التغيرات المناخية المفاجئة في الماضي إنذار مبكر للكوكب ولا يمكن العودة للوضع السابق

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬أظهرت‭ ‬دراسة‭ ‬حديثة‭ ‬أن‭ ‬الاضطرابات‭ ‬المفاجئة‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬الأرض‭ ‬قبل‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬والتي‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬سطح‭ ‬البحر‭ ‬وذوبان‭ ‬كثيف‭ ‬للجليد،‭ ‬قد‭ ‬تشكل‭ ‬إنذارا‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬تشهده‭ ‬مناطق‭ ‬تعاني‭ ‬وضعا‭ ‬مناخيا‭ ‬حرجا‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬اليوم‭.‬

وهذه‭ ‬النقاط‭ ‬المناخية‭ ‬الحاسمة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسبقها‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬القرون‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬هي‭ ‬بمثابة‭ ‬نقاط‭ ‬تحول‭ ‬فاصلة‭ ‬قد‭ ‬تطرأ‭ ‬إثرها‭ ‬تغيرات‭ ‬سريعة‭ ‬وكبيرة‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭.‬

وهي‭ ‬تشمل‭ ‬كوارث‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬مثل‭ ‬ذوبان‭ ‬الصفائح‭ ‬الجليدية‭ ‬في‭ ‬غرينلاند‭ ‬وفي‭ ‬غرب‭ ‬أنتاركتيكا‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬بدوره‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬البحر‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬أمتار‭.‬

لكن‭ ‬من‭ ‬المعلوم‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬جدا‭ ‬استباق‭ ‬هكذا‭ ‬اضطرابات،‭ ‬نظرا‭ ‬للتغيرات‭ ‬البسيطة‭ ‬نسبيا‭ ‬أو‭ ‬التراكمية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬العوامل‭ ‬مثل‭ ‬تركز‭ ‬الكربون‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تثيرها‭.‬

وقد‭ ‬ركّز‭ ‬فريق‭ ‬دولي‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬على‭ ‬اختلالين‭ ‬أساسيين‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬ناجمين‭ ‬عن‭ ‬تغيرات‭ ‬في‭ ‬الطوف‭ ‬الجليدي‭ ‬والمحيطات‭ ‬والمتساقطات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استعراض‭ ‬أحداث‭ ‬مناخية‭ ‬سابقة‭. ‬وقد‭ ‬نشرت‭ ‬خلاصاتهم‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬نيتشر‭ ‬جيوساينس‭”.‬

وهم‭ ‬درسوا‭ ‬الظروف‭ ‬المسببة‭ ‬لموجة‭ ‬الاحترار‭ ‬المعروفة‭ ‬ببولينغ‭-‬أليرود‭ ‬قبل‭ ‬حوالى‭ ‬15‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬حرارة‭ ‬الهواء‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬في‭ ‬غرينلاند‭.‬

وركّز‭ ‬الفريق‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالفترة‭ ‬الإفريقية‭ ‬الرطبة‭ ‬قبل‭ ‬حوالى‭ ‬6‭ ‬آلاف‭ ‬إلى‭ ‬5‭ ‬آلاف‭ ‬سنة‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تغيرات‭ ‬إقليمية‭ ‬في‭ ‬النظم‭ ‬البيئية‭ ‬وفي‭ ‬مجتمعات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭.‬

وهم‭ ‬خلصوا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نظما‭ ‬مناخية‭ ‬سابقة‭ ‬متعددة،‭ ‬مثل‭ ‬ديناميات‭ ‬المحيط‭ ‬وأنماط‭ ‬التساقطات،‭ ‬كانت‭ ‬تتباطأ‭ ‬مع‭ ‬اقترابها‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬تخفق‭ ‬بعدها‭ ‬في‭ ‬التعافي‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬الاضطرابات‭.‬

