التركة السيّئة في يدّ أوباما

490

التركة السيّئة في يدّ أوباما

   يعقوب افرام منصور

 رسالة إلى السيد أوباما المحترم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية

   رسالتي هذه هي الخامسة إلى رئيس أمريكا، فالأولى كانت إلى الرئيس آيزنهاور في 1/5/58، نشرتها مجلة (الفكر المسيحي) في عددها لكانون الأول 1977، والثانية مفتوحة إلى الرئيس كارتر في 30/3/79، والثالثة مفتوحة إلى بوش الأب (بالإنكليزية) نشرتها جريدة (بغداد أوبزرفر) في 3/9/90 ، والرابعة هي المنشورة في (الثورة) في 27/2/91 ، وهي الخامسة عشرة من سلسلة  [رسائلي إلى أساطين العاالم].

  من المؤسف حقًا أن إدارة دولتكم العظمى تلوح للمتأمّل والمتبصّر والمستنتج بكونها سليبة الإرادة الذاتية، بل هي مستجيبة لحافز من هوى أو غرض أو طمع آخرين، ويصبّ في حوض صالح كيان آخَر غير الكيان الأمريكي وشعبه.  فها هي الشعوب والأجنلس والأقوام جلّها يسمعون عنها وعن ساستها وأفعالها وشؤونها الأنباء المزعجة منذ عقود، ويشهدون الأفعال والمقترفات المنكرة، ويعلّلون ويفسّرون ما يسمعون ويرون من فضائح وجرائر تفضي إلى التجنَي على ذاتها وسكّانها أولاً، وعلى الشعوب والبشرية عمومًا، وعلى الحضارة والمدنية بأسرها. من تلك الأعمال والمقترفات ما سببته من أذى وأضرار وجرائم حرب وعدوان واضطرابات عرقية وتناحرات مذهبية/طائفية/ دينية في أفغانستان والعراق والصومال والسودان وتونس وليبيا وسوريا ومصر وفلسطين وغزة وأقطار أمريكا اللاتينية؛ وغير ذلك، كخلق تنظيمات إرهابية عدّة بالتنسيق مع المخابرات البريطانية والصهيونية (أحدها تنظيم داعش) وقبله تنظيم القاعدة” الأم”، وذلك لغرض تحقيق مخطط إجرامي، أُصطُلح عليه “خارطة شرق أوسط جديد” خدمةً لأطماع غربية وصهيونية تكون ” بفضله” إسرائيل مُدلّلتُكم هي الدولة الأقوى في منطقة الشرق الأوسط العتيد! فهل أنت ودهاقنة ساسة الغرب تستطيعون إنكار مسعاكم الحثيث لتحقيق هذا الغرض على حساب شقاء وعسف شعوب، وخراب مرافق ومؤسسات هذه المنطقة، واضطراب أمنها واستقرارها؟ حقًا لا أنت ولا سواك تستطيعون الإنكار، لأنّ نصوصًا موثّقة منشورة تثبت ذلك وتدحض الإنكار! أليس ذا جُرمًا، إقترفتموه وتقترفونه الآن باسم “الربيع العربي”  الذي اخترعته الصحافة الغربية المُغرضة،  وذاع صيتُه السيئ منذ عام 1910؟ فكل  هذه الأفعال العدوانية والطغيانية  والسعارية الدموية التخريبية المتجنّية قد أنهكت الميزانية المالية الأمريكية أيّ إنهاك جلب على المجتمع الأمريكي كسادًا إقتصاديًا منذ أعوام، ومضاعفة الضرائب، كما بسببه ستغدو الدولة الأمريكية بعد عقد في المرتبة الثانية من دُوَل العالم، تعادل مرتبة بريطانيا وفرنسا حاليًا، والزمن كشّاف.

