التفسير الدستوري لإطلاق صفة (الخبراء) على ممثلي الفقة الإسلامي – حسن  الياسري

759

 المحكمة الإتحادية العليا

التفسير الدستوري لإطلاق صفة (الخبراء) على ممثلي الفقة الإسلامي – حسن  الياسري

يدَّعي البعض أنَّ استعمال الدستور مصطلح (خبراء الفقه الاسلامي) يدلُّ على أنهم ليسوا أعضاءً أصيلين في المحكمة، بل هم مجرد خبراء فنيِّين أو مستشارين !! وبكل صراحةٍ إنَّ هذه الحجَّة أهونُ من بيت العنكبوت، ويُفترض أنْ لا تصدر عن متخصِّصين. فالدستور والقانون يرفضانها البتة. ودونكم أدلة ما نقول:

1ـ ما حصل في اتفاق الكتل المتفاوضة في لجنة كتابة الدستور ابان كتابة النصوص الدستورية المتعلقة بالمحكمة الاتحادية العليا -عام 2005-ولا سيما فيما حصل من حسمٍ نهائي للدستور بين زعماء الكتل فيما سُمّي في وقته بـ (المطبخ السياسي).

2ـ صياغة النص الواضحة الدلالة :

لقد كُتب النصُّ بلسانٍ عربيٍ مبين، لا بلغةٍ أخرى حتى يحصل هذا اللبس.فالنص في المادة (92) ثانياً يقول :

2- ((تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة ،وخبراء الفقه الاسلامي ، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم ،وتنظم طريقة اختيارهم ،وعمل المحكمة ،بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب )).

إذاً فالمحكمة تتكون من هذه التوليفة الثلاثية،وكلهم أعضاء أصيلون على قدم المساواة. ولقد سار الدستور على هذا النهج في استعمال مفردة (تتكون) ودلالتها في المواد الأخرى.فها هي المادة (48) منه تنص على الآتي: “تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد”.

والمادة (47) تنص على الآتي : “تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية..”. فهل ثمة شكٌ يمكن أن يُثار بصدد مفردة (تتكون) الواردة هنا ؟

والمادة (66) تنص على الآتي: “تتكون السلطة التنفيذية الاتحادية من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء..”.

نصوص اخرى

والمادة (89) تنص على الآتي: “تتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الأخرى”.

ولم يكتفِ الدستور بهذه النصوص، بل استرسل في نصوصٍ أخرى لاحقةٍ للمادة (92) مثل المادة (116) التي تنص على الآتي: “يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمةٍ وأقاليم ومحافظاتٍ لا مركزية وإداراتٍ محلية”.

والمادة (122) أولاً، التي تنص على أنه :”تتكون المحافظات من عددٍ من الأقضية والنواحي والقرى”.

فكل هذه المواد جاءت مسبوقةً بمفردة (تتكون)، وكلها مواد سابقةٌ على المادة (92) المتعلقة بالمحكمة الاتحادية العليا وبعضها لاحقةٌ لها ، وكلها فُهمت ولم تُثر أي لبسٍ، لكنها حينما وصلت إلى المادة (92) فُسرِّت بمعنىً آخر ، وهو أنها تعني أنَّ الفئات المذكورة في النص ثلاثٌ ،فالقضاة وهم أعضاء أصيلون ،وخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون وهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين وليسوا أعضاء أصيلين..؟!! بلا أدنى دليلٍ علميٍ يمكن الركون إليه بصدد هذه التفرقة، وكأنّ الدليل -بكل صراحةٍ- هو من كيس المتحدث لا أكثر !! وليت شعري أمِثلُ هذا يمكن أن يعدَّ استدلالاً علمياً تكون له حجيَّةٌ ولو واحد بالألف ؟!!

