التعليم والاستثمار الآمن

410

أ‭.‬د‭. ‬إسماعيل‭ ‬محمود‭ ‬محمد‭ ‬العيسى

سأل‭ ‬الابن‭ ‬أباه،‭ ‬إن‭ ‬وقع‭ ‬رجل‭ ‬كاذب‭ ‬وآخر‭ ‬صادق‭ ‬ببحر‭ ‬كبير،‭ ‬فمن‭ ‬مِنهما‭ ‬لديه‭ ‬فرص‭ ‬أفضل‭ ‬للنجاة؟‭ ‬كان‭ ‬جواب‭ ‬الأب‭ ‬واقعيا‭: ‬يا‭ ‬بني،‭ ‬طبعا‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يجيد‭ ‬السباحة‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل؛‭ ‬فمن‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬مهارة‭ ‬السباحة‭ ‬لن‭ ‬ينجو‭. ‬جميعنا‭ ‬نسعى‭ ‬للربح،‭ ‬وكلنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬أسرع‭ ‬الطرق‭ ‬لتحقيقه،‭ ‬والبعض‭ ‬يستثمر‭ ‬بلا‭ ‬تردد‭ ‬والبعض‭ ‬الآخر‭ ‬يمضي‭ ‬حياته‭ ‬بانتظار‭ ‬الفرصة‭ ‬المناسبة،‭ ‬أحدهم‭ ‬ينصح‭ ‬قائلا‭ ‬عليك‭ ‬بالاستثمارات‭ ‬الآمنة‭ (‬الذهب‭ ‬والعقار‭) ‬فانهما‭ ‬وان‭ ‬مرضا‭ ‬لا‭ ‬يموتان،‭ ‬يتدخل‭ ‬اخر‭ ‬ليقول‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬العائد‭ ‬او‭ ‬الربح‭ ‬الممكن‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاستثمار‭ ‬خاصة‭ ‬ان‭ ‬لم‭ ‬ترتفع‭ ‬قيمتهما‭ ‬السوقية؟‭ ‬والأخر‭ ‬يقول‭ ‬عليك‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬فانت‭ ‬وان‭ ‬لم‭ ‬تستفد‭ ‬من‭ ‬ارتفاعات‭ ‬اسعار‭ ‬الاسهم‭ ‬فإنك‭ ‬ستحصل‭ ‬على‭ ‬عوائد‭ ‬وتوزيعات‭ ‬سنوية‭ ‬مجزية،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬استثمارك‭ ‬بالأسهم‭ ‬الكبيرة‭ ‬وذات‭ ‬العوائد‭ ‬الجيدة‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬استثمارات‭ ‬آمنة‭. ‬

ومنهم‭ ‬من‭ ‬حث‭ ‬ويحث‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬واعتبارهما‭ ‬ركنا‭ ‬الاستثمار‭ ‬الآمن‭…‬

تدور‭ ‬الافكار‭ ‬وتزداد‭ ‬الحيرة،‭ ‬فالاستثمار‭ ‬الآمن‭ ‬حلم‭ ‬يراود‭ ‬الجميع،‭ ‬ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الاهم،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الاستثمار‭ ‬الآمن؟‭ ‬وهل‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأمن‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يتغير‭ ‬ولا‭ ‬يتبدل‭ ‬؟‭ ‬

