التردي العربي والهيمنة الإستعمارية والطائفية – مبدر الويس

379

ذكرى ثورة يوليو الناصرية سنة 1952

التردي العربي والهيمنة الإستعمارية والطائفية – مبدر الويس

تمر في الثالث والعشرين من شهر يوليو/تموز/2019. الذكرى السابعة والستون لثورة 23/ يوليو/تموز/عام 1952 التي قادها عبد الناصر بحكم وعيه السياسي والثقافي . تلك الثورة التي كان لها تأثيرها البالغ على مصر في المجالات السياسية ،والإقتصادية والإجتماعية والثقافية وغيرها من المجالات . كما كان لها تأثيرها الرائع على وعي الشعب العربي في البلدان العربية في معاداة الأستعمار والصهيونية والذي أدى هذا التأثير إلى إسقاط العديد من النظم العربية المرتبطة بالأستعمار . ففي مصر ألغت ثورة يوليو النظام الملكي الرجعي الموالي للأستعمار البريطاني ،وأقامت النظام الجمهوري . كما ألغت الإقطاع وأصدرت قوانين الإصلاح الزراعي التي أدت إلى تمليك الفلاحين للأرض الزراعية . وبذلك حررت الفلاح المصري من سيطرة الإقطاع . كما أشركت ثورة يوليو العمال في أرباح الشركات ،كما خصصت ثورة يوليو  خمسين بالمئة من أعضاء البرلمان للعمال الصناعيين والزراعيين . كما أممت قناة السويس كشركة عالمية والتي تستولي على أجور عبور السفن الأجنبية علماً إنها واقعة في الأرض المصرية وتحت السيادة المصرية وبذلك حولت موارد قناة السويس إلى الخزينة المصرية . كما أقامت ثورة يوليو مشروع السد العالي الذي أدى إلى زيادة الرقعة الزراعية في مصر وإلى زيادة الأنتاج الزراعي ومن ثم زيادة الدخل القومي للبلاد . كما طبقت ثورة يوليو التعليم المجاني في عموم البلاد في كافة المراحل الدراسية ،من المرحلة الإبتدائية حتى الدراسات العليا ،بعد أن كان التعليم الجامعي حكراً للطبقة الأرستقراطية في البلاد ،فأصبح أبناء العمال والفلاحين سفراء ومدراء ووزراء وضباط وغيرهم كما تم جلاء كافة القواعد العسكرية البريطانية من مصر ،حيث   كان السفير البريطاني هو الذي يشرف على تشكيل الحكومة المصرية ،لأن مصر في العهد الملكي كانت فاقدة لإرادتها وسيادتها . وفي المجال العربي رفعت ثورة يوليو شعار الوحدة العربية ومقاومة الأستعمار والصهيونية وتحرير فلسطين وإسقاط النظم العربية الرجعية المرتبطة بالأستعمار . وسخرت ثورة يوليو كافة وسائل إعلامها لتحقيق هذا الهدف مما أدى إلى ظهور حركات التحرر الوطني العربية في كافة الدول العربية الواقعة تحت الهيمنة الإستعمارية لبريطانيا وفرنسا آنذاك . وفي المجال الخارجي ساندت ثورة يوليو حركات التحرر لشعوب بلدان قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في المحافل الدولية ،من أجل حصول هذه الشعوب على حريتها وأستقلالها من الأستعمار . كما ساندت ثورة يوليو ودعمت حركات التحرر الوطني العربية لأسقاط هذه