3ـ لو كان المقصود بـ (خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون) مجرد مستشارين أو خبراء فنيِّين وليسوا أعضاء أصيلين، فثمة أسئلةٌ مهمةٌ تنفي هذا الإدعاء :

أ ـ لو كان المراد منهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين فعلامَ كل هذا العناء في النقاش والمفاوضات والخلافات الحادة والتنازلات أثناء كتابة الدستور،حتى انعكست تلك الخلافات على ضرورة أن يُسنَّ القانون المنظم لعمل المحكمة الاتحادية بأغلبية الثلثين ، خلافاً للنصوص الأخرى التي لم تتطلب مثل هذه الأغلبية المعقدة ، وهو الأمر الذي أفضى إلى وأد جهود البرلمان في دوراته الثلاث المتعاقبة وفي هذه الدورة -الرابعة- أيضاً في سنِّ هذا القانون ،الذي بات عقدةً مستحكمةً بسبب هذه الأغلبية ؟!!

ب ـ لو كان المراد منهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين -بحسب هذا الزعم- فلماذا أُقحموا في النص الذي يتحدث عن الأعضاء الأصلاء أساساً،دون أن يُذكر بأنهم مجرد مستشارين ؟!!

ج- والآن أتوجه بالسؤال إلى كلِّ مَن له أدنى إلمامٍ قانونيٍ :

هل المستشارون أو الخبراء الفنيون يحتاجون بالأساس إلى نصٍ صريحٍ في الدستور؟!! مع أنَّ الاستعانة بهؤلاء أمرٌ يمكن لأية محـــــكمةٍ -سواءٌ أكانت من محاكم القضاء العادي أم غيرها- أن تلجأ إليه بذاتها دون حاجةٍ إلى نصٍ يلزمها بذلك ؟!!

د ـ ثم لو كان المراد هو هذا الزعم، فما الذي منع كتبة النص، الذين كتبوه بلسانٍ عربيٍ وبحضور بعض المتخصِّصين في اللغة العربية، من أن يقولوا الآتي :

1ـ تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة.

2ـ يمكن للمحكمة أن تستعين ببعض المستشارين أو الخبراء الفنيين في بعض المسائل المتعلقة بثوابت الإسلام ومبادئ الديمقراطية،وغيرها من المسائل ذات الطابع الفني التخصصي” ؟!! مع أنَّ هذا النص سيكون معيباً من الناحية الشكلية ، لأنَّ الاستعانة بالخبراء ،كما ذكرنا،لا تحتاج إلى نصٍ في القانون ، وفي الدستور من بابٍ أولى!!

4ـ وفضلاً عن كل ما تقدم، فالقول بأنهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين قولٌ ساقطٌ أيضاً،لسببٍ آخر ،وهو إنَّ هذا القول يحرم المحكمة من الاستعانة بالخبراء الفنيِّين إلا في المجالين المذكورين، في حين إنَّ الاستعانة بهؤلاء الخبراء أمرٌ متاحٌ للمحاكم جميعها، وفي القضايا التي تُقدِّرها المحكمة مهما كانت !!؟

5ـ التجارب الدولية :

تؤكد التجارب الدولية أنَّ المحاكم الدستورية تتألف من فئاتٍ متعددةٍ في الغالب ، وأنَّ عدد القضاة فيها عادةً ما يمثِّل الأقلية لا الأكثرية ، خلافاً لما يتمُّ تسويقه في العراق من قبل بعض الشخصيات والجهات غير المطلعة على المضامين الدستورية المحلية والدولية ،ومن الذين يتحدثون بلا بينةٍ.

إنَّ أصل النظرية الراجحة في هذا الصدد -بحسب تجارب المحاكم الدستورية الدولية التي سنعرض لها لاحقاً- هو ضمُّ فئاتٍ أخرى إلى المحكمة من غير القضاة تكون لها الغلبة والأرجحية في كثيرٍ من التجارب.وستلاحظون أنَّ الغلبة في هذه المحاكم عادةً ما تكون لرجال القانون لا للقضاة. بل ثمة محاكم دستوريةٌ دوليةٌ ليس فيها قاضٍ واحد -كما سيتضح -.