تركة سيئة

سيادة الرئيس: لقد تسلّمتَ تركةً سيئة جدًا من سلفك بوش الكارثي الإحترابي المتصَهيِن، المسيّر من قِبل المفسدين في الأرض، ضِمنهم أتباع مذهب ” المسيحية الصهيونية الأصولية”، وعُرف عنه إتّباعُه سياسة حروب مُعلنة واستباقية، لكنك سلكتَ طريقًا آخَرَ  لتحقيق قوة وهيمنة بلادك، وذلك عن طريق إشعال حروب سرية وقائمة حاليًا في دول عديدة مذهلة الرقم، وقوام هذه الحروب غير المعلنة “قوات العمليات الخاصة”، التي كانت في أواخر عام 2013 منتشرة في 134 دولة، في حين كانت أقل من هذا كثيرًا قبل 11 أيلول 2001، وفي عهدك في عام 2010 كانت منتشرة في 75 دولة، والرقم الحالي (134 دولة) يعني أن حروبك السرية ليست أقل شأنًا من حروب سلفك العلنية، لكنها أكثر عقلنةً، وربما أقلّ كلفةً ، ويعني أنك رفعت حجم هذه القوات السرية الخاصة إلى أكثر من 100 بالمئة بعد أحداث 11 أيلول 2001. وعلى ذكر هذا العام المشؤوم، أقول: من المؤسف أن كثيرين حتى الآن يتوهّمون أن الحركات الإسلا مية ـ العربية السلفية المتشددة هي التي ضربت بالطائرات ناطحتَي سحاب منظمة التجارة العالمية في نيويورك في ذلك اليوم، غير أنّ هذه الرواية كذبة هائلة،لأن إدارة بوش الإبن هي التي ألغمت أُسس الناطحتين لغرض تفجيرهما، وأن صور الطائرات (التي ظهرت قي الشريط السينمائي في يوم الحادث وهي تنطح الناطحتين) منتزعة من شريط سينمائي اُنتج قبل أعوام قليلة من 2001 ، مصوّرًا كيفية وقوع هجوم إرهابي مُتوقّع في يوم ما! إذ كيف يُعقَل تصوير الهجوم الحقيقي المباغِت بالطائرات على الناطحتين في لحظات الإرتطام الواقعي؟! أما المسجونون في (غوانتنامو)، المتهمون بالإسهام في الهجوم والإعداد له، فهذا للتمويه وخدع البسطاء والجهلاء، لغرض التستّر على من ارتكبوا هذا الفعل الإجرامي الشنيع بحق الشعب الأمريكي أولاً، ثم بحق الإنسانية، وراموا من ارتكابه شن حروب استباقية على دول في الشرق الأوسط، أورد بوش أسماءها بعد ساعة من وقوع الحادث الجلل وهو ينزل من الطائرة التي أقلّته من البيت الأبيض، ذاكرًا الدول التي عزم شن الحرب عليها: أفغانستان/ العراق/ سوريا/ليبيا/ السعودية وغيرها، وقد شنّها على القطرين الأولين! إن ذكرى هذا الحدث الإجرامي الهائل، ترتبط   باستحقاق مرتكبيه والمسهمين الحقيقيين فيه أن يُحالوا إلى محكمة لاهاي الدُوَلية، وليس بسعي الإدارات الأمريكية المتعاقبة لخلق تنظيمات إرهابية تنفذ خططها، وتلبّي رغبات الكيان الصهيوني الشرّيرة، وعدم المساس به وبأمريكا وبالغرب بأيّ شكل من الأشكال العنفية، كما درجت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن تفعل منذ ثلاثة عقود ـ مع الأسف الشديد . وأذكر أنه بعد عام أو عامين من2001 طالعتُ نباً مفاده أن تفجيرات 11 أيلول لم تكن من تخطيط أو تدبير ابن لادن، كما لم تكن من فعل القاعدة. لقد كان المراد من تلك المنظمات الإرهابية التكفيرية أن تحصر أعمالها التخريبية/ العنفية/ التناحرية ضمن الأقطار العربية والإسلامية (فقط) في منطقة الشرق الأوسط، يساعدها في ذلك أفراد متخصصون في تدريس أنفار في كيفية إشعال الثورات والإنتفاضات، وإجراء التغييرات في الأنظمة الحاكمة في الأقطار التي عمّها الإستياء والنقمة بسبب نظمها الدكتاتورية، وتفشّي الفسادَين. فقد فعلتْ هذا في تونس وليبيا وسوريا ومصر منذ ثلاثة أعوام، وقبلاً في أفغانستان، وفي العراق منذ عام 2005، وإبان فترة حكم المالكي الحالكة وقعت من الفظائع والجرائم من قِبل التنظيمات الإرهابية الأصولية المتطرّفة ما يعدو الحصر عددًا، ويتجاوز الوصف هولاً وفظاعةً. أليس في عهدك أخرجتْ وكالة المخابرات  المركزية الأمريكية أبا بكر البغدادي من أحد السجون العراقية، وجنّدته دولتك ،ودرّسه (مكين) الأمريكي الفقه والشرع الإسلامي ( كما أظهرت شاشات الإنتر نيت العالمية)، ثم تفقّه وتدرّب لدى الموساد الصهيوني، ليفعل ما فعل من الهوائل الآن وفي عهد حكم المالكي وفي سوريا منذ عامين، وصولاً إلى إعلان نفسه خليفة للدولة الإسلامية؟! كانت أعمال الإدارة الأمريكية ومن آزرها ووالاها في خلق داعش أعمالاً ماكرة نادرة المثال في ميدان الإجرام السياسي. لكن المكر السيئ يحيق بأهله، ولو آجِلاً. فأحسستم الآن ـ بعد إمهال مقصود ـ  خطورة التمادي في إرخاء العنان لهذا التنظيم الدموي المتخلّف، لأن رشاشه سينوشكم ويبلغ أقصى أطراف المعمورة، فارتأيتم الآن إنشاء حلف دُوَلي لمقاومته ودحره قبل فوات الأوان. وعسى ان تتوفّقوا في ذلك المسعى الحميد.إنّ عدم امتلاك الإدارة الأمريكية إرادتها الذاتية الرشيدة، في سياستها الخارجية، منذ عقود، جعلها  تتخبّط في تبنّي مناهج التصرّف والتعامل مع القضايا الخطيرة والمصيرية والدُوَلية، وخير مثال على ذلك هو نشاطكم في استخدام جماعة الإخوان المسلمين (المعروفين بعنفهم وإرهابهم وعدم وطنيّتهم، لأنهم أصلاً غير مؤمنين بعقيدة وطنية) في بعض الدول العربية وخصوصًا في مصر،لإيصالهم إلى سدّة الحكم، وبذلتم في سبيل ذلك هِبات مالية سخيّة، ومساعيَ، وشحنًا طائفيًا وعقائديًا، ودعوتم أقطابهم إلى زيارة واشنطن لتلقينهم ما ينبغي أن يفعلوه لينتزعوا انتصار الثورة المصرية2011/2012 من جماهيرها الشعبية الحقيقية، ورفدتموهم بالمال قبل وفي أثناء حملة الإنتخابات الرئاسية، وتزوير نتائجها لصالح حزب النور والعدالة الإخواني. وبذا قد أسأتم إلى مصر تلبيةً لإرادة الكيان الصهيوني، كما ألحقنم الضرر بسمعة أمريكا وبالخزينة الأمريكية. ثم رأيتم ورأت الخلائق حقيقة وجوهر وشناعة أفعال هذه الجماعة المتخلّفة فكريًا ونفسيًا. فهل تدري كم من اللوم إنهال على إدارتكم لتسببكم في ذلك؟!

