التجربة الصينية – نبز شهرزوري

التجربة الصينية – نبز شهرزوري

تُعد التجربة الصينية واحدة من أبرز التحولات الاقتصادية في العصر الحدیث، إذ انتقلت الصين من الفقر والتشتت الاقتصادي إلى موقع متقدم ضمن أكبر القوى الاقتصادية عالميًا، عبر سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية وتخطيط  دقیق، انطلقت اواخر السبعینات من القرن الماضي، والتي أعادت هيكلة الاقتصاد الصيني على الانفتاح التدريجي على السوق العالمي.

إن التجربة الصينية تمثل نموذجًا تنمويًا فریدا وقد أثبتت قدرتها على تحقيق نمو اقتصادي هائل، ورفع مستويات المعيشة، وإحداث تحول بنيوي في الاقتصاد الوطني، حیث بلغت المیزانیة السنویة لعام  2025 حوالي (19) تريليون دولار.كانت الصين تعاني ضعف الإنتاجية وانخفاض مستويات الدخل، غير أن تبني برنامج «الإصلاح والانفتاح» التي أطلقتها القيادة الصينية عام 1978 للانتقال التدريجي من ( التخطيط المركزي ) إلى ( اقتصاد السوق الاشتراكي)، وهي عملية إصلاح هيكلي تهدف لتحرير الأسعار، الخصخصة، تشجيع الاستثمارات الأجنبية، أدى إلى تحرير تدريجي لاغلب القطاعات الوطنیة ، مع تشجيع نقل التكنولوجيا الصناعية من الشركات الغربیة، التي كانت تهدف للحصول علی اكبر نسبة ممكنة من الارباح، في المقابل الصین كانت هدفها الحصول علی ادق تفاصیل العلمیة للتقنیات الحدیثة لكي تصبح قوة الصناعیة كبری وبذلك غیرت موازین القوی الاقتصادیة وشكلت هذه الإجراءات نقطة تحول كبیر، إذ سمحت للصين بالاندماج في الاقتصاد العالمي. (مجلة بزنس).

ورشة العالم

تحولت الصين إلى مركز صناعي عالمي، بفضل الانفتاح الاقتصادي حتى وصفت بـ»ورشة العالم»، بحسب بيانات البنك الدولي، عدد الصينيين الذين خرجوا من دائرة الفقر، خلال العقود الأربعة الماضية، وصل إلى أكثر من 850 مليون شخص، مما يعد أسرع انخفاض للفقر في التاريخ الحديث، وأعلنت الصین رسمياً القضاء على الفقر في عام 2020 بفضل الانفتاح و الإصلاحات الاقتصادية. وشهدت الصادرات الصينية نمواً استثنائياً منذ عام 1978، حيث قفزت الصادرات من نحو 10 مليارات دولار فقط ، إلى حوالي  3.4 تريليون دولار في عام 2025 ، ما جعل الصين من أكبر الدول المصدّرة عالميًا، بفضل ( انخفاض تكاليف الایدي العاملة، البنية التحتية الواسعة، جذب الشركات متعددة الجنسيات للاستثمار ) موقع ( tradingeconomics) إلا أن هذا التحول لم يكن مجرد استفادة من رأس المال الأجنبي، بل ارتكز كذلك على استراتيجية طويلة المدى لاكتساب التكنولوجيا وتوطينها، ثم تطويرها محليًا.

وقد شهدت الصين خلال العقود الأخيرة توسعًا ملحوظًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والتصنيع عالي القيمة، والذكاء الاصطناعي، بما يعكس انتقالها التدريجي من اقتصاد يعتمد على كثافة العمل إلى اقتصاد قائم على الابتكار.تعد الصين حالیا أقوى محرك للنمو الاقتصادي العالمي، وإنها تسهم بـ 35% من النمو الاقتصادي العالمي. ( بنك ستاندارد تشارترد ).تسعى بكین لاستدامة نموها الاقتصادي عبر التوازن بين سياسات الدولة وتعزيز الاستهلاك الداخلي وتجنب ضغوط النزاع التجاري مع واشنطن، من خلال تعميق التكنولوجيا، تنويع الصادرات، حماية الإمداد، لضمان استقرار نمو متوقع دون 5% ،كما قال (قال الرئيس الصيني شي جينبينغ).

فقد أثبتت التجربة الصينية أن الإرادة السياسية الفعالة والتخطيط طويل الأمد و رؤى جديدة لدی الصینیین، قادرة على إحداث تحولات تاريخية عميقة، ومن خلال هذا النموذج  تمكنت الصين من إعادة تشكيل موقعها في قلب الاقتصادي العالمي خلال فترة زمنية قصيرة .