولات التي شهدتها خلال العشرة اعوام الاخيرة، وكذلك التجربة العراقية الجديدة التي ولدت من رحم نظام دكتاتوري شمولي قل نظيره في التأريخ، وراحت تشيد بناها وهياكلها على انقاضه.
ولعل المجتمعات العربية التي شهدت خلال العامين الاخيرين تحولات سياسية كبرى خلفت صورا مازالت غامضة ومشوشة، تحتاج الى الاستفادة من التجارب السابقة لها حتى تختصر الزمن، وتتجنب تبديد المزيد من الطاقات والموارد والامكانيات وهي تسعى الى صياغة نماذج حكم وادارة جديدة تختلف كل الاختلاف عن النماذج السابقة.
AZP07