التعالق بالمتنبي.. التذاكر بالكبرياء

337

التعالق بالمتنبي.. التذاكر بالكبرياء

زيد الشهيد
في تواليات جلاستنا الأدبية والمعرفية، وخلال لقاءاتنا الطويلة أو القصيرة اعتدتُ ألا أخفي حقيقة اهتمامي بالمتنبي وصرَّحتُ كثيراً أنني مولعٌ به أيّما ولع. لم أُضمرُ الإعجابَ بجمالِ صورهِ الشعرية، ورجاحةِ جملتهِ الملتاعة وفصاحةِ شجاعته الممتلئة.
لم أُعب عليه حبَّه بنفسهِ، ولا إعلانه سمّوه المفرِط فوق المعتاد.
أضع جملةَ أشعارِه المكرَّسة في مجموعةٍ يضمّها غلافُ كتابٍ عنوانه ديوان المتنبي صادر عن دار إحياء التراث العربي بيروت على رفٍّ يجاور الحاسوب الذي اتماهى مع شاشته السحرية وذاكرته التي كثيراً ما أعانتني على اصطياد رؤى دونتها وتركتها من غير أنْ تكتمل، وعنوانات كتبتُها وقلتُ سأعود إليها لتكون مفاتيحَ لمواضيعَ يستأنسُ لها المتلقي ويتطلَّبها، مثلما تُشبع نزوعي في الإفضاء عنها والبوح بها، والانعتاق منها.
أتذكَّر أنني اشتريتُ هذا الديوان وديوانين آخرين هما ديوان عنترة وديوان لبيد من عربات خشبية كانت تعرض الكتبَ وبأسعارٍ زهيدةٍ جداً في شارع المتنبي في العاصمة بغداد أواخر الستينات يوم كنت في الحادية عشر من عمري لأكتب على صفحته الأولى بعد الغلاف الأول عبارة من كتب زيد الشهيد فانظم إلى أخوتي الثلاثة الذين يكبرونني ويضعون ذاتَ العبارة باسمهم كلما ابتاعوا كتابا وضمُّوه إلى مجاميعَ الكتبِ التي تتراصف على رفوفِ الدواليب في غرفة نومنا.
للحقَّ أقول أنني وبذلك العمر لم أكنْ أعير اهتماماً لشعر المتنبي بقدر اهتمامي الكبير بما يطلقه عنترة.. لماذا ؟ .. لأن عنترةَ شاعرُ الحبِّ والفروسية ؛
ومَن مِن المزهوين بالحياة أمثالنا لم تعجبه هاتين الصفتين ؟ ..
ألم نكن ننطلق هفواً إلى دار سينما الشعب كلما دارت لافتةُ إعلانِ فيلم جديد في السوق الرئيس من مدينتنا الغافية على الفرات أو الصاحية عند أطراف الصحراء والتي كان يحملها العامل الذي يشتغل عند إدارة السينما فتشير إلى أفلام الفروسية العربية يوم كان سراجُ منير يمثل دور عنترة ومَن جاء بعده فريد شوقي ليمثل الدور نفسه فنعيش التذاذاً ونحن نرى عنترة يطيح برؤوس مبارزيه ثم يتجه لعبلة ليرمي على طاولة إعجابها كِبارَ أفعاله وعُظمَ فروسيته وسيلَ بطولاته التي لا تضاهى. وبعد أن يؤب إلى بيته وقد شبعت عَبلةُ من الكلام الرجولي الذي يقطرُ ثقةً وتباهياً وتستقبله أمّه زَبيبة بعين الفخر وأيضاً بقلب الخشية، يروح ينشد مختالاً
ضحكت عبيلةَ إذْ رأتني عارياً »» خَرقِ القميص وساعدي مخدوشُ
لا تضحكي مني عبيلة وأعجبي »» مني إذا التفَّـت عليَّ جيـوشُ
ورأيتِ رمحي في الصدورِ محكِّماً »» وعليه من فيض الداء نقوشُ
إنّي لأعجبُ عازماً ومسائلاً »» أنّى يرانــي فارسٌ ويعيـشُ
وكان إن ظلَّ هذا الولع بعنترةَ ومتابعة الأفلام التي تعرض المغامرات والفروسيات ليست العربية فقط إنما تعدّاها إلى الأجنبية منها فصرنا نتابع مغامرات روبن هود و القراصنة و أفلام الكاوبوي و هرقل الجبار وخصوصاً عندما يمثله ستيف ريفز… ولم نوارب أبواب المتنبي إلا عندما بدأنا ندخل زمن الطموحات الكبيرة بعيداً عن نزق الطفولة ومرح الصبا، فرحنا نردد صورَ الفخر الذي يصورها باعتداد يصل حدَّ الدنو من الملائكة
أنا تِربُ الندى وربُّ القوافي »» وسِمامُ العِدى وغيظُ الحسودِ
لا بقومي شَرُفْتُ بل شرفوا بي »» وبنفسي فخرتُ لا بجدُودي
