التعبيرية الواقعية للروائي عبد القادر بن الحاج نصر    (2-1) – جاسم خلف الياس

500

التعبيرية الواقعية للروائي عبد القادر بن الحاج نصر    (2-1) – جاسم خلف الياس

دراسة في رواية من قتل شكري بلعيد؟

التعبيرية الواقعية

تعد التعبيرية أقرب الاتجاهات الكتابية إلى الماديات المحسوسة في كل من القصة والرواية، وفيها نرى الحوادث الغريبة، والشخصيات الإشكالية التي تقدم متخيلا سرديا يحاكي الواقع المعيش ويتداخل معه. ويرى التعبيريون أن الذات هي الجوهر وهي الانعكاس الحقيقي للعالم، وعليه فالواقع في التعبيرية الروائية هو امتداد لنفسية القاص، إذ تستقي معينها من الذات وترتسم انعكاساتها على النص بلغة اللاشعور الدفين المختزن في الأعماق؛ ولهذا السبب وازنوا بين الشخصي والاجتماعي، المتخيل والواقعي، مما دعا الروائي إلى التخلي  عن الواقعية التقليدية واتجاههم إلى واقعية تعبيرية أو ترميزية أشد فاعلية في التلقي.

اتكأت رواية (من قتل شكري بلعيد) على حدث خارجي بوصفه مسوغا لتداعيات تستطيل وتتشعب وتتوازى وتتعامد في تقنيات متعارف عليها جعلتها امتدادا للتيار الواقعي الذي ينطلق من الواقع الخارجي، من حادثة، أو شخصية حقيقية. وقد سعى الروائي إلى تجريب تقنيات تلفت الأنظار إلى الجانب الخفي من النفس الإنسانية وما يختلج فيها من مشاعر وأفكار، ورصدها دون إغفال الاهتمام بالواقع الخارجي الذي يعزز إبراز الجانب الخفي لتلك النفس؛  الأمر الذي دفعه إلى تأمل الذات والتوغل داخل أعماق الشخصية وتبئير رؤيتها في السرد. وعلى الرغم من واقعية الرؤية التي يورثها الروائي في معالجة الموضوعات التي تقع ضمن دائرة سلوك الأفراد تبعا لدوافعهم، إلا أنها التزمت بسرد التفاصيل الجزئية للواقع الخارجي أيضا، إذ جاءت هذه الموضوعات التي رصد القاص الحياة الداخلية لشخوصها، وما يحتوي وعيها من أفكار وفق رؤية سردية، تتناسب مع المتناقضات والمفارقات بمهيمنات نصية تجلت في دائرة تيار الوعي.

وعلى هذا الأساس، جاءت الشخوص مثقلة بحضور الماضي عبر الذاكرة؛ لذا فان نصوصها تولد تشابكا عبر أفعال سردية، انتجتها شخوص هنا وشخوص هناك (الأصدقاء، أهل الحي، الأقارب…وغيرها) وشكل انحيازها إلى اعتماد الحوار الداخلي والتداعي واللحظة النفسية تعبيرا جديدا يتجاوز السرد التقليدي الذي يعتمد على الوصف الخارجي إلى دواخل تلك الشخوص المثقلة بالإحباطات والهزائم والخيبات، وهم يستغرقون آخر وعي لهم في الأزمة الضيقة التي يحشرون بها قسرا.

احساس الشخوص

 وقد تجلى إحساس الشخوص بالضياع على الرغم من اندماجهم في عالم الآخرين بشكل واضح المعالم، فعبّرت عن مواقفها تجاه الحياة تعبيرا يدفعها إلى التحول في مواجهة الضغوطات النفسية الحادة. وبهذا استطاع عبد القادر بن الحاج نصر أن يقدم رؤية تشكل لديه نزوعا للابتكار والتجديد، وجوهرا متواصلا في القبض على المسار التجريبي الجاد الذي يندمج مع الواقع، ولا يتعالى في تهويماته. واعتمد في تجريبه الكتابي هذا على نوع سردي، استعار كثير من الروائيين فضاءه الكتابي من القص الغربي، أطلق عليه (تيار الوعي). فما هو تيار والوعي؟ وكيف ظهر؟ ولماذا؟ وما هي تقنياته؟

