التقارب السوري الإيراني في ظل التحولات ـ د. محمد مزيان

636

التقارب السوري الإيراني في ظل التحولات ـ د. محمد مزيان

تعتبر العلاقات الثنائية بين البلدين من أقوى العلاقات في منطقة الشرق الأوسط بين طرف عربي وآخر فارسي، بدأت معالمها منذ الثمانينات من القرن العشرين عندما ساندت سوريا إيران في حربها ضد العراق. كما اتسمت العلاقات بين الدولتين بخضوعها لمجموعة من الثوابت الجانب العقدي كان لها كبير الأثر على العديد من الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتجاوزت مجموعة من الأزمات الإقليمية. وبذلك فالسمة البارزة لهذه العلاقة هو الحركية والتغير في بيئة إقليمية حافلة بالقضايا المعقدة والمتجددة.
وبالنظر إلى تغيرات عالم اليوم أصبحت هذه العلاقات خاضعة لتداعيات المرحلة دون إغفال الأوضاع الداخلية المساهمة في صنع القرار الخارجي للدولتين فقد استطاع بشار الأسد أن يوثق الصلة أكثر مع إيران حيث أكد في العديد من المناسبات على أهمية هذه العلاقة التي تجمعها التاريخ الإسلامي المشترك. فما أبعاد العلاقات الثنائية بين البلدين؟ وما طبيعة الدعم الإيراني للنظام السوري في ظل التطورات الراهنة؟
1 أبعد العلاقات الثنائية
أ البعد الديموغرافي
برز هذا العنصر في العلاقات الثنائية بين البلدين كأهم الروابط بينهما نظرا للامتدادات الديموغرافية سواء من حيث السمة اللغوية أو العرقية، فالبلدان يشتركان في احتضان العنصر الكردي الذي يشكل تواجده بالبلدين عاملا مؤثرا على علاقاتهما سواء في تبني خطاب الاستقلال الذاتي الذي يرعاه الحزب الديمقراطي الكردستاني، أو في حالة استعماله كورقة ضغط في حالة توثر الأجواء بين البلدين.
إضافة إلى ذلك نجد العنصر الشيعي الذي يشكل عامل تقارب بين الطرفين، نظرا لارتفاع نسبته في سوريا خاصة دمشق، ونظرا لقدوم طلبة إيرانيين للتحصيل بالجامعات السورية علاوة على الزيارات التي يقوم بها شيعة إيران للمزارات الشريفة بسوريا، فحسب إحصاءات وزارة السياحة السورية فقد بلغ عدد الزوار 2 مليون زائر سنة 2011. وهو ما ينجم عنه تأثير ثقافي خاصة مع تزايد الإقبال على تعلم اللغة العربية في إيران وتعلم الفارسية بسوريا.
ب البعد الجغرافي
تركز الدراسات الكلاسيكية والحديثة في العلاقات الدولية على أن هناك علاقة بين الموقع الجغرافي والسياسي وقد اعتبر نابوليون بونابارت أن الجغرافيا تتحكم وتدير سياسة الأمم وبذلك فالجغرافيا هي العنصر الدائم في السياسة مما يعني أن الموقع الجغرافي له تأثير كبير في تحديد نوعية ومظاهر العلاقات الدولية.
من هذا المنطلق فإن أهمية الدولتين الإستراتيجية والأمنية ساهمت في تحقيق التقارب بينهما، فرغم عدم وجود حدود مشتركة بينهما، إلا أن إيران تتقاسم حدودها مع تركيا والعراق والجمهوريات السوفياتية السابقة إضافة إلى حدودها مع الخليج العربي وبحر قزوين. كما أن سوريا لها حدود مشتركة مع العراق وتركيا والأردن وفلسطين، لبنان البحر الأبيض المتوسط. مما أهل المنطقة للعب دور طلائعي منذ القديم، علاوة على ما تزخر به البلدين من ثروات طبيعية جعلتهما محط اهتمامات وتجاذبات إقليمية ودولية، كما تشكل سوريا بوابة إيران إلى لبنان حيث حزب الله والشيعة وأيضا منفذا للبحر الأبيض المتوسط.
ج البعد الاقتصادي
يعتبر العامل الاقتصادي متغيرا أساسا في العلاقات الدولية خاصة بعد انهيار نظام القطبية الثنائية واتجاه دول العالم إلى خلق تكتلات اقتصادية إقليمية ودولية، لمواجهة النظام العالمي الجديد. وهكذا تعززت العلاقات الاقتصادية بين الطرفين حيث بلغت الاستثمارات الإيرانية بسوريا سنة 2006 حوالي مليار دولار، كما تم توقيع مذكرات تعاون في مارس 2008، وبذلك اتجهت الدولتان إلى تعزيز علاقاتهما الاقتصادية وخلق فرص جديدة للاستثمار وتنمية الاقتصاد السوري. وقدمت طهران مساعدات اقتصادية لدمشق بلغت 7 مليار دولار لمواجهة الأزمة، كما أقامت مشاريع اقتصادية مشتركة بسوريا كمحطات إنتاج السيارات، ومحطات الكهرباء علاوة على إعفاء الصادرات السورية إلى إيران. وبذلك تسعى الدولتان إلى خلق الأجواء المنافسة لها خاصة مع تزايد الضغط الإقليمي والدولي على نظام بشار الأسد، خاصة بعد اندلاع الثورة السورية رغم ذلك صوت البرلمان الإيراني في دجنبر 2011 على اتفاقية التبادل الحر مع دمشق في رد على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الذين تقول إنهم يسعون إلى إسقاط نظام الأسد.