اعتدادٌ يتراجع عن قوله الآخرون خشيةَ أن يثيروا سخرية السامعين المنصتين لولا أنّه المتنبي الذي يصرُّ أمام الجموع على أنه النجم الأعلى سموّاً، والأبهر إشراقاً، والأكثر جدلاً بين معجبيه وحاسديه على السواء
أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِها »» ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ
وكنّا نتساءل باندهاش عن قوةِ شخصية هذا الرجل الذي يمتليء فخراً بحيث يسمو على الآخرين حتى ليلغيهم فلا يترك لهم فسحةً من التباهي بأنفسهم. ونتحاور عن ماهيّة ثقته الكبيرة وكيف خلقَ البوحُ بها والكشفُ عنها أعداءً ضلَّوا يناصبونه الحسد ويكيدون له للإيقاع بموهبته وتحطيم عنفوانه ؟
هذه القوة في الشخصية والاعتداد الخيالي والثقة الأسطورية كانت تزرقنا بإكسير الثقة بالنفس وتلهمنا بدافع أن لا نظهر ضعفاً أمام المواقف التي تبدو صعبةً ومعقدةً في نظرنا ونحن نجابه تحدّيات الشباب.. وعندما عرفنا إصالتَهُ، وقرأنا كبرياءهُ، دخلنا عليه زائرين عبر عالمه الشعري متسائلين ونحن إزاءه عن سر السمو الذي يتناسل في مملكته الروحية رافعاً إيّاه إلى مراتب الخُلاّق الصادقين في بوحهم، المتميزين في عطائهم ؛ وسر تركَ جموع الشعراء خلفَهُ.
لحظات من الصمت والتأمل تقوده إلى التطلَّع فينا فيبتسم، فيتنحنح، فيجول في نظرته الوسيعة على الوجوه.. فيرد
إذا اشتبهتْ دموعٌ في خدودٍ »» تبيَّن مَن بكى مِمَّن تباكى
فنقف مشدوهين مُعجبين بحُسنِ إجابتِهِ، ونندهش مذهولين بالخزين الذي يحتفظ به ردّاً برقياً على أيِّ تساؤلٍ. وإذ يتبيّن هذا الإعجاب والاندهاش والذهول يجمعنا بنظراته التي تبعث على شيء من الأسى الدفين، ويتركنا نستحمُّ بشذا مفرداته التي تنضح بعضاً من المواساة على روحه والتصافي مع نظراتنا
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبهُ »» أنّي بما أنا شاكٍ منه محمودُ
لم يترك الدهرُ من قلبي ومن كبدي »» شيئاً تُتيِّمُهُ عينٌ ولا جيدٌ
وإذ يكتشف أننا على وشك أنْ نعلن تأسّينا يروح يستنهض هممَ النفس ويستدعي شلالاتِ الاعتداد كأنّه لا يتعامل إلا مع مفرداتِ الرِّفعة، ولا يقول غيرَ العلو. كأنَّ ما يقوله من أشعارٍ انطباعُ ما يقوله روحه من فصاحةٍ. حتى يبلغ به الأمر مراراً أن يُصرِّح استهانةً بمن ينافسونه أو يناصبونه الزمن لسرقةِ مكانتهِ الأدبية
وما الدهرُ إلا من رُواةِ قصائدي »» إذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهر منشدا
فسارَ به مَن لا يسيرُ مُشمِّراً »» وغنّى بهِ مَن لا يُغني مُغرِّدا
هذا المتنبي على صورته الظاهرة وفحواه الجوّاني يرسم لزمانٍ بشري. هو خلقٌ مؤثرٌ مستديم . هو ضياءٌ لا يعرف النضوب ولا يتخلّى عن الألق. هو الصانع لأيقونةِ الزمن المحفور نحتاً على جدارِ الذاكرات الإنسانية…
الغريب أنَّ قروناً مرّت، وعقود عَدت ؛ وتوالت أعوام لكنَّ أصابعَ تتبعنا لم تلامس مَن جاء يشبهه في الخلق والكبرياء والنهوض المبني على اللاخشية من الأقدار والأحداث باستثناء بوشكين شاعر روسيا الذي قَدِم بعد زمن بعيد والذي كان يحمل كما يبدو ذلك الفوران العربي الصائل الجائل في دماء الشرايين والقلب الراهص. هذا الذي كلّما ذكرنا المتنبي بتنا نتذكره ؛ وكلما تقدّمَ هو إلى ذاكرتنا تقدّم عليه المتنبي. حتى لكأننا نراهما الصنوان أو الشقيقان التوأمان لولا الفارق الزمني الذي يقفز فوق الثمان قرون.
