التقيت بصدام في إيران والقذافي قبيل الإطاحة به -لندن – علي محمد

516

رون بن أشي يعرض مغامراته في أكثر من ثلث العالم

التقيت بصدام في إيران والقذافي قبيل الإطاحة به -لندن – علي محمد

نشر رون بن اشي ، المراسل الصحفي الأكثر شهرة في إسرائيل، نشر مؤخرا كتابه المثير للجدل ” مراسل حربي الذي يكشف النقاب عن أهم ماجرى طوال اربعين عاما من الحروب على مختلف بقاع الأرض ؛ إذ يكشف مغامراته بانضمامه إلى مجموعة من الجاهديين في افغانستان، وتسلله إلى العراق عن طريق شاحنة لنقل الحنطة وكذلك مرافقة بعض تجار المخدرات الإسرائيليين في تجارة الهيرويين في كولومبيا والكثير الكثير من المغامرات التي خاضها وكان شاهدا على احداثها طوال اربعين عاما. الكتاب الجديد الذي صدر اواخر عام 2018 ? يبدأ وينتهي بلقائين مع ابرز الزعماء العرب وهما صدام حسين ومعمر القذافي ، حيث يوضح بن اشي انه التقى بصدام حسين بحوار خاطف عام 1968 أثناء تواجده في طهران ، قبيل اعتلائه سدة الحكم في العراق . وفي عام 2011 نجح بن اشي في لقاء الزعيم الليبي معمر القذافي قبيل الاطاحة به واغتياله من قبل جموع الثائرين في بلاده ، وجاء هذا اللقاء من خلال قناة تلفزيونية فرنسية حيث وجه من خلاله العديد من الاسئلة حيال الوضع في الشرق الأوسط. إن الفارق الزمني بين اللقاءين يؤكد على الخبرة التي اكتسبها يعد الصحفي الأكثر شهرة في إسرائيل. فضلا عن ذلك تشير خلفية الكتاب وغناه بالمعلومات الهامة التي يرغب بن شي بعرضها ، إذ يعد هذا الكتاب هو الثاني الذي يروم بن اشي نشرهما ، إذ يدور الكتاب الأول حيال المعارك التي خاضها الجيش الإسرائيلي سواء منفردا أم مع الجيوش الأخرى كمشاركته في حرب البوسنة وحرب الخليج وغيرهما. فضلا عن وصف شعوره تجاه هذه الحروب ، بوصفه مراسلا حربيا رأى بأم العين القتلى والجرحى والخوف الذي يملا الجنوب في خطوط النار. وبلا شك ، جاءت الأحداث التي عرضها بن اشي لتثير الذهول والاستغراب ، ففتح الفم والصدمة هي شعور كل من قرأ كتابه، إذ قام بعرض ملفات سرية حرص الجيش الإسرائيلي والموساد على عدم الكشف عنها طوال قرون ، واستطاع من خلالها إن يعرض الحقيقة المرة التي رافقت اختيار القرارات الحاسمة ، حيث كثيرا ما يدخل مباشرة دون الإشارة إلى نفسه ليترك القارئ أمام ماجرى خلف الكواليس وبدون رتوش. يجول كتاب ” مراسل حربي ” حول أكثر من ثلث العالم  ، وبدون تسلسل تاريخي ، فمن كردستان شمال العراق عام 2003 ? إلى الحرب الأهلية في قبرص عام 1974 ? مروراً بواشنطن في سبعينيات القرن العشرين ، في خضم الحرب الباردة ،ليعود الى مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982 إبان حرب لبنان الأولى ، وسقوط جدار برلين نهاية الثمانينيات ، الحرب الروسية في الشيشان عام 2000 ليعود إلى بداية أحداث الربيع العربي التي عصفت بالبلاد العربية قبيل سنوات. وجاءت مغامراته بصورة جلية ، فقد انضم بن اشي إلى مجموعة من الجهاديين التي تقارع النظام الذي وضعه الروس في افغانستان ، ودخل إلى العراق بواسطة شاحنة محملة بالقمح ، وشارك (بمعرفة عملاء أمريكيين) بمهمة مع جواسيس روس في واشنطن ، ليوثق خطة الإسرائيليين وهم ينجرون إلى بارونات المخدرات في كولومبيا ، ويساعد على تحرير سائح إسرائيلي اختطفته منظمة إسلامية في كشمير ، الهند ، وابدى اسفه وذهوله من نتائج التطهير العرقي من قبل شعوب البلقان بعد تفكك يوغسلافيا. كل هذه الامور يوصفها مؤلف الكتاب بخطى مثيرة ، والتي تذكر بالفعل كتب المغامرات التي يصفها بأنه أصبح مدمناً عليه منذ نعومة اظفاره. على الرغم من أن بن يشاي راض مع جول فيرن وكارل ماي ، إلا أن الشخصيات التي يكتبها حولنا تذكرنا بالمناطق الأدبية من فترات لاحقة ، مثل رواية غراهام غرين وجون لاكارا. كانت رحلاته إلى المناطق العنيفة بطبيعة الحال في خطر كبير، وليست متصلة فقط بخط النار ؛ ولكن أيضا بالتعرض المحتمل للهوية الإسرائيلية في بعض البلدان. لذلك ، تصرف بن اشي كما لو انه عميلا في الاستخبارات ، وراءه على الأغلب جهة خفية قد تحاول أن تنقذه رصاصة في الرأس في ركن مظلم من العالم. لكن على ما يبدو إن الغاية من هذه المغامرات ليس أمن اسرائيل ؛ انما الفضول الصحفي والرغبة في الفوز بالمنافسة.