إنَّ الفئات التي تتألف منها المحكمة قد تتمثَّل بأساتذة القانون في الجامعات أو المحامين أو رؤساء الجمهورية السابقين أو بعض المسؤولين الإداريين أو بعض الشخصيات العامة، ونحو ذلك.وهو ما سنعرض له لاحقاً إن شاء الله عند الحديث عن التجارب الدستورية الدولية في تكوين واختيار أعضاء المحاكم الدستورية في دول العالم.

6ـ ويبقى السؤال قائماً لدى المتابع المنصف :

لماذا إذاً استعمل الدستور مصطلح (خبراء الفقه الإسلامي) مع أنه يقصد أنهم أعضاء أصيلون في المحكمة وليسوا مجرد مستشارين. ألم يكن بالإمكان استعمال مصطلحاتٍ أخرى، مثل : ” فقهاء الشريعة ، علماء الدين، رجال الدين”، ونحو ذلك ؟؟ للإجابة عن هذا السؤال نورد الإجابة الآتية :

أـ بدايةً من حق الدستور ممثلاً بالسلطة التأسيسية، أن يستعمل المصطلح الذي يراهُ موافقاً للمصلحة -كما ذكرنا ذلك فيما سلف-. وهكذا تميل بعض الدساتير لاستعمال بعض المصطلحات الدستورية غير المتداولة أو غير المعروفة. فمثلاً إنَّ السلطة التنفيذية مصطلحٌ معروف في الدساتير، لكن الدستور اللبناني لم يستعمل هذا المصطلح، بل استعمل مصطلح (السلطة الإجرائية).وهكذا السلطة التشريعية، فهو مصطلحٌ معروف لا يحتاج تفسيراً، لكن بعض الدساتير العربية تُطلق عليها مصطلح (السلطة الاشتراعية).كما أنَّ الدساتير تختلف في تسمية مجلس النواب (مجلس العموم ، المجلس الشعبي، الجمعية الوطنية ، المجلس الوطني..)، وفي تسمية المجلس الثاني (مجلس اللوردات، مجلس الشيوخ ، مجلس الأعيان ، مجلس الاتحاد ، مجلس الولايات ..).وأكثر من ذلك كله إنَّ رئيس الوزراء هو المصطلح المتعارف عليه بين الدساتير والدول، لكن الدستور الألماني يستعمل مصطلحاً آخر هو (المستشار) -المادة 62 من الدستور الألماني لعام 1949- فما علاقة المستشار برئيس الوزراء ؟! وهكذا الوزير في أميركا هو (سكرتير)!! إنها بكل بساطةٍ لغة المصطلحات التي تختلف بين الدساتير.وبناءً على هذا يكون من حق الدستور أن يُطلق مصطلح (خبير الفقه الاسلامي) بدلاً من المصطلحات الأخرى؛ لمصلحةٍ يراها هو ، فـ (لا مشاحة في الاصطلاح).

ب ـ  ثم إنَّ السبب الأهم في استعمال هذا المصطلح يكمن في حساسية (الشيعة) ؛ ذلك أنَّ استعمال مصطلح (فقيه الشريعة الاسلامية) يعني -من وجهة نظرهم- أنَّ عضو المحكمة يجب أن يكون مرجعاً أو مجهتداً له القدرة على الفتيا واستنباط الحكم الشرعي، فهذا هو الفقيه بحسب المنظور الشيعي. وبهذا الوصف (مرجع أو مجتهد) لن يكون بالمقدور تحقيقه ؛ ذلك لأنَّ فقهاء الشيعة يرفضون الدخول في المؤسسات التنفيذية وغيرها، وينحصر عملهم في الحوزة العلمية الشريفة ومراكز العلم ـ أؤكد أنَّ الحديث هو عن المرجع والمجتهد فحسب وليس عن أي معمَّم بحساب الناس ـ .وليس الأمر هكذا في الفقه (السنِّي)، إذ ليس لديه هذه الحساسية في الدخول في مؤسسات الدولة المختلفة كما هو معروف للجميع.