2 تطورات العلاقات بين البلدين في ظل الاحداث الراهنة.
تسارعت وثيرة العلاقات بين البلدين رغم تباين مواقفهما من مجموع القضايا الإستراتيجية التي تهم منطقة الشرق الأوسط، كالموقف المعلن من حرب العراق الثانية 2003 فإيران أدانت مبدأ الحرب ضد العراق خوفا من امتداد الحرب داخل أراضيها. أما سوريا فنددت بالتدخل الأمريكي وفتحت حدودها مع العراق للمقاومة. شكل الإحساس بالتهديد المشترك الذي يمكن أن ينتج عن الحضور العسكري الأمريكي نقطة التقاء نقطة تلاقي في صياغة رؤى حل القضية العراقية، فقد يخطئ البعض أن هناك تطابق بين السياستين فيما يخص القضايا الراهنة بالمنطقة. فالنظام السوري حذر جدا من العناصر المشكلة للنظام العراقي الموالية لإيران، كما أنها حريصة على وحدة العراق لأن تقسيمه يهدد أمن سوريا وما زالت ترى في المقاومة العراقية مقاومة مشروعة.
أما الموقف من القضية الفلسطينية فسوريا تحرص على عدم تفجير الوضع الفلسطيني بل وتعتبر الوحدة الوطنية الفلسطينية عاملا مساعدا يضعف الموقف الإسرائيلي بينما العكس في المقاربة الإيرانية التي ترى أن المقاومة الفلسطينية المسلحة هي الحل حتى لو أدى ذلك إلى تفجير الوضع الداخلي.
ينسحب الاختلاف فيما يخص الموقف من القضية اللبنانية كذلك، حيث استمر الدور السوري في لبنان حتى بعد صدور القرار الأممي رقم 1559 في دجنبر 2005 القاضي بانسحاب سوريا من لبنان، إلا أن ذلك لم ينه الدور السوري بالبلد نظرا لما تركه ذلك من تداعيات طائفية. أما طهران فترتبط عقائديا بلبنان نظرا للامتداد الشيعي، حيث يعتبر حزب الله من أهم المراجع الشيعية في لبنان وفاعلا مؤثرا في الساحة السياسية اللبنانية، خاصة بعد الحرب الإسرائيلية السادسة صيف2006 التي ارتبطت بها كذلك كل من سوريا وإيران بسبب العلاقة لعدائية مع الكيان الصهيوني من جهة ولتقارب البلدين من حزب الله منذ تأسيسه 1982. إلى جانب هذه القضايا لايمكن إغفال الدور المتنامي الآن لتركيا في البيئة الإقليمية وتعقد القضايا المطروحة بين الأطراف الثلاث مشكل المياه، القضية الكردية، والاتفاق الإسرائيلي التركي، إضافة إلى الصراع القائم بين أذربيجان وأرمينيا ومصادر الطاقة، وهو ما يبرز العناصر والقضايا المشتركة التي تواجه النظامين السوري والإيراني بالمنطقة.
إلا أن تحليل الأوضاع الراهنة اليوم يوضح أن إيران أصبحت تتطلع الآن إلى لعب دور إقليمي قوي لايخلو من الرغبة في الهيمنة خاصة بعد تعافي إيران اقتصاديا وعسكريا، كما صارت طهران القوة المؤثرة في أفغانستان والعراق حيث حكام العراق الرئيسيون من أنصار إيران فضلا عن علاقتها القوية بحزب الله بلبنان. كما أن العلاقات الثنائية بين البلدين دخلت منعطفات جديدة خاصة مع اندلاع التظاهرات في درعا مارس 2011، حيث تحولت سوريا بالنسبة لإيران إلى رهان جيوسياسي مرتبط بجوهر الأمن القومي الإيراني ومستقبل إيران كدولة، فقد صرح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن بإمكان إيران لعد دور مهم بالمنطقة خصوصا إذا تعلق الأمر بسوريا . كما زار طهران موفدون دوليون مكلفون بالتوصل إلى حل الأزمة السورية . وبذلك أثبتت نفسها كطرف رئيس في أي معادلة تخص المنطقة. إذ نجد مثلا النظام الإيراني يدعو بشار الأسد في شتنبر 2011 إلى وقف استخدام العنف ضد المحتجين السوريين. ومع دخول الثورة السورية عامها الثالث وفقدان آلاف من الجنود وأفراد الميليشيات من الطائفة العلوية أصبح بشار السد يعتمد الآن على وحدات خاصة من حزب الله وميليشيات شيعية أخرى من الحرس الثوري لمساعدته في تحويل دفة الصراع لصالحه، وهو ما سيؤدي إلى تراجع سلطة الأسد ومعه موقع سوريا في المنطقة خاصة مع تقارب إيران مع الغرب الذي بدأ يلوح في الأفق.
خلاصة القول فالعلاقات الثنائية بين البلدين لم تتغير رغم هبوب رياح الربيع العربي، لكون صنع القرار الخارجي الإيراني يرسمه المرشد وليس الرئيس. كما تتهم المعارضة السورية طهران بتوظيف قواتها لدعم النظام السوري وقمع المحتجين، كما أن طهران مع أي حل سياسي للأزمة السورية. فماذا سيكون الموقف في إيران إذا تغير النظام في سوريا معارض لإيران؟
AZP07