
د. فاتح عبدالسلام
لم يقل السياسي المُعمّم سوى الحقيقة بعينها لم يزد عليها شيئاً ولم يجمّلها. بل لعلّه ساعدني والعشرات من الكتاب امثالي كثيراً وأخرجنا من حيرتنا في اختيار الوصف الذي يليق برؤساء الحكومات العراقية السابقين. طالما فكرنا بالمفردة المناسبة الجامعة المانعة التي تصفهم وتعطيهم حقهم فلم نجد. صحيح هناك مفردات بالمئات أطلقها الشعب عليهم لكننا وجدناها من الهابط والبذيء في لغة الشارع ولا تناسبنا في الكتابة ، كما انّ لغة سيبويه على عظمتها وتفوقها على جميع لغات العالم في السَعة والدلالة والمعاني والبيان لم تسعفنا ووجدنا ان المفردات العالية في الفصحاحة والسمو لا تناسب مقام القول في الذين سيقال فيهم.
لكن الفرج جاء من بعد طولِ جدبٍ في اللفظ وعسرٍ في المعنى وشحٍّ في البلاغة ، فأصبحت في أيدينا مفردة التغليس، من غلّس يغلس فهو مغلّس وهم مغلّسون، مفردة تقبل كل شيء ، ترضى بالتأنيث والنصب والجر والجزم ، وجميع انواع الجموع والتثنية، وليس لها حرج مع فعل ناقص أو مفعول به أو مفعول لأجله أو نائب فاعل ، مفردة كيفما دحرجْتَها طاوعتك وأعطتك المعنى المناسب الذي يفهمه العراقيون ويعرفون مقاسات استخدامه.
الآن بات واضحاً للعراقيين ما هي شروط تنصيب المسؤول الأوّل أو الثاني أو الثالث ، لاشيء سوى التغليس، صفة الكمال السياسي في العراق، الصفة المنجية من المساءلة والاستدعاء أمام البرلمان، والصفة الواقية من الحملات الاعلامية والتسقيط السياسي، والصفة الحامية من العبوات والكواتم والكاتيوشا.
أين كنّا، ولماذا ضاعت علينا هذه السنوات عبثاً نضرب أخماساً في أسداس بحثاً من دون جدوى عن توصيف رؤساء الحكومات والوزراء السابقين ومَن والاهم، حين بدّدوا الموازنات وحنثوا باليمين وخذلوا الشعب وأساءوا لقيم الجيش العراقي .إذن هي الصدمة اليوم ، عندما اختلّت الموازين، وعلت أصوات الشك والريبة والخوف في انّ مفردة التغليس باتت مهددة في وجودها، وآيلة للغروب ، وبعد كل غروب، ليل لن يطول حتى تشرق الشمس بعده.
رئيس التحرير- الطبعة الدولية
fatihabdulsalam@hotmail.com

