2
يتقدَّم المتنبي على الشعر، أو أن الشعر يُسابق المتنبي للتقدم عليه. وهما في هذا صنوان نلاحقهما بلهفاتنا التائقة إلى العذوبة من الكلمات المسكوبة في بوتقة الشعر. ونحن في ذلك عُشّاق يضرمنا أوارُ الروح المتطلّع لقِمم الذرى فنصاحب نظراتِهِ الشاخصة إلى أعلى مُتخلّين عن السفوح ؛ ذلك أنَّ الأملَ كبيرٌّ والمغامرةَ لها مبررات التحرك من أجلها ؛ وكلماته المؤرجة بالعزم لا تفارق ذاكرتنا. هي تتقدمنا في كلِّ خطوٍ وتحدونا في أيَّما مسار ؛ سامعين نداءه الضارب في البطاح والبراري وسوح الطموحات

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومٍ فلا تقنع بما دونَ النُّجومِ
وفي لحظاتِ بعثِ الحزن، وتحركِ جيوش الآلام. وفي ساعةِ الشعور بهجوم الضجر، والإحساس بعبثية الحياة يفاجئك المتنبي بصرامته وصلابة دواخله، يواجهك بتعاليه على قسوة المواقف واستهانته بفخاخ التقهقر التي ينصبها القدرُ في وجهِ التطلُّع. وتسمعه يخاطبك مليئاً بحِكَمِ العالِم الذي ينثر وردود كلماته مضمخة باشذاء القناعة بالموجود، والرضا بالحاصل، وتوقّع ما لا يُتوقَّع
قد ذقتُ شدَّةَ أيامي ولذَّتها »» فما حصلتُ على صابٍ ولا عسلِ .
شعرُ المتنبي أيقونةٌ تُمشهِدُ فعلَ التاريخ وأحداثه، مؤرخةً للمكان وجوده وما دارت عليه من إرهاصات وأفعال في حقبة تاريخية قلقة لأمّة قاربت التفككَ من داخلها وأبصرت الأعداء الروم من خارجها شمالا يتربصون حيان السُّنحة الزمنية للانقضاض. فيأتي هذا الشعر مزحوماً بالتأرخة للاجيال من جهةٍ ودافعاً تشبثياً بالأرض حيثُ بثُّ الزخمُ في النفوسِ لإبقاء الشعور متوحِّداً مع هذه الأرض كهويةٍ لا يمكن إهمالُها أو التخلّي عنها. وكان إن نهضَ هذا الشعرُ بدورهِ فكان مُحمِّساً للمقاتلين وهم يصدّون عواصفَ الغزوات، ويتنادون للإطاحةِ بهيبةِ المتربصين.
3
ديوانُ المتنبي ذائقةٌ غريبةٌ عذبةٌ متممةٌ لمسيرة الذائقة التي يجاهد المتلقي الولِهُ بالشعر أن يواصلها بالقراءات الطويلة لجعلها تدنو من ذائقته..
شعرُ المتنبي لغةٌ بحدِّ ذاتها.. تمنحكَ القدرةَ على الوقوف في حومةِ التباري لتخرج أديباً بل وتخرج بقوام المتقدمين صوب عُليّة الأدب الرصين والثقافة المعرفية المُعتدُّ بها.
في شعر المتنبي تصاحبُ موارَ ذاكرةٍ بصرية قدِمت من تمازج ضجيج الذات تفاعلاً مع الحسّي المكين ؛ وهو بهذا يتضافر لديه التفرّس بالمكنون، والظاهر بالجوهر، والإدراك بالتلمُّس. ومن هنا زرع هذا الشاعر من خلال نفثاته الشعرية في نفوس المتلقين بوادرَ حدسٍ متفاقم يجعله لا يتراجع أمام مهيمنات النكوص، بل دوافعَ زخمٍ باتجاه الأمام. لذا تراه يعلو على الجراح وهو في أعلى ذرى الألم ؛ ويناصب الخنوع العداء حتى ينتصر عليه فَخِيراً بالأنوية المتعالية، وقديراً بالقولِ الكبير ؛ لكأنّه يدعونا إلى اقتفاء أثره وحمل معانيه والتمثّل بخصاله كقوة من قوى الكبرياء. لكأنه الـ نحنُ الذين نروم، والـ هو الذي نتمنى.
/6/2012 Issue 4229 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4229 التاريخ 19»6»2012
AZP09