النظم ،وكان ذلك في فترة المد القومي في خمسينات و ستينات القرن الماضي ،فقامت ثورة العراق سنة 1958 حيث كانت قيادة ثورة يوليو على اتصال بالضباط الأحرار عن طريق صديق شنشل ومحمد حديد . كما قامت ثورة اليمن سنة 1962 وثورة ليبيا سنة 1969 ،كما قامت ثورة الشعب الجزائري بقيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية في الأول من شهر تشرين الثاني 1954 ضد الأستعمار الفرنسي . وقد قدم عبد الناصر كما يذكر المرحوم أحمد بن بلا الدعم العسكري والمالي والإعلامي والسياسي لهذه الثورة منذ إنطلاقها حتى أستقلال الجزائر في عهد شارل ديغول عام 1962 ،أي بعد أستعمار فرنسي أستمر 132 عاماً (1830 – 1962). ويذكر المرحوم أحمد بن بلا وهو أول رئيس للجزائر بعد أستقلالها إن مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الإسرائيلي) على مصر عام 1956 كان بسبب الدعم غير المحدود في مختلف المجالات الذي قدمه عبد الناصر للثورة الجزائرية . والمعلوم إن ثورة يوليو أرسلت آلاف الجنود لحماية ثورة اليمن بقيادة عبد الله السلال ،وقد سقط آلاف الشهداء من الضباط والجنود من أجل حماية الثورة إنطلاقاً من المفهوم القومي والمصير العربي الواحد الذي يؤمن به عبد الناصر في مواجهة التدخل السعودي الرجعي في أرسالها المرتزقة في محاولة لإنقاذ نظام الإمام محمد البدر المتخلف ،والذي أنتهى وإلى الأبد بفعل دعم وإسناد ثورة يوليو . وفي المجال العربي رفعت ثورة يوليو شعار الوحدة العربية ،وسخّرت مختلف وسائل إعلامها لتحقيق هذا الهدف الذي تحقق في وحدة مصر وسوريا كنواة لوحدة عربية شاملة ،وقيام الجمهورية العربية المتحدة في 21/شباط/1958 . إن قيام دولة الوحدة تشكل ضماناً لقيام نهضة وحضارة عربية وفي قيام مجتمع علمي- تكنولوجي متحضر بما تملكه الدول العربية المنظمّة لدولة الوحدة من إمكانات أقتصادية وعلمية وثقافية وغيرها . كما يؤدي قيام دولة الوحدة إلى تحرير الأراضي العربية المغتصبة والمحتلة وفي مقدمتها فلسطين العربية بفعل القدرات العسكرية التي تملكها دولة الوحدة . كما تشكل دولة الوحدة خطراً على مصالح الغرب في المنطقة العربية . لذلك أستخدمت القوى الإستعمارية وخاصة الولايات المتحدة ،مختلف الوسائل للحيلولة دون قيام الوحدة العربية من خلال سعيها إلى فعل دولة الوحدة النواة الجمهورية العربية المتحدة بالتعاون مع الصهيونية والنظم العربية الرجعية وفي مقدمتها السعودية وذلك من خلال إنقلاب عسكري مشؤوم أدى إلى فصل سوريا كأقليم شمالي في الجمهورية العربية المتحدة عن مصر كأقليم جنوبي في 28/أيلول/عام 1961،علماً إن إنضمام سوريا لدولة الوحدة كان من خلال أستفتاء شعبي بما يشبه الإجماع . ومن المفارقات إن رحيل عبد الناصر كان في يوم الإنفصال ولكن في عام 1970.