وقال‭ ‬تيم‭ ‬لنتون‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬ومدير‭ ‬معهد‭ ‬النظم‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬إكستر‭ ‬إن‭ “‬الماضي‭ ‬القريب‭ ‬للأرض‭ ‬يظهر‭ ‬لنا‭ ‬كيف‭ ‬تسببت‭ ‬تغييرات‭ ‬مباغتة‭ ‬في‭ ‬نظامنا‭ ‬بتداعيات‭ ‬متعاقبة‭ ‬على‭ ‬النظم‭ ‬البيئية‭ ‬والتجمعات‭ ‬البشرية،‭ ‬في‭ ‬جهودها‭ ‬للصمود‭”.‬

وأكد‭ “‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬خطر‭ ‬مواجهة‭ ‬نقاط‭ ‬تحول‭ ‬متعاقبة‭ ‬مجددا،‭ ‬لكنه‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬يدنا‭ ‬وستكون‭ ‬التداعيات‭ ‬عالمية‭”‬،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬أنظمة‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭.‬

انقسام‭ ‬علمي‭ ‬

وقد‭ ‬نجد‭ ‬قبل‭ ‬800‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬أقله‭ ‬مستويات‭ ‬مشابهة‭ ‬لثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬في‭ ‬الجوّ‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬412‭ ‬جزءا‭ ‬بالمليون،‭ ‬لكن‭ ‬معدل‭ ‬تركز‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬لا‭ ‬سابق‭ ‬له‭.‬

وينقسم‭ ‬العلماء‭ ‬حول‭ ‬تاريخ‭ ‬أو‭ ‬إمكان‭ ‬تحريك‭ ‬التبدلات‭ ‬عند‭ ‬نقاط‭ ‬التحول،‭ ‬لكنّ‭ ‬كثيرين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬تأثيرات‭ ‬مثل‭ ‬ذوبان‭ ‬الصفيحة‭ ‬الجليدية‭ ‬باتت‭ ‬ثابتة‭ ‬بسبب‭ ‬تلوث‭ ‬الكربون‭.‬

وقال‭ ‬مؤلفو‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬نُشرت‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬أخيرا‭ ‬إنها‭ ‬تحوي‭ ‬أدلة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تأثيرات‭ ‬التغييرات‭ ‬المفاجئة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬الأرض‭ ‬تضافرت‭ ‬لتسبب‭ ‬اضطرابات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الكوكب‭ ‬برمته‭.‬

وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬إن‭ ‬التغييرات‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬الجليد‭ ‬والتيارات‭ ‬المحيطية‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬فترة‭ ‬احترار‭ ‬بولينغ‭-‬أليرود‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬العصر‭ ‬الجليدي‭ ‬الأخير‭ ‬تسببت‭ ‬بتأثيرات‭ ‬متتالية،‭ ‬مثل‭ ‬انخفاض‭ ‬مستويات‭ ‬الأكسجين‭ ‬في‭ ‬المحيطات‭ ‬وتعديلات‭ ‬في‭ ‬الغطاء‭ ‬النباتي‭ ‬ومستويات‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬والميثان‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭.‬

وقال‭ ‬المؤلف‭ ‬الرئيسي‭ ‬فيكتور‭ ‬بروفكين‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬ماكس‭ ‬بلانك‭ ‬للأرصاد‭ ‬الجوية‭ “‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬غير‭ ‬منطقي،‭ ‬لكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالمستقبل‭ ‬قد‭ ‬يتطلب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭”.‬

وأضاف‭ “‬فرصة‭ ‬اكتشاف‭ ‬التغيرات‭ ‬المفاجئة‭ ‬ونقاط‭ ‬التحول،‭ ‬حيث‭ ‬تؤدي‭ ‬التغييرات‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬تأثيرات‭ ‬كبيرة،‭ ‬تزداد‭ ‬مع‭ ‬طول‭ ‬مدة‭ ‬عمليات‭ ‬الرصد‭”.‬

وأردف‭ ‬قائلا‭ “‬لهذا‭ ‬يرتدي‭ ‬تحليل‭ ‬التغييرات‭ ‬المفاجئة‭ ‬وتسلسلها‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬المحفوظات‭ ‬الجيولوجية‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭”.‬

مشاركة