تيار الوعي

لاقى مصطلح تيار الوعي أو الشعور اهتماما كبيرا في بدايات القرن العشرين، وتم توظيفه في عدد من الأعمال الروائية بشكل واسع، فضلا عن اهتمام الدراسات النقدية في أصوله التي ساعدت النقاد في كشف الخفايا النصية وعلاقتها بالسارد أو الشخصية. إذ شكلت هذه الكتابات جزءا هاما من المنجز السردي بوصفه نوعا تعبيريا اعتمد (الوعي الذاتي) في استرجاع الوقائع التي حدثت في الماضي وتحولت إلى رموز ودلالات ترسبت في أعماق الذات الإنسانية.

 إن تيار الوعي يعمل على استعاضة الحوار المنطوق، بالحوار الصامت، والخفي في النفس بواسطة المونولوج، والمناجاة المتحررة من القيود الخارجية، والتداعي الحر وغيرها من التقنيات التي تم توظيفها في هذا الاتجاه، وقد وصفه وليم جيمس بـ((انسياب الوعي المستمر بذاته، لكنه يحتوي على أقسام منفصلة من التركيز أثناء انتقاله من موضوع إلى آخر، وتباين موضوعات التفكير عن بعضها في عملية الوعي، بيد أن الأفكار ذاتها دائما متناغمة مع قرائنها، وذات هوية ثنائية لا تستطيع اللغة إدراكها)) ثم دخل المصطلح عالم الأدب، وتم توظيفه في تقديم الجوانب الذهنية للشخصية في السرد.وأصبح تقنية يوظفها الروائي ((لتقديم المحتوى الذهني والعمليات الذهنية للشخصية عن طريق وصف المؤلف “الواسع المعرفة” لهذا العالم الذهني)). وعلى هذا الأساس أخذت تستهوي الروائي تمظهرات لغوية عملت على صياغة الوعي الإنساني، وإيجاد المعنى في متغيرات جمالية ذاتية مستقلة عن الواقع ومتصلة به في الآن نفسه. فعندما يذكر السارد أو الشخصية فعلا معينا، فإن العقل سرعان ما يتداعى إليه – بشكل عفوي – ما يتصل بهذا الفعل، سواء أكان في الجانب السلبي أم الايجابي. وفي تلك اللحظة فإن قرار الفرد أو سلوكه سيتحدد بناء على تلك الخلفية المتداعية. إن هذا النزوع الإنساني المعتاد في التعامل البشري قاد عملية السرد التي كانت في السابق تتوقف عند الوصف السلوكي الظاهري، والتركيز في البعد الاجتماعي دون التعمق والتوغل إلى توظيف بعض الروائيين معارف وثقافات عصرهم في كتاباتهم، فسعوا إلى تقديم المزيد والدقيق عن الحالة والواقع الإنساني في لحظات الحكي، تقديمًا عميقًا ومراوغا. وعرفت الرواية عند هؤلاء الكتاب بـ(رواية تيار الوعي).

لقد عدّ بعض النقاد مصطلح تيار الوعي مصطلحا نفسيا وان استخدامه كمصطلح أدبي غير شرعي، ومنهم الناقد أنريكي اندرسن امبرت الذي عدّه مصطلحا إشكاليا منذ اللحظة التي أثار فيها الكثير من التعليقات والانتقادات. واخذ يتساءل: هل المصطلح يعدّ مسمى لنوع فرعي من السرد التي تستخدم الحوار الداخلي كأحد تقنياتها؟ وهل هو تقنية تهدف إلى التظاهر بان الراوي لا يتدخل، وان الشخصية تعكس لنا ما يدور بعقلها ؟ وهل هو مفهوم تاريخي يساعد على إدخال الخطوات التي يستخدمها بعض الكتاب في عملهم الأدبي ومن بينهم جيمس جويس؟