تعطيل النص

وعليه فإنَّ عدم دخول الشيعة في المحكمة يعني تعطيل النص، لذا بحثوا عن مصطلحٍ آخر غير مصطلح (الفقيه) ، فكان ثمة مصطلحان آخران (علماء الدين) و(رجال الدين)، وكلاهما قد يعطيان انطباعاً مغايراً لما يريده المؤسِّسون، فضلاً عن حساسيتهما ؛ فكان مصطلح (الخبير في الفقه الاسلامي) هو المصطلح الأوفق بالاستعمال، وبخاصةٍ إنَّ الدستور قد حدد معالم المصطلح ، إذ جَمعهُ مع الفقهاء والقضاة، فهو شخصٌ متبحرٌ في الفقه الاسلامي وإنْ لم يكن فقيهاً.

وأكاد أجزم أنْ لو استعمل الدستورُ مصطلحاً آخر ،مثل فقيه الشريعة الاسلامية ، لما زال الخلاف ؛ لأنه ليس اختلافاً موضوعياً ينطلق من أسسٍ موضوعيةٍ ؛ وآية ذلك أنَّ الدستور أطلق وصفاً في غاية الاعتبار والقيمة على عضو المحكمة القانوني ، وهو (فقيهٌ قانوني).وإنا لنعلم أنَّ فقهاء القانون مصطلحٌ يعرفه حتى الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ، وإنَّ هؤلاء الفقهاء لا يكادون يمثلون وسط عشرات آلاف القانونيِّين سوى القلة القليلة،التي لا أبالغ إذا قلت إنها ربما لا تتعدى أصابع اليدين.ومع هذه القيمة السامية لـ (فقهاء القانون ) التي تمثل أقصى ما يمكن أن يصل إليه القانوني في مسيرته (أستاذاً كان أو قاضياً أو محامياً أو حقوقياً)، ومع إطلاق الدستور عليهم وصف (فقهاء) وليس (خبراء )، ومع ذلك لم يبق أحدٌ من الذين خاضوا في الموضوع في وسائل الإعلام -من قضاةٍ ومحامين ومحللين..- إلا وقالوا إنهم مجرد خبراء فنيِّين ومستشارين ، وينبغي أن تقتصر المحكمة على القضاة فحسب، وكأنهم لا يميزون بين الخبير الفني وفقيه القانون، وكأننا لسنا في محكمةٍ دستوريةٍ بل في محكمة أحوال شخصية ونريد تحديد مقدار مهر المثل!!. فإذا كانت صفة (فقيه القانون) لم تَشفع ولم تُزِل الخلاف ، فكيف بـ (خبير الفقه الإسلامي)!! وكل هذا يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ القضية -كما كررتُ مراراً – ليست مرتبطةً بالنصِّ وتفسيره ، بل بالأهواء والرغبات الشخصية.وليت شعري أي وضعٍ بائسٍ هذا الذي يعيشه البلد مع هذه الجعجعة !!!

وتأسيساً على ما تقدم من حقِّ كلِّ فردٍ أن يدلي برأيه الشخصي، شريطة أن يقول بإنه رأيه الشخصي، لا أن يدَّعي على الدستور ويُحمِّل  أراءه ويسقطها عليه، لأغراضٍ غير موضوعية. لذا إنْ كان البعض يرفض دخول خبراء الفقه الاسلامي وفقــــــــــهاء القانون في المحكمة، فعليهم أن يطالبوا بتعديل الدستور حتى يكون منسجماً مع هــــــــذا التوجُّه، وبخلافه يجب أن يُحـــــــترم الدستور وأصوات الملايين التي صوتـــــــــت عليه، حتى وإن كنا غير راضين عن بعض نصوصه، فاحترامه والالتزام به واجبٌ على الجميع إلى أنْ يتمَّ تـــــــــعديله.

.

مشاركة