مشروع وحدودي

كما يشكل وجود دولة الوحدة خطراً على وجود الكيان الصهيوني والنظم العربية الرجعية ،لذلك من أجل التخلص من عبد الناصر ومشروعه الوحدوي الذي لا يتحقق إلاّ بإسقاط النظم العربية الرجعية وفي مقدمتها السعودية حيث حاولت السعودية وبتوجيه أمريكي أغتيال عبد الناصر من خلال زيارة كانت مقررة له إلى دمشق عام 1959 عن طريق عبد الحميد السراج الذي كان يشغل منصب رئيس المجلس التنفيذي في سوريا كأقليم شمالي أي رئيس وزراء ،وعند وصول عبد الناصر إلى دمشق سلم السراج الشيك ومقداره مليوني دولار إلى عبد الناصر . وقد ذكرت الصحف في حينه إن عبد الناصر أستخدم هذا المبلغ في بناء برج القاهرة الشهير بسبب القوة الشرائية لهذا المبلغ آنذاك ،إن القوى الوحدوية في البلدان العربية تعمل دائماً وأبداً على إسقاط النظم العربية الرجعية المتحالفة مع الأستعمار وفي خدمة الصهيونية وأي نظام عربي معادي للوحدة لأن إسقاط هذه النظم هو السبيل الوحيد لتحقيق الوحدة العربية الشاملة بأسس ديمقراطية تضمن المساواة والحقوق والحريات لجميع مواطني دولة الوحدة . فالكيان الصهيوني يسعى مع القوى الإستعمارية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ،ليس فقط دون إقامة دولة الوحدة وإنما العمل على تفتيت البلدان العربية القائمة وتقسيمها ويذكر د. “أسعد السحرماتي” في كتابه ” الناصر ” الصادر عام 2019 في بيروت ،بأن الصهيوني شمعون بيرز صاغ خطة ضد الأمة العربية في كتاب أصدره عام 1993 بعنوان (الشرق الأوسط الجديد) وكذلك كتاب ” الصهيوني بنايمين نتنياهو ” بعنوان (مكان بين الأمم) . ثم كان بعد إصدار هذين الكتابين إصدار خطة من مؤسسة ” رند ” في واشنطن كانت تمثل التطابق الأمريكي الصهيوني في التآمر على الأمة العربية والعمل لمشروع تقسيمي جديد أو ما سمي سايكس – بيكو رقم (2) ،ومشروع مؤسسة ” رند ” أعلن مطلع العام (2000) تحت عنوان أستراتيجية ” الشرق الأوسط الكبير” والمشروع الشرق أوسطي الصهيوني الأمريكي الذي يعمل لتقسيم البلدان العربية ومعها الدول الإسلامية ليبقى الكيان الصهيوني في فلسطين أقواها ويتحكم فيها ،بعد أن سلم الغرب هذا الكيان بأسلحة نووية وتكنولوجية متطورة . ولتحقيق هذا الهدف عملت الإدارة الأمريكية ومعها الكيان الصهيوني على تمويل جماعات أسلامية في السنوات الأخيرة مع تمويل قطري، وقد أستلمت هذه القوى السلطة في كل من تونس ومصر والتي سميت بالربيع العربي ،في حين كان ربيع أمريكي – صهيوني ،حيث أستطاعت القوى الإسلامية في هذين البلدين أستلام السلطة بالدعم الأمريكي القطري فمارست التمييز والأستبداد بيد إن شعبي البلدين أستطاعا التخلص منهما لاحقاً . كما شكلت الإدارة الأمريكية منظمات إرهابية كالقاعدة وداعش لتدمير البلدان العربية وتقسيمها إن أمكن لصالح الكيان الصهيوني في فلسطين ،كما هو الحال في سوريا والعراق وغيره من الدول العربية . ويرى د . أحمد السحمراتي إن الأمن العربي لا يتحقق على أساس التجزئة ولا التقدم أو التحرير يتحقق بلا صيغة وحدوية . لذلك فإن تفتيت الأمة العربية منذ سايكس – بيكو إلى اليوم هدف صهيوني أستعماري لأنه يحوّل قوة الأمة العربية وطاقاتها إلى نزاعات وحروب بين بلدانها