التراث بين الماضي والحاضر

التراث بين الماضي والحاضر

عبد الرزاق الكرم الحميري

يجب على الإنسان، أن يعرف ماضيه ويؤسس له ذكرى في مستقبله والاهتمام بالتراث هو أول مظاهر الحب والاحترام للآباء والأجداد، ومن الاهتمام بالماضي ينفتح أول باب أمام الحاضر والمستقبل. والزمن واحد لا يتجزأ : لا بداية ولانهاية ، الماضي يعيش فينا، ونحن نعيش منه ، والمستقبل يعيش علينا.

ولكن ، هل ان اهتمامنا بالتراث هو لمجرد الاهتمام؟ والجواب على ذلك : انه أول مظاهر الاحترام والاحترام ابسط فوائده.. وتتبع الاحترام فوائد اكبر واخطر، وعندئذ نتعدى سلوك الاحترام الى سلوك المعرفة والتعمق، الى العلم والتقدم .. ودراسة التاريخ ولاسيما (التراث) هي التعمق في اصول وتتبع جذور حضارتنا وهي الاطلاع على قاعدة الارتكاز ونقطة الانطلاق لحاضرنا، وتتبع لسير حضارتنا وتاريخنا وقد لايكترث البعض بهذه القاعدة ودراسة التراث هي الولوج الى عالم المعرفة الواسعة المتكاملة، إذ لايوجد فرع ولا جزئية من معرفة حالية لا ترتبط بسابقة أدت اليها، والسابقة تمتد الى سابقتها، أي الى ميدان التراث الذي نحن بصدده، وهو المنبع  الام والعارف للتراث، في موضوع عمله أو هويته، هو الوحيد الذي يمكن ان يفخر بامتلاكه لأول مفاتيح المعرفة الحقة، وهو الوحيد الذي يستطيع ان ينقل المعرفة ويكتبها ويعلمها لجيله. واساتذة الادب والفن والتاريخ والشعر الجهابذة والمتمرسون هم اللذين درسوا التراث وعشقوه، وهؤلاء المربون هم الذين خلدهم انتاجهم وتلامذتهم وشعبهم. فمدرس التاريخ والادب الحديث القدير هو من عرف مسبقا التاريخ والأدب القديم أيضا، وأستاذ الفن المعاصر هو من هضم مسبقا أيضا الفن الغابر-والشاعر المجدد هو المتمرس الذي سبق ان امتص واستفاد ووعى الشعر القديم فتمكن من تجديده والانطلاق به الى ما وصل اليه.

وهكذا نرى كيفية ان التراث ظهير ونصر لعشاق الحرفة المبدعين والمبتكرين والمجددين الخالدين. ومثال ذلك : لم يتمكن (طه حسين)، ان يحتل مكانه الأصيل المرموق في النقد والأدب والتاريخ الا بعد ان نقب بعقله الثاقب طوايا وخفايا التراث العربي، وزاد على ذلك بدراسة تراث الإغريق ولا يعني ذلك ان كل من درس التراث ونقب فيه اصبح من مشاهير الكتاب أو المربين ، الا ان التراث اصبح عنصرا مكملا ومغذيا لمن تكون فيه القابليات المطلوبة ليكون ذلك الكاتب المجيد والأديب الفذ والشاعر الكبير والناقد الواسع الأفق ودراسة التراث تعزيز للعلوم المتعددة. وإعلاء لشأن المرء بحد ذاته وهنا .. التراث، اذن ليس دراسة الشيء مات واندثر ، انه دراسة لأفكارنا البشرية المتنوعة التي تحيا فينا دون ان ندري، فهي اشبه بدراسة اللاشعور ويتألف من تراث الافكار والعادات والاتجاهات المندثرة فينا (( ظاهريا)). ولعله عند هذا المستوى من اللاشعور السلالي ((التراث)) نجد تفاسير لاغرب سلوك بشري يحدث في السبعينات، بل لعله عند هذا المستوى من اللاشعور ايضا تلتقي اعرق التراثات وتمتزج في تراث بشري واحد. ولكن لانستغرب في حديث عن علم نفس صرف، نرجع الى التراث لنقول : ان دراسة التراث هي دراسة لانفسنا ايضا وليست لاشياء ماتت، فليس ثمة موت الا للاجساد، اما الفكر والعلم والادب فقائم وأزلي في الوجود بالمفهوم الفلسفي، وهو قائم وأزلي بالمفهوم البيولوجي ايضا، لانه ثبت لنا ان الجينات هي نابعة من اصل جينات اجدادنا وسلالاتنا، لكنها تتجمع وتتجدد بوسائل وعلاقات متعددة ابد الدهر، وبذلك تختلف امكاناتها وعطاءاتها وكذا صفراتها.