كل‭ ‬المعطيات‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬سيتغير‭ ‬شكله‭ ‬ومضمونه‭ ‬؛‭ ‬والذي‭ ‬يراجع‭ ‬استراتيجية‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬يجد‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬تغييراً‭ ‬في‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬؛‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬في‭ ‬الافادة‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬ذات‭ ‬المهارات‭ ‬المكتسبة؛‭ ‬فلا‭ ‬اُحادية‭ ‬للتعليم‭ ‬في‭ ‬التوظيف‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬؛‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬شريك‭ ‬رئيس‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬طاغٍ‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬الا‭ ‬وهو‭  ‬المهارة‭ ‬؛‭ ‬فاختيارهم‭ ‬لتكون‭ ‬البديل‭ ‬للتعيين‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬الحكومية‭ ‬على‭ ‬التحصيل‭ ‬الدراسي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الامريكية‭  ‬لهو‭ ‬خير‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬؛‭ ‬لابد‭ ‬للجامعات‭ ‬الحكومية‭ ‬والاهلية‭ ‬مراجعة‭ ‬سريعة‭ ‬لاستراتيجيتها؛‭ ‬واهدافها؛‭ ‬ورؤيتها؛‭ ‬وتغيير‭ ‬النمطية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬اوساطها‭ ‬الاكاديمية،‭ ‬فالهدف‭ ‬ليس‭ ‬التعليم‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬المنظمة‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬المعلم؛‭ ‬ليكتسب‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المتعلم‭ ‬الأسس‭ ‬الأوليّة‭ ‬للمعرفة،‭ ‬وليس‭ ‬التدريس‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬عملية‭ ‬تفاعلية‭ ‬معقدة؛‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬أعم‭ ‬وأشمل‭ ‬من‭ ‬التعليم،‭ ‬ولكن‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬الجامعات‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭  ‬هو‭ ‬التعلم‭ ‬أي‭ ‬‮«‬‭ ‬النتيجة‭ ‬‮«‬‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التدريس‭ ‬المعقدة‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬الوسيلة‭ ‬أو‭ ‬الوسيط،‭ ‬ويمكن‭ ‬وصف‭ ‬التعلم‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬استجابة‭ ‬المتعلم‭ ‬المقصودة‮»‬؛‭ ‬فإن‭ ‬استجاب‭ ‬المتعلم‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب‭ ‬تكون‭ ‬بذلك‭ ‬عملية‭ ‬التدريس‭ ‬ناجعة‭ ‬وحققت‭ ‬هدفها‭ ‬بتحقيق‭ ‬التعلم؛‭ ‬لأن‭ ‬التعليم‭ ‬‮«‬النتيجة‮»‬‭ ‬هي‭ ‬ضمان‭ ‬حقيقي‭ ‬وواقعي‭ ‬للاستثمار‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬التعليم‭. ‬ولابد‭ ‬لإدارة‭ ‬الجامعات‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬التعلم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينفك‭ ‬عن‭ ‬مهاراته‭ ‬فهو‭ ‬جامع‭ ‬مانع‭ ‬للمعرفة‭ ‬والمهارة‭ ‬التي‭ ‬يكتسبها‭ ‬الفرد‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الطالب‭ ‬الجامعيّ،‭ ‬وإنما‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬يحاول‭ ‬معرفة‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬الذي‭ ‬بحوزته‭ ‬فيطلق‭ ‬عليه‭ ‬الفرد‭ ‬المتعلّم‭ ‬أو‭ ‬‮«‬المهاري‮»‬‭ ‬،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬اكتساب‭ ‬المعرفة‭ ‬بشتى‭ ‬أنواعها،‭ ‬سواءً‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬بعلوم‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الأدب‭ ‬أو‭ ‬الطب‭ ‬أو‭ ‬الهندسة‭ ‬مثلًا،‭ ‬ومهارات‭ ‬التعلم‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭:‬

‭- ‬الخارطة‭ ‬الذهنيّة؛‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬المهمة‭ ‬للتعلم‭. – ‬الخرائط‭ ‬المفاهيميّة؛‭ ‬والتي‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬تطبيقات‭ ‬تحوي‭ ‬المفاهيم‭ ‬العديدة‭ ‬لأي‭ ‬علم‭.‬

‭- ‬وخارطة‭ ‬التدفق؛‭ ‬والتي‭ ‬تنظم‭ ‬التعلم‭ ‬أو‭ ‬اكتساب‭ ‬المعرفة‭.‬

‭- ‬الجداول؛‭ ‬والتي‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬عمليّة‭ ‬التعلم،‭ ‬وهذه‭ ‬تكون‭ ‬بأسلوب‭ ‬المقارنات‭.‬

‭- ‬الرسوم‭ ‬البيانيّة؛‭ ‬وهذه‭ ‬تستخدم‭ ‬للأرقام‭ ‬والإحصائيات‭ ‬التي‭ ‬تسهل‭ ‬على‭ ‬الطالب‭ ‬هذه‭ ‬العمليّة‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الرقمية‭ ‬والرياضيات‭.‬