على أساس قطري أو طائفي أو ديني أو مذهبي أو عرقي ،والرد هو الإلتزام بالمنهج الوحدوي فكراً وممارسة على مستوى الأفراد والجماعات ،فالوحدة أساس النصر والتحرير والتقدم والأمن ،والفرقة والإنقسام يقودان إلى الهزائم والتخلف ،وتمكين المحتل من البقاء في أحتلاله . ولأهمية الوحدة في بناء الحضارة والتحرير يذكر عبد الناصر (لقد سٌئلت كيف أنهزم العرب في فلسطين ولهم سبعة جيوش ولأسرائيل جيش واحد ،فأجبت إن السبب كان للعرب سبعة جيوش ،ولو كان لهم جيش واحد لأستطاعوا إنقاذ فلسطين) ” وأضاف عبد الناصر قائلاً كانت الفرقة هي سبب إنكسارنا وكانت الفرقة هي سبب هزيمتنا ،وكانت الفرقة هي سبب ضياع فلسطين ” وأضاف عبد الناصر إن الوحدة التي تنبض بها القلوب في كل مكان هي سبيلنا إلى القوة التي نسعى إليها لا يمكن أن تتحقق إلاّ إذا أتحد العرب ،لذا فلا غرابة أن نرى الأستعمار والصهيونية تظهر الخوف والإنزعاج من وحدة العرب ” وأضاف عبد الناصر قائلاً إن إستهداف فلسطين بالمشروع الأستيطاني الإحلالي كان مؤامرة على الأمة العربية كلها ،ولوضع حاجز يمنع وحدتها ،ولا يكون تحرير فلسطين إلاّ بالوحدة ولا تقوم الوحدة إلاّ بتحرير فلسطين” و أضاف ” إن هناك قضية تمس شرف كل عربي ،فيجب أن نعمل بكل طاقاتنا لنعيد لشعب فلسطين حقوقه وهذا يتطلب الوحدة ،ولقد أستخدم أعداء العرب التفرقة والكراهية ،ولكن بوحدة الشعب العربي نستطيع أن نحقق الهدف العربي في كل مكان وأستعادة حقوق شعب فلسطين ،والتضامن الكامل بين أبناء الشعب العربي من أجل الهدف الكبير وهو قضية فلسطين . كما ذكر عبد الناصر في أحد خطبه للجماهير العربية حيث قال (كلنا سندافع عن عروبتنا حتى يمتد الوطن العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي) فأعداء الوحدة كثيرون ولا تقتصر على القوى الأستعمارية والصهيونية العالمية والنظم العربية الرجعية وإنما تشمل أي نظام عربي دكتاتوري سلطوي أضافة إلى الأحزاب الإسلامية وااليبرالية وحزب البعث وغيرها من الأحزاب التي تبحث عن السلطة في البلدان العربية ،ويمكن القول إن من يعادي الوحدة  يقف في صف الأستعمار والصهيونية المعادية للوحدة بالأساس . إن الواقع العربي القائم في أسوأ حالاته من التردي والإنحطاط . فالنظم العربية كلها بشكل أو آخر واقعة تحت الهيمنة والتبعية للقوى الإستعمارية بشكل أو آخر . فبعض هذه النظم تسودها حروب أهلية من أجل السلطة كما هو الحال في سوريا واليمن وليبيا والصومال . وبعض النظم العربية يفتقد الأمن والأستقرار وتسوده الفوضى وغياب سلطة القانون ،كما هو الحال في العراق ولبنان والسودان والجزائر وبعضها لا يزال يقاوم عصابات داعش الإرهابية كما هو الحال في تونس ومصر وحتى العراق وسوريا . والمعلوم إن عصابات داعش شكلتها الإدارة الأمريكية لتدمير البلاد العربية وقد أعترف ترمب بذلك خلال حملته الانتخابية للرئاسة كما سبق لوزيرة خارجية أمريكا السابقة “هيلاري كلنتن”  أن أعترفت بذلك  أما الجامعة العربية فلم يعد لها أي دور في حفظ الأمن والأستقرار في الدول العربية . فالجامعة واقعة تحت الهيمنة الأمريكية من خلال النظم العربية الرجعية التي تقودها السعودية . كما أن التردي العربي القائم