رجل قوي جدا

يظهر لنا من صفحات الكتاب ، إن بن اشي يمتلك القوة والجرأة ، حيث تعرض لأكثر من مناسبة لخطر الموت المحدق ، مثل قيامه بالاختباء في شاحنة محملة بالقمح لتوثيق الاحتلال الأمريكي للعراق ، لكن بعض الخيارات التي قام بها كانت تبدو جنونية بلا شك ، مثل دخول سراييفو تحت نيران القناصة الصربيين أو قيادة السيارة إلى كوسوفو ، حيث أصيب هناك. من أجل البقاء على قيد الحياة ، بذل بن اشي الكثير من الجهود ،حيث امتاز بقدرته على الارتجال والأعصاب الحديدية. كان البعض من التوتر ينطوي على الدفاع عن هويته الإسرائيلية ، التي أخفاها من خلال استخدام جوازات سفر أمريكا الجنوبية ، ولكنه وقع بفخ جهله للإسبانية. كما يتطلب الحد الأدنى من التواصل مع بناته في إسرائيل، لأن الفضول يسير جنباً إلى جنب مع خلفيته العسكرية ، ومع بعض التضامن الإسرائيلي واليهودي القديم الذي يدور بداخله، وجد بن اشي نفسه في كثير من الأحيان في دور المنقذ ، سواء كان مع جريح يوناني تحت النار في قبرص أو الإفراج عن المخطوف الإسرائيلي في كشمير. في بعض الأحيان ينطوي الأمر على الانحراف عن حدود الوظيفة الصحفية الأساسية التي تم تعريفها له وفي المشاركة النشطة في الأحداث ، لكن بن اشي يتغلب على المعضلة الأخلاقية بسهولة نسبية. عندما تكون حياة البشر على المحك ويمكنه المساعدة ، فإنه لا ينتظر قرار مجلس الصحافة. عند قراءة الكتاب ، يساورنا شعور الاسف ؛ لكون بن اشي لم يتوسع في ذكر الأحداث ، ولكن الأمر الذي ذكره أكثر من مرة ؛ هو تلك الحالة التي صادفته في العراق ، حيث كتب أنه : قد عدت وايقنت بالبرهان – الذي عززته لاحقا أحداث الربيع العربي – هناك طابعا يسود اغلب بلدان الشرق الأوسط وهو الانتماء إلى مجموعة عرقية أو دينية أو عائلية هو امر يسود دائما على أي اعتبار آخر. بعد تغطية الحرب في قبرص ، خلص إلى أنه “في الشرق الأوسط ، لا يمكن أن يكون هناك عنف بدون طائفية بين المجتمعات والاقليات التي تختلف عن بعضها البعض في هويتها … عندما عدت من قبرص الدامية ، كنت أعرف بالفعل أن ضم إسرائيل للأراضي العربية يعد وصفة أكيدة لتدمير الوطن القومي اليهودي “.  بن اشي هو في الحقيقة مواطن اسرائيلي قلق ، حيث كتب : ” “دولة واحدة بين الأردن والبحر ستكون كارثة من منظور يهودي – إسرائيلي … هذا التهديد الوجودي حقيقي ويزداد سوءًا على مر السنين” ، ويضيف. “فقط من خلال الفصل المادي بين الشعبين – يقصد الفلسطيني – الإسرائيلي – ، كما في قبرص ، سيكون من الممكن تحقيق الهدوء والاستقرار في المنطقة التي ستستمر، وكلما أسرعنا في ذلك ، كان ذلك أفضل.” وجاءت زيارته الى دير الزور ، بعد مرور زمن ، مقدمة للتدخل الروسي في الحرب الأهلية السورية الدائرة هناك ، حيث أوضح بن اشي التوجهات الروسية باشتراكها في حرب بعيدة الهدف منها الحصول على ارض جديدة ومكان دافئ لها في الشرق الأوسط. ومن خلال تجواله وتفقده للمجاميع المسلحة على اختلافها، يظهر بن اشي خوفه من إن الكثير من المتطرفين في العالم يحبوننا بسبب كرهنا للمسلمين. وفي الحقيقة إن كتاب ” مراسل حربي” يكشف الوجه القبيح للحرب : حيث الجثث المقطعة في البلقان ، الحرب الأهلية في بيروت ، قنص الشرطة الليبية للناس العابرين برفقة اطفالهم الصغار ، فضلا عن القصف الجوي للنظام السوري على المناطق الامنة في سوريا.