ولان‭ ‬الظروف‭ ‬الطارئة‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬العالم‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬والجامعات‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬؛‭ ‬والتي‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬وزارات‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬العالي‭ ‬الاستعانة‭ ‬بوسائل‭ ‬التواصل‭ ‬المجتمعي‭ ‬لاستكمال‭ ‬متطلبات‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬الحالي‭ ‬،‭ ‬لكن‭  ‬لابد‭ ‬للوزارة‭ ‬وتشكيلاتها‭ ‬أن‭ ‬تعلم‭ ‬بأن‭ ‬التعليم‭ ‬الالكتروني‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬تحصيل‭ ‬حاصل‭ ‬؛‭ ‬وانما‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيس‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬الى‭ ‬جامعات‭ ‬تنتج‭ ‬المعرفة‭ ‬والمهارة؛‭ ‬ولكن‭ ‬كيف‭ ‬ذلك‭ ‬؟‭ ‬أوجزها‭ ‬بنقاط‭ ‬مهمة‭:‬

مراجعة‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي؛‭ ‬لتكون‭ ‬أكثر‭ ‬منطقية‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬دراسات‭ ‬حقيقية‭ ‬وواقعية‭ ‬معتمدة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الحقيقية‭ ‬لتشكيلاتها؛‭ ‬آخذة‭ ‬بنظر‭ ‬الاعتبار‭ ‬التخلص‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬موازنة‭ ‬الدولة‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬سقف‭ ‬زمني‭ ‬محدد‭. ‬وضع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الوطنية‭ ‬للجامعات‭ ‬المنتجة؛‭ ‬وعقد‭ ‬شراكات‭ ‬علمية‭ ‬وعملية‭ ‬مع‭ ‬وزارات‭ ‬الدولة‭.‬

تفعيل‭ ‬حاضنات‭ ‬التعليم؛‭ ‬وبالشراكة‭ ‬مع‭ ‬وزارة‭ ‬التجارة‭ ‬والتخطيط‭ ‬والغرف‭ ‬التجارية‭.‬

تشكيل‭ ‬المجلس‭ ‬الاعلى‭ ‬للتعليم‭.‬

تشكيل‭ ‬مجلس‭ ‬الاعتماد‭ ‬الاكاديمي‭.‬

تفعيل‭ ‬مراكز‭ ‬التعليم‭ ‬المستمر‭ ‬واقسام‭ ‬التدريب‭ ‬والتطوير‭ ‬في‭ ‬الجامعات؛‭ ‬لتأخذ‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬مهارات‭ ‬وقدرات‭ ‬الطلبة‭ ‬وأساتيذ‭ ‬الجامعات‭.‬

مراجعة‭ ‬وتحديث‭ ‬البرامج‭ ‬الاكاديمية‭ ‬والتخصصات‭ ‬العلمية‭ ‬ومخرجاتها‭. ‬استحداث‭ ‬منظومة‭ ‬الاعتماد‭ ‬وضمان‭ ‬الجودة؛‭ ‬وجعلها‭ ‬منظومة‭ ‬متحركة‭ ‬وفاعلة‭ ‬بين‭ ‬الاوساط‭ ‬الاكاديمية‭. ‬اختيار‭ ‬القيادات‭ ‬الجامعية‭ ‬على‭ ‬اساس‭ ‬المهارة‭. ‬مراجعة‭ ‬ملف‭ ‬التعليم‭ ‬الاهلي؛‭ ‬والجامعات‭ ‬المستحدثة‭. ‬تقييم‭ ‬وتقويم‭ ‬الجامعات‭ ‬واداراتها‭ ‬على‭ ‬اساس‭ ‬الشفافية‭ ‬والواقع‭ ‬العلمي‭ ‬والإنتاجي؛‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬الفروقات‭ ‬في‭ ‬معاييرها‭ ‬الكمية‭ ‬والنوعية‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬قصده‭ ‬ونيته‭ ‬استثمار‭ ‬الطاقات‭ ‬الاكاديمية‭ ‬ذات‭ ‬المهارات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬؛‭ ‬وتغيير‭ ‬واقع‭ ‬التعليم‭ ‬ليتمكن‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬كاستثمار‭ ‬آمن‭ ‬وعامل‭ ‬فعال‭ ‬للموارد‭ ‬البشرية‭.‬

مشاركة