ودراسة التراث لا تستوجب أو تحتم على الكاتب تمجيد التراث وشتان بين الدراسة والتمجيد، ولعل مكابرة البعض وإهمال الآخرين وبرود البقية من المتنكرين للتراث خلط بين الدراسة والتمجيد، والحقيقة التي غابت عن هؤلاء، ان الدعوة الى إحياء ودراسة وتحقيق التراث، لا تعني الدعوة الى تمجيده بالضرورة، لان التمجيد أو النقد أو الذم أو الطعن يتوقف على نتيجة دراستنا له.

وقد نقع من تراثنا على الغث والسمين، والجيد والرديء، والصحيح والخاطئ. وعندئذ فقط يحق لنا ان نمجد أو ننقد. ان التمجيد لذاته – وجزافا-سلوك مريض يرفضه المصلون والمفكرون.. اما الدراسة فهي تعليم ومعرفة واكتشاف :

1-            تعليم للنواحي الجيدة

2-            معرفة أخطاء الأقدمين

3-            اكتشاف زوايا منسية.

4-            اكتشاف حقائق ضائعة.

5-            اكتشاف جوانب مخفية.

ومن هذه المزايا يتم البناء الحاضر ليكون متكاملا وواعيا وحذرا من المزالق والثغرات. فاهتمامنا بالتراث هو واجبنا نحو ماضينا وتجاه حاضرنا ومن اجل مستقبلنا. والاهتمام غير التمجيد أو الطعن- فلكل مقامه ومقاله وكتاب ، والواجب الإنصاف، يدعونا جميعا ان نمجد ((ونستفيد)) متى اقتضى الأمر ذلك، وان ننتقد متى اقتضى الأمر ذلك أيضا، وهذه الخلفية التي يستند اليها ويحتمي بها كل انتاج فذ معاصر . وليس من الضروري ان الخلفية بارزة للعيان طالما كانت ثمة صلة روحية كامنة بين الاثنين ولذلك قلنا : ان للتراث ((ظهير)) لمن يريد والظهير هو الذي يمثل الخليفة التي يتحدث عنها كثيرون.

ودراسة وتحقيق التراث لا تعني أيضاً التعصب والضيق الفكري، لان التراث ثقافة ما أعلاه وتعزيز لتراث ثقافة أخرى قومية أخرى. وما اجمل والذ ان يلتحم التراثان والثلاثة في مساجلات ومناقشات وحفلات ومآدب عقلية لمزيد من التعأون والاخوة البشرية والعدالة الاجتماعية . وهكذا يكون التأريخ والتراث علم الحركة وعلم الحياة وليس علم الاموات والحوادث المتفرقة. لذلك اصبح إحياء التراث من الواجبات والمهمات الأساسية للمؤرخين والمحققين والباحثين.

فالكتابة عن التراث تتطلب من الجميع التجديد والإضافة على ما سبق، وتتطلب الكشف عن طرائف وحقائق، ولا الاعتماد على التكرار أو إثارة نقاش وجدال غير مثمر ، والتراث يعلمنا الكثير الكثير، وأول ما يعلمنا هو التواضع وتجنب غرور العصور القديمة، وهذه همسة متواضعة في آذان الذين يكابرون ويتجاهلون ، وينفخون في حفنة رماد ظانين انهم سيضرمون نارا عظيمة من آدب وفن، وتاريخ دون حاجة لشرارة ووقود ومؤونة من ((تراثهم)) العريق المجيد.