طلقة واحدة

الجماعات المتشددة التي تدَعي “الجهاد”، لم تضرب يومًا إسرائيل في العمق بطلقة واحدة: لا القاعدة أيام ين لادن، ولا بقية الجماعات الجهادية السلفية العربية السنّية العديدة التي انبثقت من رحم أو معطف القاعدة السلفي، فجماعة (أنصار بيت المقدس ) خصوصًا لم تقم بأي عمل لينطبق على إسمها وشعارها الجهادي داخل الكيان الصهيوني لتخليص بيت المقدس من إساره، بل هي ـ كما تعلم وغيرك يعلمون ـ تقتل أفرادًا من الجيش المصري والشرطة المصرية. فهل هذا من الجهاد في شيء؟! أليس إحجام هذه الجماعة عن قيامها بالعمل المنشود منها دليلاً على اتفاق متبادَل مسبق وبعلم إدارتكم؟!

كل هذه الأفعال التحضيرية للإرهاب والعنف والبلبلة المنشودة بقصد تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي مساوئه الجسيمة تقسيم كل قطر عربي وإسلامي إلى أربعة أقسام أو أكثر، لتغدو كيانات هزيلة تحقق إمكانية وجود الكيان الصهيوني أقوى من بقية الكيانات؛ ولا ندري من عيّن أمريكا والغرب والصهاينة أوصياء على مقدّرات وشؤون ومستقبل الشرق الأوسط ، ليجعلوه مختلفًا وجديدًا، كي يُصار إلى تحقيق الأغراض الأنانية المفرطة الغالبة على نفسية الغرب والصهـــــيونية العالمية؟!

    سيادة الرئيس أوباما: حبّذا لو اتّبعتْ إدارتك سياسةً من شأنها أن تكون أمريكا صديقة الشعوب، بدلاً من صديقة الحاكمين الذين تُزكّي تنصيبهم على الكراسي ثم تعمل على خلعهم واستبدالهم، فصداقة الشعوب أسلم وأفضل لكل الأطراف، ولا يعود لأمريكا أعداء يكرهونها، ومن الكراهية تتولّد خلايا العنف والإرهاب ضدّها. فنصف مسببات تولّد التنظيمات الإرهابية وخلايا العنف ضدّ دولتك هي عدم جدّيتك في الإشتراك مع الإتحاد الأوربي في مسعى حل معضلة الشرق الأوسط ، لا بتقسيمه لتفتيت كياناته الحالية، بل حلاً يبدأ من أسّ القضية، وهي الإعتراف بدولة فلسطين العربية بمقتضى نصوص قرارين صادرَين عن مجلس الأمن الدُوَلي بعد حرب عام 1967. إذ بعد حلّها ستتلاشى موجة العداء نحو أمريكا، ويليها إضمحلال نزعة الإرهاب حِيالها ونحو الغرب، وخلافًا لذلك ستمكث حواضن العنف والإرهاب والتكفير والسفك فاعلة ومتحفّزة إزاء الغرب في أقطار الشرق الأوسط ، خصوصًا وأنّ مولّدات عنف وإرهاب أخرى ـ قبل قضية فلسطين وإطالة وتسويف عملية حلّها بشكل مقصود طيلة خمسة عقود ـ ناجمة عن جشع أمريكا وبطرها وأنانيتها المفرطة، ونزعة هيمنتها على مقدّرات الشعوب، وتدخّلها في شؤونهم.