التطهير العرقي وصراع الهوية بسوريا – آريان ابراهيم شوكت

الكُرد وحدهم في الميدان

التطهير العرقي وصراع الهوية بسوريا – آريان ابراهيم شوكت

لم تدخل سوريا مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد بوصفها دولة متجهة نحو العدالة أو المصالحة، بل ككيان هشّ أعيد تشكيله وفق موازين قوى عسكرية وأمنية لا تعترف بالحقوق بقدر ما تعترف بالغلبة. فحكومة أحمد الشرع، التي رُوّج لها كحكومة انتقالية تمهّد لسوريا جديدة، سرعان ما كشفت عن وجهٍ مألوف في التاريخ السوري: دولة مركزية تعادي التعدد، وتتعامل مع القوميات خارج “الهوية الرسمية” كتهديد أمني يجب كسره لا شريكاً يجب الاعتراف به.

في هذا السياق، وجد الكُرد أنفسهم مرة أخرى في قلب المأساة السورية، لا كضحايا جانبيين للحرب، بل كهدف مباشر لسياسات عسكرية وأمنية تحمل كل ملامح التطهير القومي الممنهج.

هدف للإبادة

منذ عام 2014، لم يكن الكُرد مجرد فاعل محلي في الحرب على تنظيم داعش، بل كانوا العمود الفقري للمعركة الدولية ضد الإرهاب. دفعت مناطقهم ثمناً باهظاً من الدم والدمار دفاعاً عن العالم، لا عن شمال وشرق سوريا فحسب. عشرات الآلاف من المقاتلين سقطوا، ومدن بأكملها دُمّرت، بينما كانت العواصم الغربية تشيد بـ”شجاعة الحليف الكُردي”. لكن هذه الشراكة كانت مؤقتة، وظيفية، وانتهت بانتهاء الحاجة ؟!.

واليوم، يتعرض الكُرد في سوريا لما يمكن توصيفه قانونياً وأخلاقياً بأنه إبادة جماعية بطيئة:

قتل عشوائي للمدنيين في الأحياء ذات الغالبية الكردية.

استهداف مباشر للهوية القومية عبر التهجير القسري وتغيير البنية الديمغرافية .

حصار اقتصادي وخدمي يُستخدم كسلاح لإخضاع السكان.

اعتقالات واغتيالات تطال النشطاء والكوادر السياسية الكُردية.

كل ذلك يجري بذريعة “بسط سلطة الدولة” و”منع الانفصال”، بينما الحقيقة أن المطلوب هو كسر الإرادة الكُردية ومنع أي نموذج سياسي يعترف بالتعدد القومي في سوريا.

حلب: مسرح الجريمة المفتوح

ما يجري في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ليس اشتباكات عسكرية عابرة، بل رسالة سياسية مكتوبة بالدم. فالهجمات المتكررة، والقصف العشوائي، ومنع الإمدادات الإنسانية، ليست أخطاء حرب، بل أدوات ضغط متعمدة. حلب اليوم تعيد إنتاج تاريخها الأسود مع الكُرد:

تهجير السكان بحجة “الأمن”.

شيطنة المجتمع الكُردي إعلامياً.

تسويق الضحايا كـ”مسلحين” لتبرير قتلهم.

إن ما يحدث هناك يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، تُنفذ أمام أعين العالم، دون تحقيق دولي، أو لجان تقصي، أو حتى ضغط سياسي حقيقي.

هدف مباح

عسكرياً، ما زالت قوات سوريا الديمقراطية قوة منظمة، تمتلك :خبرة قتالية عالية و بنية قيادة منضبطة و سيطرة على جغرافيا استراتيجية و قاعدة شعبية في مناطقها. ومع هذا فان ميزان القوة لا يُقاس بالسلاح وحده. وقسد اليوم تواجه:

هجمات من حكومة الشرع التي ترى فيها عقبة أمام المركزية المطلقة.

عداءً تركياً دائماً يسعى لإنهاء أي وجود سياسي كردي.

خذلاناً أمريكياً وأوروبياً واضحاً، حيث اقتصر الدعم على البيانات، دون حماية حقيقية.

بكل أسف فان الحلفاء الذين قاتل الكُرد نيابةً عنهم داعش، باتوا اليوم يفضلون الاستقرار الزائف على حساب دماء من حموهم بالأمس.

الصمت الدولي: شراكة في الجريمة

واللافت في المشهد ليس فقط حجم الانتهاكات، بل الإجماع الدولي على الصمت:

الولايات المتحدة توازن بين مصالحها ولا ترى في دم الكُرد أولوية.

أوروبا تكتفي بالإدانة اللفظية.

إسرائيل تراقب من زاوية أمنية بحتة.

العالم العربي غائب أو متواطئ.

الأمم المتحدة مشلولة كعادتها.

وهذا الصمت لا يمكن تفسيره بالجهل، بل هو قرار سياسي بحت بترك الكُرد لمصيرهم.

المسار السياسي الإقليمي: إيران حاضرة في الخلفية

لا يمكن فصل ما يجري في سوريا عن التحولات الإقليمية، وخصوصاً إيران التي تسعى لإعادة ترتيب نفوذها بعد سقوط الأسد، وتفضّل أنظمة مركزية ضعيفة يسهل اختراقها. وتركيا التي تعتبر أي وجود كردي تهديداً وجودياً أمام تراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط لصالح ملفات كبرى أخرى.

وفي هذا المشهد، يصبح الكُرد ضحية تقاطع المصالح الإقليمية، حيث لا مكان لحقوقهم في أي صفقة.

الإبادة التي لا يراها أحد

ما يتعرض له الكُرد في سوريا اليوم ليس حادثاً طارئاً، بل حلقة جديدة في تاريخ طويل من الإنكار والاضطهاد. الفرق الوحيد أن الإبادة هذه المرة تُنفذ بهدوء، دون كاميرات، ودون محاكم، ودون شهود فاعلين.

إن استمرار هذا الصمت الدولي سيحوّل سوريا القادمة إلى دولة منهارة إنسانياً قبل أن تكون منهارة سياسياً، وسيبقى التاريخ شاهداً على أن العالم شاهد الإبادة، لكنه اختار أن يغض الطرف عن التدخل !!.