اليوم يشكل بداية للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين وأراضي عربية أخرى كالجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية ،حيث مؤخراً زار الصهيوني ” بنايمين نتنياهو” رئيس وزراء الكيان الصهيوني مسقط في سلطنة عٌمان بدعوة رسمية ،وقد صرح وزير خارجية عٌمان بن علوي بلا خجل بأن أتصالاتنا مع إسرائيل كانت سرية والآن أصبحت علنية . كما زار رئيس الموساد في الكيان الصهيوني مؤخراً كل من السعودية والإمارات كما أستقبله ملك البحرين في المنامة ،كما ذكرت الأنباء هناك وفد إعلامي إسرائيلي زار البحرين في منتصف حزيران 2019 ،والمعلوم سبق لوزير خارجية قطر أن صرح بأن من حق إسرائيل أن تعيش في أرضها بأمان والمعلوم إن قطر تقوم بدور مشين في خدمة الكيان الصهيوني والأستعمار الأمريكي فهناك مكتب يضم دبلوماسيين صهاينة في الدوحة ومكتب لقطر في تل أبيب . وتبع تصريح وزير خارجية قطر تصريح مماثل لولي العهد السعودي ،أي إن فلسطين في نظر هؤلاء الذين يمثلون دولهم هي أرض إسرائيلية . كما صرح وزير الدولة للشؤون الخارجية ” أنور قرقاش ” الإماراتي بأن القرار الذي أصدرته الجامعة العربية سابقاً بمقاطعة إسرائيل كان خطأ . والمعلوم إن النظم العربية التي أصدرت هذا القرار هي نفسها تنتهك هذا القرار وهذه النظم لا تحترم التزاماتها وتفرض عليها الإدارة الأمريكية ماتريد . وهذا يذكرنا بالقرار الذي صدر عن مؤتمر القمة العربية في الخرطوم بحضور عبد الناصر في أيلول/عام 1967 ،حيث صدر القرار بأنه (لا صلح لا تفاوض لا أعتراف بأسرائيل) وقد سمي بمؤتمر اللآت الثلاث ،وبعد رحيل عبد الناصر عام 1970 تحول الوضع العربي إلى صلح وتفاوض وأعتراف مع الكيان الصهيوني ،حيث أعترف السادات في مؤتمر ” كامب ديفد ” في أمريكا بحضور رئيس وزارء الكيان الصهيوني مناحيم بيكن والرئيس الأمريكي كارتر بالكيان الصهيوني دون أن تكون هناك ضرورة لهذا الأعتراف . والمعلوم إن المرحوم حسين الشافعي الذي كان نائباً لرئيس الجمهورية العربية المتحدة قال في برنامج ” شاهد على العصر ” في محطة الجزيرة الفضائية قبل وفاته بسنوات ،بأن السادات كان مرتبطاً بالمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) منذ عام  1965 كما أعترف الملك حسين ملك الأردن بالكيان الصهيوني. كما إن ملك المغرب ” محمد السادس ” يستقبل دائماً مسؤولين إسرائيلين في بلاده وهو رئيس لجنة حماية ” القدس”  المحتلة ،فهو يمثل أستمراراً لسياسة والده ” الحسن الثاني”  في التبعية لأمريكا والأتصال مع الكيان  الصهيوني . ويذكر المرحوم المناضل أحمد بن بيلا أول رئيس للجزائر بعد أستقلالها عام 1962 ،على هامش دعوة عشاء أقمتها له في لندن عام 1997 فقد ذكر بين ما ذكر ،بأنه في فترة الكفاح المسلح ضد الأستعمار الفرنسي للجزائر ،وقبل أستقلال الجزائر بفترة وجيزة ،كان موجوداً في الرباط عاصمة المغرب وقرر الذهاب إلى القاهرة لمقابلة عبد الناصر مع بعض قادة الثورة الجزائرية ،وإن الطائرة التي نقلتهم إلى القاهرة من الرباط قد تم خطفها من قبل القوات الفرنسية وتم أعتقالهم ،وقال إن الذي أخبر الفرنسيين بوجودنا في هذه الطائرة هو الحسن الثاني ملك المغرب .