وقبل الحديث عن تفاصيل تيار الوعي، لا بد أن نشير إلى أن الروائي قام باختيار مادته السردية من مفردات الواقع الذي عمل على تسجيل صور كثيرة من نمط الحياة فيها. وأنه عالج بعض الموضوعات التي تقع في دائرة القضايا النفسية التي تدور حول الفرد، وتعالج سلوك الأفراد تبعا لدوافعهم، فضلا عن معالجة أسباب عجزهم في كثير من الأحيان عن التكيف مع واقعهم المحيط بهم؛ لذلك لا يمكن القول بعدم واقعية سرد (تيار الوعي) على الرغم من تخطيها الواقع، وتجاهل ما يحتويه من جزئيات، فهي واقعية مخالفة لنهج الواقعية الكلاسيكية، التي اهتمت بسرد التفاصيل الجزئية للواقع الخارجي، من دون الاهتمام الجانب النفسي، إذ نلمس سيطرة شعور الغربة والوحشة والمعاناة من جراء لوعة الانتظار والخلاص من إشكالياتها، انتظار الغائب وتجسيد الغربة في المكان والزمان، لاسيما حين يختل التواصل النفسي والروحي مع الآخرين، فضلا عن ترسيخ عوامل الإحباط ورصدها من الداخل عبر اقتناص اللحظات الشعورية في الوصف التعبيري، وتوظيف المونولوج الذي تحتاجه الشخصية حين تطفح عواطفها وأزماتها.

أولا: المونولوج

وهو حديث فردي صامت، تتحدد مهمته في تدفق الأفكار التي تمر عبر كيان الشخصية،  وقد اهتم الروائي بهذه التقنية، على ((افتراض أننا قادرون على أن نعرف أي شيء بخصوص عقول الآخرين ودوافعهم، أكثر مما نستطيع ملاحظته من سلوكهم ومظهرهم الخارجي)) . وفي هذه التقنية يحاول الفاعل  الدلالي أن يتحاور مع ذاته، لإظهار صوته بالشكل الذي يعبر عن وجهة نظرها، وقد أطلق على مثل هذا الحوار بالحوار الذاتي الذي يسعى الروائي عبره إلى تحجيم دور (السارد العليم) ووظيفته التقليدية في السرد.

وتتضمن تقنية المونولوج نمطين بنائيين في سرد تيار الوعي هما:

أ- المونولوج المباشر:

ويوظف الروائي المونولوج المباشر من أجل تقديم وعي الشخصية للقارئ بصورة مباشرة، من دون تدخل من جانبه؛ لأن الشخصية توجه كلامها إلى الداخل، فتجعل القارئ في حالة اندماج معها.

 ((خذيني إليك يا رقيّة أو أشيري إليّ بطرف جفنك لآخذك.. كلّ المال والجاه الذي سأجنيه من تسفير الشّباب إلى مناطق القتال في بلاد الشّام، كلّ ما سأجني من عمليّات تهريب السّلاح والمخدّرات سأضعه بين يديك، أنت قدري، إمّا أن تأخذيني إليك وآخذك إليّ وإمّا أن تقتليني وأقتلك فلا حياة وأنا هنا منطو على نفسي أمام خديجة وهي تشرب دموعها والصّدر يهتزّ بالأنين والنّواح، لا دنيا لا أفق لا إحساس بالحياة، لا نبض، لا معنى لأيّ شيء من حولي)). لقد جاء السرد في هذا النمط من المونولوج بضمير المتكلم (أنا) وهو يتمظهر في الملفوظات الآتية: (خذيني، أشيري، إليّ، سأجنيه، سأجني، سأضعه، قدري، تأخذيني، إليّ، تقتليني، نفسي، حولي)). ويشكل تجليا فاعلا في بنية الحضور(عثمان) / الغياب (رقيّة)، فضلا عن تشكيله عالم العجز الكلي عند عثمان في اجتياح قلب (رقيّة): (خذيني إليك يا رقيّة أو أشيري إليّ بطرف جفنك لآخذك) وهذا ما دعاه إلى الاعتراف بعمالته وخيانته لوطنه: (كلّ المال والجاه الذي سأجنيه من تسفير الشّباب إلى مناطق القتال في بلاد الشّام، كلّ ما سأجني من عمليّات تهريب السّلاح والمخدّرات سأضعه بين يديك). ثم يكثف التعبير عما يدور في داخله، فتعلو نبرة صوته داخليا، وتشتد عليه أزمته النفسية: (أنت قدري، إمّا أن تأخذيني إليك وآخذك إليّ وإمّا أن تقتليني وأقتلك). كما تشتد حيرته أمام الواقع الذي يعاني من قسوته؛ جراء سلبيته في التعامل مع زوجته خديجة: (فلا حياة وأنا هنا منطو على نفسي أمام خديجة وهي تشرب دموعها والصّدر يهتزّ بالأنين والنّواح). بعدها يعترف بواقعه الموحش، فيزداد صراعه الداخلي بين الواقع الذي يعيشه، والأحلام التي تراوده في حيازة حب رقية، فيصل إلى درجة الاحباط العليا حين لا يكون لحياته أي معنى، فيستبصر عمق مأساته، وقسوة كارثته النفسية: (لا دنيا لا أفق لا إحساس بالحياة، لا نبض، لا معنى لأيّ شيء من حولي).   إن الجدة في توظيف هذا النزوع الإنساني المعتاد في التعامل البشري يكمن في أن عملية السرد كانت في السابق تتوقف عند الوصف السلوكي الظاهري، والتركيز على البعد الاجتماعي دون التعمق فيه. إذ كان القاص يعرض النتيجة دون ذكر العمق النفسي الذي يكمن وراءها. ولكن مع المتغيرات الحياتية أخذ القلق والخوف، والاغتراب، والإحساس بالتلاشي يسيطر على الروائي أمام جبروت التغيرات الحياتية بكل تفاصيلها الثقيلة. فبدأ يتأمل تلك النفس التي يحتويها جسده، محاولا التخلص من ارهاصاتها، والكبت الذي يلقي بثقله عليها وغيرها من الانفعالات.

