التسامح في مواجهة التطرّف – علي احمد عبد مرزوك الجنابي

213

التسامح في مواجهة التطرّف – علي احمد عبد مرزوك الجنابي

تُعد قضية التطرف من القضايا الأمنية المعقدة التي تحتاج إلى اهتمام متعدد الأبعاد من دوائر صنع القرار في العراق، وما هو مقدم في هذا المقال هو محاولة للفت الانتباه إلى بعض الابعاد التي من المهم وضعها في الاعتبار عند صياغة سياسات أمنية مجتمعية لمكافحة التطرف”

تفجرت في العقود الاخيرة من التاريخ، موجة عارمة من التطرف في العديد من جهات العالم، وقد اصابت هذه الموجة المجتمع العراقي، حيث استعملت الايادي الطامعة بخيرات العراق كل أسلحة التطرف التي عملت على تمزيق النسيج الاجتماعي وزرع التفرقة بين صفوف ابناءه، وهذه الموجة عملت بصورة بشعة في تحطيم الهوية الوطنية العراقية.   في هذا السياق جاءت فكرة الكتابة بموضوع التسامح في مواجهة التطرف، والسؤال هنا كيف نتناول موضوع التطرف؟، وما الجديد الذي يمكن اضافته إلى عشرات البحوث واوراق السياسات والمقالات التي نشرت في الاعوام الاخيرة عن المضوع، وإلى سيل الاقتراحات والتوصيات التي خرجت من مختلف الندوات والمؤتمرات التي عقدت بهذا الشأن.  ومن مراجعة هذا التراث الغني، رأيت ان هناك قبولاً لبعض المسلمات المتعلقة بمفهوم (التسامح)، والتي تحتاج إلى اعادة نظر، اذ جاءت حلقتنا عن التسامح في مواجهة التطرف، لاتصالها العميق بموضوع الهوية الوطنية، وللحاجة الماسة الى التسامح والاعتراف بوجود الآخر المختلف بداخل الجماعة وبخارجها.

ماذا نعني بالتطرف؟

يرى الدكتور علي ليلة ان التطرف هو الخروج عن القواعد الفكرية والقيم والمعايير والاساليب السلوكية الشائعة في المجتمع، حيث يعبر المتطرف عن نفسه من خلال العزلة او السلبية او الانسحاب في مرحلته الأولى، وحينما تتعمق هذه الحالة، فإن المتطرف ينتقل الى المرحلة الثانية، حيث ممارسة العنف استنادا الى مخزون التوترات التي تراكمت في المرحلة الاولى، فشكلت الطاقة الدافعية لسلوكياته، وقد يكون التطرف والعنف فردياً او جماعياً، وقد يسلم الاول إلى الثاني، وهو التطرف والعنف الذي يستهدف محاولة فرض الرأي بالقوة … ولما كان الفرد المتطرف او الجماعة المتطرفة قلة في مواجهة الاغلبية، فإن الفرد او الجماعة المتطرفة تنتقل الى الارهاب باعتباره مجموعة من الافعال العنيفة والخاطفة، في محاولة لفرض حالة من الخوف  والقلق والتوتر الدائم عند الطرف الآخر. وللتطرف انماط مختلفة، منها (التطرف المظهري، والتطرف الفكري، والتطرف الديني)، حيث نجد بعض الافراد يميلون الى الظهور بمظاهر معينة قد لا توافق عليها جماعة الاغلبية او المجتمع، ومثاله ارتداء بعض الافراد المتطرفين دينيا للثوب القصير واطالة اللحية، في حين يمثل التطرف الفكري نمطاً ثانياً من انماط التطرف، حيث نجد بعض جماعات الشباب الذين لهم بعض الآراء السياسية التي يتطرفون بها بحيث يخرجوا بسببها من المجرى الرئيسي للمجتمع، لان افكارهم المتطرفة تختلف عن الافكار التي تتدفق في المجرى الرئيسي للمجتمع، ويعد التطرف الديني هو النمط الغالب الآن، حيث تتجه بعض الجماعات الدينية الى الاقتناع ببعض الافكار والمضامين الدينية التي تجاوزها العصر، ويظهر التطرف الديني ايضاً بسبب التأويل الخاطئ لبعض المبادئ والافكار الدينية، والتمسك بالإدراك الحر في المطلق لهذه الافكار والمبادئ، ومن المؤكد ان التطرف الديني يشكل المدخل الى الارهاب الذي يعاني منه العالم في الوقت الحاضر، ومن الممكن ان تجتمع كل انماط التطرف هذه في جماعة واحدة متطرفة.  إنَّ انتشار افكار التطرف وممارسات العنف لا يمكن اعتبارها مسألة مرضية (باثولوجية) فحسب؛ بل هي في المقاوم الأول مسألة تتعلق بأنماط التفاعلات الاجتماعية في المجتمع وفي العلاقة بين مكوناته، فمن المؤكد أنّ سلوك الأفراد كذوات مستقلة يختلف عندما ينخرطون في موقف جماعي صراعي.  في المقابل لايزال الحديث عن التسامح وقبول الآخر مبتعث ارتياب لدى الكثير من النخب الفكرية والثقافية والسياسية العراقية، وتعود اسباب ذلك الى الاستقطابات السياسية الحادة وابعادها غير الوطنية و المهددة للهوية الوطنية ومبدأ المواطنة، واسقاطاتها الحالية على الواقع، اضافة الى ان جزءا منه يتعلق بالفهم القاصر والمحدود لمعنى التسامح ومبتغاه ومبناه.  اما التطرف الديني وحالة تلويث الدين بالسلطة: فإنَّ العراق ليس امام تحدي بين الدين والدولة، بل ان يظل الدين صوناً له، وهو الضامن لثقة المجتمع ووحدته وتضامنه، فلا يستخدم الدين في الصراع السياسي الذي اصبح شراً على الهوية الوطنية، وصيره عاملاً من عوامل الانقسام في المجتمع والدولة، فنحن محتاجون “حياة ووجوداً” الى التسامح اليوم قبل الغد، فالحزبية الدينية عاملاً من عوامل التعطيل والتشدد والاصطفاف والحؤول دون سواد التساهل والتفاهم والتفهم والنزع المسالم والتعددي، لكن من الذي يقرع الجرس؟ زيادة على ذلك ضعف الثقافة العامة والفردية ازاء قيم التسامح التي لا تزال متدنية، بل غائبة في كثير من الاحيان، وينظر اليها بازدراء او استخفاف احياناً، بوصفها عامل ضعف وليس قوة، الامر الذي ادى الى تشبث الكثير من الجماعات بالتعصب والتطرف بجميع اوجهه الدينية والطائفية والاثنية والعشائرية، ازاء الاخر، سواء مسلماً (سنياً، شيعياً) او غير مسلم (مسيحي، او الصابئي، او الايزيدي.. او سواهم)، او غير العربي مثل (الكردي، او التركماني، او الاشوري… او غيرهم).