وهكذا أصبح النظام العربي المتردي والتابع والمرتبط بالأستعمار في ظل هذا النمط من الحكام جاهز للتطبيع والأعتراف بالكيان الصهيوني وضياع فلسطين . ولا يفوتني أن أذكر ما تقوم به قطر من ممارسات لخدمة الكيان الصهيوني في فلسطين ،حيث ظهر في إحدى محطات التلفزيون قبل عام تقريباً السيد صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينين يستنكر قيام قطر في الأستثمار في بناء المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة ،والمعلوم إن هناك مكتب أسرائيلي يضم دبلوماسيين في الدوحة كما إن هناك مكتب قطري في تل أبيب .

صمت الجامعة

كل ذلك يجري في ظل صمت الجامعة العربية التي أصبحت تمثل نظم عربية مرتبطة بالأستعمار ومن وسائل التدمير للبلدان العربية التي تمارس اليوم هو أستخدام الإسلام السياسي في سلطة الدولة ،ويعتبر العراق نموذجاً لهذه الممارسة منذ سقوط النظام السابق عام 2003 وحتى اليوم 2019.  فنظام المحاصصة الطائفية القائم في العراق صاغته الإدارة لأمريكية في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية للفترة بين 15-17/كانون أول/عام 2002 ،وقد أنعقد هذا المؤتمر بإشراف أمريكي ” خليل زاد” من أصل افغاني ،وشكل هيئة سياسية من (65) شخصاً تم تقسيمهم على أسسس طائفية أثنية عرب شيعه و سنة ،وكرد ،وتركمان ،وآشوريين . وقد طبقت هذه الصيغة الطائفية في كافة الوزارات التي شكلت منذ سقوط النظام السابق عام 2003 وحتى اليوم . لقد أدت المحاصصة الطائفية في الحكومات العراقية المتعاقبة إلى فساد الحياة السياسية ،وإلى الفساد المالي والإداري في إدارة الدولة من خلال أنتشار الرشوة ،وأختلاس المال العام ،وتزوير الشهدات للتعيين في مؤسسات الدولة ومرافقها ،وتزوير السندات الرسمية للإستيلاء على عقارات المواطنين ،وقد نشرت الصحف بأن هناك أكثر من (20) ألف عقار في محافظة بغداد وحدها تم الإستلاء عليها من قبل عصابات إجرامية قامت بتزوير سندات هذه العقارات لصالحها . كما أن المحاصصة الطائفية التي أتبعتها الحكومات العراقية منذ سقوط النظام السابق كانت السبب في الإقصاء والتمييز بين المواطنين في وظائف الدولة على أساس ديني ،مسلم مسيحي أو مذهبي – شيعي – سني . وقد أدى هذا السلوك الذي لا زال قائماً – ولو بدرجة أقل من السابق – إلى هجرة الكفاءات وأصحاب الأختصاص إلى الدول الأجنبية والعربية كما إن الانتخابات البرلمانية العامة ومجالس المحافظات تتم على أساس المحاصصة الطائفية ،ولو كان هناك في العراق قضاء مستقل ومهني ومحاييد لألغى العملية السياسية القائمة في العراق على أساس المحاصصة الطائفية ،فالمادة القانونية في بريطانيا وفرنسا والموجودة كنص دستوري في الدستور العراقي النافذ تقول (إن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون) كما تنص المادة الأولى من الدستور العراقي النافذ (بأن نظام الحكم في العراق جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي) والديمقراطية تعني إقامة نظام سياسي يضمن المساواة بين المواطنين دون تمييز بسبب اللغة أو العنصر أو الدين أو المذهب أو الثروة أو المركز ألخ.. كما تضمن الديمقراطية حقوق امواطنين وحرياتهم . كما أن الديمقراطية كفلسفة قانونية سياسية ،فهي في طبيعتها علمانية ترفض كل أشكال الطائفية وما يسمى بالمحاصصة . وهنا يبرز دور القضاء في الرقابة القضائية على ما تصدره السلطة التنفيذية ومؤسساتها من قرارات ،حيث تلغى