وأحيانا يتداخل في هذا المنولوج كلام السارد مع كلام الشخصية فيسمى (المنولوج المسرود) أو( المونولوج المروي) أو (المنولوج المتداخل) وهو(( الصوت المتداخل الذي يمتزج فيه صوت السارد وصوت الشخصية)). وتتداخل في هذه التقنية سمات الكلام المباشر بسمات الكلام غير المباشر، فبدلا من أن يظهر في النص متكلم واحد (السارد أو الشخصية) يمتزج فيه متكلم ظاهر ومتكلم خفي، الأول هو الراوي والثاني هو الشخصية، ويظهر الصوت الخفي للشخصية ويشارك الصوت الظاهر سيطرته على النص. وفي بعض الأحيان يكون الصوت الخفي هو المتكلم الرئيسي:  ((يومها، في اللّحظة التي كادت الشّفاه أن تتذوّق الرّشفة الأخيرة وترتوي حتّى الثّمالة ارتخت أعضاء الجسد وتباطأت الأنفاس فأبعدت شفتيها عن شفتي البشير وقفزت مبتعدة، غادرتها شهوة اللّقاء، تصلّبت شرايينها، خرجت من الغرفة وأدارت المفتاح في الباب، عرّت وجهها للهواء الآتي من الفجاج البعيدة.. كيف تزوّجته! ليس هو الرّجل السّاكن في خاطرها والذي طوت من أجله أرصفة الزّمن الهارب لتستريح في أحضانه. تعلم أنّها مزاجيّة وأنّ البشير مستقيم لكنّ عاطفتها عاصفة رهيبة حين تنتفض تدمّر داخلها عالما وتقيم عالما آخر. كم من شارع طوت، كم من زقاق في المدينة القديمة، كم من ساحة، كم من منعطف ثمّ عادت تفتح باب الشّقة وتفتح باب الغرفة وتلقي بجسدها المنهك على السّرير بجانب البشير وقد أصبح طعم القبلة طعم الحنظل ورائحة الجسد رائحة مخازن العلف المركّب.)) .