ما السبيل لمواجهة التطرف؟

ان السبيل لبناء وترسيخ ثقافة التسامح في ظل ما آلت اليه اوضاعنا من عنف وصراع هويات ثقافية حاولت ان تثبت نفسها بفوضوية وبشاعة، واستفحال الارهاب في ظل هذه الفوضى (بل استغلها) لتحقيق المطامع الخارجية، ولاسيما بانتشار التعصب والتطرف، تطرح هذه الحلقة مجموعة من المعالجات هي:

1- ضرورة العمل على بناء استراتيجية وطنية لمكافحة التطرف تحدد بالضبط ما الذي تتم مكافحته تحديداً، حيث يكتسب السؤال هل يتم مكافحة الافكار المتطرفة؟، أم جماعات متطرفة؟، ام سلوك متطرف؟، أهمية كبيرة خلال هذه المرحلة لاسيما بعد دحر الارهاب الداعشي من البلد.

2- تشجيع مراكز الابحاث على تنفيذ دراسات ميدانية تقوم على مقابلات مع متطرفين جدد او متطرفين سابقين تبنوا الفكر المتطرف ومارسوا الارهاب، كذلك من الضروري ان تعمل المؤسسات الاسلامية العراقية كـ (المراجع الدينية في النجف الاشرف)، و(المجمع الفقهي العراقي في بغداد)، الى جانب دواوين الاوقاف، فيما يتصل بالمعاني الايديولوجية، على نشر قيم التسامح والاعتدال وقبول الآخر، ونبذ العنف والتطرف سواء على المستوى الديني او الايديولوجي، حيث تؤدي كل هذه السياسات والاجراءات الى بقاء المجتمع في اطار منطقة الاعتدال والتسامح على ساحة الوطن.

3- ضرورة تحديد العوامل المحفزة للتطرف، لما لها من اهمية قد تساعد في تطوير سياسات اكثر فاعلية لمكافحة التطرف، وما قد ينتج عنه من اعمال ارهابية، لاسيما وان تحليل بعض حالات المتطرفين الذين مارسوا فعلاً ارهابياً ، والذين ادينوا من قبل القضاء العراقي يفيد لجمع المعلومات الضرورية التي تعمل على انجاح السياسة الامنية في العراق.