إذا كانت تنتهك حقوق المواطنين وحرياتهم . فالرقابة القضائية أحد عناصر الدولة القانونية . حيث لا دولة قانونية – أي ديمقراطية بلا رقابة قضائية التي هي غائبة ولا وجود لها في ظل نظام المحاصصة الطائفية في بلادنا . والمعلوم إن نظام القضاة والمحاماة في بلادنا تنقصه المهنية بسبب نقص الدرجة العلمية الكافية للأداء بواجب المهنية كما يجب أن يكون كما هو الحال في النظم القانونية المتحضرة ،ففي بريطانيا لا يمكن ممارسة المحاماة إلاّ بعد حصول الشخص على درجة الماجستير في القانون وهذا لا يكفي إلاّ بعد دخوله بعد شهادة الماجستير كطالب متدرب في أحد شركات المحاماة للتدريب لمدة ثلاث سنوات بعد ذلك يصبح محامياً . أي إن الشخص كي يمارس المحاماة في بريطانيا يجب أن يكمل كلية الحقوق أولاً وهي ثلاث سنوات دراسة مركزة ثم شهادة الماجستير في القانون ومدتها سنتين إذا أستطاع ذلك ثم تدريب على نظام المحاماة في إحدى الشركات لمدة ثلاث سنوات . أي إن الشخص لا يكون محامياً في بريطانيا إلاّ بعد دراسة وتدريب لمدة ثمانية سنوات وهؤلاء المحامين يصبح منهم أساتذة في الجامعات وقضاة في المحاكم ،والأغلبية الساحقة منهم يستمر في الدراسة للحصول على درجة الدكتوراه في حين في بلادنا يصبح الشخص محامياً مباشرة بعد تخرجه من كلية الحقوق وهو لا يفهم شيء من القانون وليس لديه الخبرة العملية ،كما أن القاضي يجب أن يدخل معهد قضائي لفترة وجيزة بعد كلية الحقوق لكي يصبح قاضياً وهذا لا يكفي مهنياً وعلمياً لذلك يجب إعادة النظر في وضع القضاة والمحامين في بلادنا كما هو جار في بريطانيا من أجل رفع المستوى العلمي والكفاءة المهنية للقضاة والمحامين في بلادنا . وفي هذا السياق لقد أدى التمييز الطائفي إلى القتل على أساس الدين أو المذهب ،حيث تم قتل أعداد كبيرة من إخواننا المسيحيين أصحاب الكفاءات والذين ساهموا في بناء هذا البلد ،وقد تمت هجرة مئات الآلاف منهم إلى الدول الأوربية ولم يبقى منهم ألاّ القليل . كما سببت المحاصصة الطائفية إلى ظهور الميشيات المسلحة التي يمارس بعضها الخطف والقتل الطائفي والإستيلاء على بعض محلات الذهب والصيرفة دون ردع لوقف هذه التجاوزات الخطيرة حيث إن هذه المليشيات مسلحة بأسلحة ثقيلة تقدم لها من الدولة والتي ساهمت في إنشائها لحماية النظام الطائفي حيث أصبحت هذه المليشيات بعددها وتسليحها الثقيل أقوى من القوات المسلحة ،حيث إن إدعاء الحكومة بأن هذه المليشيات مرتبطة بالقوات المسلحة ،هذا من الناحية النظرية تتصرف هذه المليشيات وفق إرادتها . حيث لا يوجد في أي دولة في العالم سوى قوات مسلحة واحدة تابعة لوزارة الدفاع والقائد العام . لذلك من أجل الحفاظ على الأمن والأستقرار في البلاد يجب حل هذه المليشيات وأنتماء من يرغب من أعضائها إلى القوات المسلحة الرسمية في الدولة إذا أريد لهذا البلد أن يتطور ويستقر . كما إن مبدأ فصل السلطات المطبق في النظام الديمقراطي لا وجود له في نظام المحاصصة الطائفية في العراق . فعلى سبيل المثال رئيس البرلمان يسافر إلى دولة أجنبية ويبحث مسائل سياسية وهي من أختصاص السلطة التنفيذية وتحديداً وزارة الخارجية . كما أن أعضاء في السلطة التنفيذية يتدخلون في  شؤون التشريع ،الذي هو واجب البرلمان كسلطة تشريعية أو يتدخل في شؤون السلطة القضائية . حيث إن واجب السلطة القضائية بما تملكه من سلطة رقابية بحكم القانون إن تمنع هذا التدخل ضماناً لتحقيق مبدأ فصل السلطات .