في هذا المونولوج الذي يكون فيه السرد موضوعيا، تتجلى قسوة الواقع وهو يترنح من  التحول من حال إلى حال، فبدلا من حضور الفعلين المضارعين في فضاء اللحظة الشعورية التي اجتاحت نفس زهراء وهي: (تتذوّق) الرّشفة الأخيرة و(ترتوي) حتّى الثّمالة من شفتي البشير، تحضر الأفعال الماضية: (ارتخت) أعضاء الجسد، و(تباطأت) الأنفاس فـ(أبعدت) شفتيها عن شفتي البشير و(قفزت) مبتعدة. (غادرت)ها شهوة اللّقاء، (تصلّبت) شرايينها، (خرجت) من الغرفة و(أدارت) المفتاح في الباب، (عرّت) وجهها للهواء الآتي من الفجاج البعيدة ويبدو لنا أن إبدال الأفعال قد شكل تحولا في عمق الشخصية عبر الاستعارة التنافرية التي لم تعتمد على الصور فحسب، وإنما على انثيال الكلمات أيضا، إذ أن إحساسها الحاد بالفارق بينهما، والحنين للاتصال بالآخر، دفعها للانفلات من براثن العزلة المهلكة التي تعيشها. وهنا ينتهي كلام السارد ليتداخل مع كلام زهراء، والروائي كان عالما بهذا التداخل، الأمر الذي جعله يضع نقطتين (..) متتاليتين بين الكلامين، إذ يأتي كلام زهراء الأن على شكل منولوج داخلي مباشر، وهي تستفهم في أسلوب طلبي يخرج من الاستفهام الحقيقي إلى الاستفهام المجازي وهو التعجب: كيف (تزوّجت)ه! ليس هو الرّجل السّاكن في خاطرها والذي (طوت) من أجله أرصفة الزّمن الهارب لـ(تستريح) في أحضانه. (تعلم) أنّها مزاجيّة وأنّ البشير مستقيم لكنّ عاطفتها عاصفة رهيبة حين (تنتفض) (تدمّر) داخلها عالما و(تقيم) عالما آخر. كم من شارع (طوت)، كم من زقاق في المدينة القديمة، كم من ساحة، كم من منعطف. وهنا يتم إبدال الأفعال بشكل عكسي، من الماضي إلى المضارع؛ عدا الفعل (طوت) كي تفعّل في نفسها الانفلات من الأبعاد الكابوسية لحظة المفارقة القاسية، مثلما انفلت خيط السرد من السارد وتدخلت الشخصية في توصيف معطيات تلك اللحظة، وعلى الرغم من أن السرد هنا سرد موضوعي، إلا أن دلالته الايحائية تجعلنا نزيح هذا النوع من السرد ونقول سردا ذاتيا، جاء في لعبة عرف الكاتب كيف يلعبها.

تداخل صوت

كما يتداخل صوت الشخصية مع صوت شخصية أخرى في مونولوج مباشر، وكثيرا ما يأتي على شكل أوهام: ((توهّمت أنّها سمعت صوتا وكلاما.

” سيّدتي كم أنت حزينة وأثار الدّموع بادية على خدّيك الورديّتين”.

 ” سيّدتي كم أنا حزين لحزنك.”))

وهنا تداخل صوت (سليمان) مع صوت (زهراء) في وصف الحالة الشعورية المتطابقة شكلا وتدليلا. وقد جاء التشكيل البصري في كتابة الصوتين خال من علامة الترقيم (-) التي تدل على بدء الحوار، وهذا ما يعزز التداخل والإشارة الواضحة إلى نوع المونولوج.  في اشتغالات تكاد تكون نادرة في السرد الروائي، عمد عبد القادر بن الحاج نصر إلى استثارة السارد العليم في خلق وصف للحالات الشعورية التي تقترب كثيرا من المونولوج المباشر عبر تداخل حالتين متطابقتين في الشعور: ((أحسّت كأنّها رأته من قبل.. قد يكون تعمّد الخروج من منزله في هذه اللّحظة بعد أن لمح نصف جسدها، نصف طيفها، يدفعه نحوها إحساس غريب غامض وإلاّ لم غادر الرّصيف المحاذي لمنزله واتّخذ رصيف منزلها مسارا له ولم انصرف ثمّ عاد)) .في هذا الوصف المونولوجي إذا جاز التعبير تمظهرت حالة شعورية لـ(فاطمة) وقابلتها حالة شعورية لـ(هيثم) في صوت داخلي لكل منهما، تمثل الأول في إحساسها برؤيته سابقا، وشعورها بتعمد خروجه في اللحظة التي لمح نصف جسدها، وتمثل الثاني في اندفاعه بإحساس غريب نحوها، في الوقت الذي أوجد السارد لهما مسوّغا لشعوره كل واحد منهما بحالته.