4- العمل على توحيد الخطاب السياسي: حيث يفتقد خطاب النخب السياسية للطابع الجذاب الذي يمكنه حشد المواطنين خاصة الشباب منهم حول الفكر المعتدل، وعدم الانجذاب نحو الخطاب المتطرف الذي بات يعمل بعقل وقلب شبابي ويتفهم جيداً حماسهم للانخراط في اية تجارب تخرجهم من حالة الملل وطول فترة الانتظار التي يعيشونها لبدء حياة كريمة.

5- العمل على تجديد الخطاب السياسي: لانعدام جاذبية الخطاب الرسمي، وذلك لسببين: انه خطاب تقليدي لا يساير الحياة اليومية المعاشة ولا يراعي التنوع الموجود في قطاعات المجتمع، هذا فضلاً عن انه خطاب عام لا يستهدف المتطرفين او المتعاملين معهم او الكتلة السائلة من الشباب.

6- تقديم خطابات دينية تحرر الانسان، وان يستلهم المواطن العراقي من الدين قيم الحرية والتسامح والتغير، وهذه الخطابات تعمل على وضوح النظرة المتفائلة للمستقبل، والتطلع العميق نحو الاستمتاع بالحياة، والاحتفال بالتعددية الانسانية، بغية بناء (التدين التقدمي) بين صفوف المجتمع، والذي غايته تدين المواطن الذي يريد العدالة واحترام الحقوق، ويتحمل المسئولية تجاه المجتمع، ويسعى الى تحقيق النقاء في العلاقات الانسانية، لا ينظر للدين على انه ساحة حرب بل ساحة تلاق بين المختلفين في المعتقد، ولا ينظر للدين على انه (اداة) في مجتمع تقليدي منافق لتحقيق مكاسب شخصية، لكنه تدين منفتح، يرى في كل المعتقدات قيماً جميلة يمكن تعلمها، وفي كل المذاهب ومضات مشعة يمكن التقاطها.

7- من الضروري تأسيس ميثاق شرف اخلاقي ومهني يتشكل من مجموعة من القيم المركزية التي ينبغي ان تراعيها مختلف النظم الاجتماعية في المجتمع وتلتزم بها، تعمل من خلالها على نشر روح الاعتدال وتوضيح فقر وبؤس المواقف المتطرفة، كما تؤكد هذه القيم المركزية على قبول الآخر المختلف، وكذلك قبول الحوار البناء، ورفض التعصب والتصلب في المواقف، وهذه القيم المركزية ينبغي ان تشكل موجهات لاداء مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة وتشكل نواة لثقافة وطنية اخلاقية تؤكد على التماسك والاعتدال الاجتماعي.

8- وضع مناهج تربوية وتعليمية تقوم على المساواة وعدم التمييز، كون التعليم والتربية من انجح الوسائل لمنع اللا تسامح، ولعل الخطوة الاولى على هذا الطريق هي تعليم الناس حقوقهم وحرياتهم التي يتشاركون فيها وتأكيد عزمهم على حمايتها.

9- توفير بيئة اعلامية تتيح حرية التعبير ونشر قيم التسامح والتعايش وعدم التمييز، فالاعلام سلاح ذو حدين، فهو يمكن ان يكون عاملاً مساعداً على نشر قيم التسامح ومبادئه او ان يروج لضدها، بما يغذي عوامل الكراهية والاحقاد وتبرير العنف والارهاب.

10 خلق بيئة مجتمعية من خلال منظمات مستقلة للمجتمع المدني تساهم في تعزيز التعايش والمشترك الانساني وتقوم برصد ورقابة الممارسات غير المتسامحة حكوميا ومجتمعيا، وتكون شريكا برسم السياسات العامة في الدولة.

11- الاعتراف بحقوق الغير ومعاناة الفئات المستضعفة، وهذا يعني انصاف الافراد والجماعات التي تعرضت حقوقها للانتهاك، وذلك بعيداً من الاعتبارات المصلحية والنفعية السياسية والشخصية.

بالنهاية، اعتقد ان اي سياسة او استراتيجية ناجحة لمكافحة افكار التطرف وممارسة العنف، لزرع ورود التسامح، ينبغي ان تتبنى على فهم دقيق للأسباب التي تدفع الافراد والجماعات الى انتهاج هذا الطريق، وطالما ان السلطات الحاكمــــــة في اي دولة لا تدرك هذه الاسباب بدقة او تخطئ في تقدير اولوياتها فان السياسات التي تضعها لمكافحة التطرف والارهاب لن تؤت ثمارها بالضرورة.

مشاركة