الغاء نظام

ومن الجدير ذكره إن الحكومات المتعاقبة في العراق منذ سقوط النظام السابق حتى اليوم لم تفكر أبداً في إلغاء نظام المحاصصة الطائفية الفاسد كما لم تحاول أبداً وقف الفساد ومحاسبة الفاسدين والسبب إن الحكومات المتعاقبة جائ بها نظام فاسد معادي للديمقراطية هو نظام المحاصصة الطائفية الذي مزق الشعب وأفسد الحياة السياسية في البلاد ،ووضع العراق تحت الهيمنة والتبعية للقوى الأجنبية ،بفعل سلوك الكتل السياسية الطائفية التي تحكم البلاد ،والتي تبحث  عن السلطة والثراء . كما ألغت المحاصصة الطائفية مبدأ المساواة بين المواطنين دون تمييز بسبب سياسة الإقصاء على أساس ديني أو مذهبي في مرافق الدولة ومؤسساتها وبذلك تم إلغاء مبدأ المساواة الذي يمثل العنصر الأساسي في الديمقراطية  . كما ألغت المحاصصة الطائفية دور القضاء وفي الرقابة القضائية على أعمال السلطتين التنفيذية والتشريعية وبذلك ساهمت المحاصصة الطائفية في إنتشار الفساد المالي والإداري والجريمة المنظمة في البلاد . إن الحل يكمن في تغيير جذري شامل شامل يتطلب إلغاء المحاصصة الطائفية وعدم تدخل الدين في السياسة ،من خلال حظر الأحزاب الدينية أو ذات مرجعية دينية في العمل السياسي ،ويتطلب ذلك وضع دستور جديد يتضمن الديمقراطية لنظام الحكم بعيداً عن الدين . كما يجب النص في الدستور أن يكون هناك نائب لكل 100 مئة ألف من المواطنين بالغي سن الرشد أي (18)  ثمانية عشر عاماً فما فوق وهؤلاء لهم الحق في الانتخابات والتشريع لكي يصبح عدد أعضاء البرلمان نصف العدد في البرلمان القائم اليوم ،الذي يشترك في الانتخابات 100 ألف لكل نائب من الصغار والكبار وليس بالغي الرشد فقط . وهناك إصلاحات عديدة يجب تنفيذها لا مجال لذكرها ،وفي مقدمتها القضاء على الرشوة والتزوير في مؤسسات الدولة كافة ،خصوصاً وإن الطائفية والمحاصصة سَببَ في زيادة الفقر بين أبناء الشعب العراقي إلى  50% خمسين في المئة وإلى زيادة نسبة الأمية التي تتجاوز 20% العشرين في المئة من الشعب .

لذلك فإن بقاء الوضع القائم في العراق على حاله سوف يؤدي إلى تخلف العراق وشعبه علمياً وثقافياً وأقتصادياً وإلى فقدان الأمن والأسقرار في العراق ووضع العراق أكثر وأكثر تحت الهيمنة والتبعية للقوى الأجنبية إن ذكرى ثورة يوليو/تموز الناصرية عام 1952 تمثل العصر الذهبي في النضال ضد الأستعمار والصهيونية والنظم العربية الرجعية كما تمثل مشروعاً وحدوياً حضارياً للأمة العربية لأعادة المجد العربي وفي تحرير فلسطين .

مشاركة