وإذا كانت خيارات أي كاتب في التكوين الدلالي تحدد باللغة، نجد أن اللغة عند عبد القادر بن الحاج نصر تحمل احتمالات متعددة، إذ يحمّل الكلمات القاموسية المتداولة مشاعر وأفكارا وأحاسيس ومشاهد موازية، تجعلها قادرة على الإيحاء. وهنا ليست اللغة وحدها هاجسا تجريبيا في وصف الأحوال، بل التراكيب السردية والبنيوية المتفق عليها. فالكاتب شعر بالحاجة إلى تجاوز الاتفاقيات الواقعية وسعى إلى الإفادة من لغة المجاز والاستعارة وتشظية الأحداث والذكريات والمشاعر، الأمر الذي حول زهراء من سيطرة شعور الغربة والوحشة والمعاناة جراء لوعة لا تطيقها، فترفض التواصل مع الآخر (الحاضر) إلى رغبة حقيقية في التواصل النفسي مع الآخر (الغائب). وهنا نجد الجانب الأكثر وضوحا في الرواية، وهو الجانب النفسي. وحين وظف السارد جزءا من ذاكرة الزهراء، إنما أراد أن يجعل ماضيها حاضرا أثناء انتظارها للتواصل مع حبيبها الذي قد يطول، أو ربما لا ينتهي أبدا، ولذا جاءت سخريتها المريرة من هذا الانتظار في  ترميز عال وخفي في انتظار الانفصال عن زوجها، وعلى هذا الأساس أغوت عاطفة السارد/ الشخصية عندما وصف مشهدا خارجيا اتخذه القاص معادلا دلاليا لما ينتاب الشخصية من سوداوية واغتراب روحي وجسدي، فتدفقت الصور فاتنة لتعكس قدرة إبداعية على تصوير مشهد فني أدت فيه الكاميرا دورا فاعلا في التلقي:((عادت تفتح باب الشّقة وتفتح باب الغرفة وتلقي بجسدها المنهك على السّرير بجانب البشير وقد أصبح طعم القبلة طعم الحنظل ورائحة الجسد رائحة مخازن العلف المركّب.)) وهنا عاد صوت السارد الذي لا يهادن، بل يزيد توتر اللحظات الحرجة في لغة تتعالى على الخطابية ليتداخل مع صوت زهراء مرة ثانية، وهي تعبر عن عواطفها وأزماتها لتستجلي خفايا النفس الإنسانية وتصور ما ينتابها من تشاؤم وخوف وقلق وانفعال وضجر… وغيرها من الانفعالات التي أكد عليها السارد، في الوقت الذي تجنب النظر إلى (( الأشياء من الخارج، بل يغمرها من الداخل ليعيد تركيبها من جديد)) . ويتم التداخل مرة ثانية بين صوت السارد وصوت زهراء في هذا المقطع، وباللعبة التنقيطية ذاتها التي تفصل بين الصوتين، على الرغم من صعوبة الفصل بينهما: ((لا تدري ما الذي فجّر فيها حزنا انقبضت بفعله كلّ أطراف جسدها.. هل لأنّها أعطت شفتيها وكفّيها وصدرها للبشير طيلة هذه الأعوام، وأنّها في النّهاية اغتالت كلّ أشواقها وأحلامها عند محطّة مهجورة خالية موحشة تصفّر في أرجائها الرّياح الباردة)). وتعد هذه الاشتغالات السردية استجلاء لخفايا النفس الإنسانية، وما ينتابها من تشاؤم أو خوف أو قلق أو انفعال أو ضجر، وتصوير الحالة الشعورية الباحثة عن الخلاص من تأزمها، وفراغ روحها، ومحاولة سبر أغوارها بلا جدوى، فضلا عن تجنب النظر إلى الأشياء من الخارج، والعمل على تفجيرها من الداخل، وإعادة تركيبها من جديد.

مشاركة