 جواز سفر عالمي

يتضح إن العمل الصحفي الذي قام به بن اشي طوال (43 عاما)، انه هو نفسه جواز سفر وهمي، أي إن رحلات بن اشي ، التي تمتد لأكثر من البلدان وبعض القارات ، تُدعى تقريباً كدليل مهني إلى عالم يختفي بنفسه أي انه انتحل هوية وهمية؛ لان وسائل الإعلام ، وبالتأكيد الصحافة المطبوعة ، تخفض الموارد وتقلل من وقت ونطاق التغطية التي ترغب في تكريسها للصراعات الدموية في الأماكن النائية. يمكن للمرء أن يخمن أنه سيكون هناك قرّاء شباب سيعزز وصفهم الجميل لبن اشي بخيالهم وربما يدفعهم إلى اختيار مهني بعيد المدى. وبالفعل، هناك عدد ضئيل من الصحفيين الإسرائيليين الذين حذوا حذوه. على وجه الخصوص ايتي انجل ، الذي يصغره بعشرين عاما ، الذي يحترمه ويقدره بن اشي نفسه. ومن جهة أخرى ، هناك شيء آخر أصبح أكثر أهمية ، كنتيجة للتغيرات التي أحدثها عصر الإنترنت. اذ يتم الكشف عن هوية الشخص الحقيقية بعد مرور ثانية أو اثنتين على غوغل ، ليكون من الصعب الاعتماد على الجهل البناء من السلطات المضيفة. ففي مهمته الأخيرة عبر الخطوط ، في ليبيا ، شعر بن اشي بهذه الرؤية.اذ أخبره صحفيان فلسطينيان يعملان لدى هيئة الإذاعة البريطانية  بالعربية عندما غادرا البلاد بأنهما وصلا إليه في اليوم الأول الذي رأوه فيه في فندق في طرابلس. ومن الشخصيات التي طلبت عدم الكشف عن هوية بن اشي ، كانت المراسلة الحربية الأمريكية ( ماري كالاوين) التي قتلت في سوريا العام الماضي ، أثناء تغطيتها هجوم قوات الاسد على إحدى القرى في ريف حماة ، وعلى الرغم من هذا ، فان الشعور الذي غمره في ليبيا بأنه قد قفز بعيدا عن خطاه هذه المرة ، ليقع بمنطقة الخطر ، فالدفاع عنه هنا هو امر مستحيل، وهنا قرر عدم السفر مطلقا بهوية وهمية، وحتى لو كان مراسلا لتغطية نشاطات الجيش الإسرائيلي.

مشاركة