التأثير المتوقّع لتنفيذ صفقة السلاح الروسي للعراق

293

 عماد علوّ

 على الرغم من حدة الاتهامات بالفساد والانتقادات من قبل بعض القوى والاحزاب السياسية العراقية لصفقات الاسلحة التي عقدها رئيس الوزراء نوري المالكي اثناء زيارته مطلع تشرين الاول اكتوبر 2012 الى كل من موسكو وبراغ ، الا أن التقارير أن الروس بدأوا بتسليم السلاح الى العراق في اطار صفقة الأسلحة  التي وقعوها مع العراق بقيمة 4.2 مليار دولار لتصبح موسكو أكبر مورد سلاح له بعد الولايات المتحدة. وقال رسلان بوخوف مدير مركز كاست للدراسات الأمنية والدفاعية الروسي أن “هذه العقود ستساعد روسيا على الحفاظ على مكانتها كثاني أكبر بائع للسلاح في العالم بعد الولايات المتحدة”، فيما اعلنت فيكتوريا نولاند المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية  أنها لا تشعر بقلق نتيجة للصفقة الروسية. مضيفة” أن العراق عقد نحو 467 اتفاقا مبدئيا لمبيعات عسكرية مع الولايات المتحدة . اذا مضت قدما جميعها فستتجاوز قيمتها 12.3 مليار دولار ولذلك من الواضح أن علاقات الدعم العسكري بيننا وبين العراق واسعة للغاية وعميقة جدا.”وكانت صحيفة فيدوموستي الروسية قد ذكرت انه جري الاتفاق على عقود قيمتها 4.3 مليار دولار اثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ،  وقالت انها تشمل 30 طائرة هليكوبتر قتالية من طراز ام.آي-28إن.إي و42 منصة متحركة لإطلاق الصواريخ من طراز بانتسير-إس1 . من جهتها وصف متحدث باسم مؤسسة روسفوروزيني لتصدير السلاح والتي تسيطر عليها الحكومة الروسية إنها لا تناقش محتوى الصفقات، كما نقلت عنه ذلك وكالة “رويترز” التي اوضحت ايضا ان مركز كاست قال إن العقود تمثل ثالث أكبر صفقة لبيع سلاح روسي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 بعد صفقة قيمتها 7.5 مليار دولار مع الجزائر عام 2006 وأخرى بقيمة ستة مليارات دولار مع فنزويلا في 2009.

ومن الجدير بالذكر أن امتلاك القوات المسلحة العراقية لثلاثين طائرة من طراز ام.آي-28إن.إي سيعزز من قدرتها على معالجة الاهداف الارضية وملاحقة الجماعات الارهابية المسلحة وتقديم الاسناد الارضي للقوات البرية ويمنحها درجة عالية من المرونة القتالية في مواجهة التحديات الامنية الداخلية ، كما سيمكنها من تعزيز قدرات المراقبة والاستطلاع والمطاردة ، بفضل القوة النارية ومنظومات الكشف والاستشعار التي تتوافر عليها الطائرة السمتية ام.آي-28إن.إي .

 أما منصات اطلاق الصواريخ بانتسير-إس1 ، التي تعاقد العراق على شرائها من روسيا ،فهي سلاح فعال لحماية المنشآت الحيوية و لمعالجة الاهداف الجوية على الارتفاعات المتوسطة والواطئة وهي ضرورية للعراق لتعزيز قدرات الدفاع الجوي التي تكاد تكون شبه معدومة اثر تدميرها اثناء الغزو الامريكي للعراق 2003 ، ولاسيما وأن العراق يشهد اختراقات جوية مستمرة من قبل دول الجوار .

ومن الجدير بالذكر أن السيد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي زار جمهورية التشيك في اعقاب زيارته لموسكو ووقع عقدا” لم يشهد لغطا” كما شهده العقد الروسي . وقد تضمن العقد التشيكي شراء اكثر من ثلاثين طائرة مقاتلة خفيفة طراز الـ L-159 وهي طائر تشيكية الصنع ذات هيكل يشبه النوع الأمريكي أف-16 وأف 18 و تعتبر طائرة تدريب متقدم يمكنها حمل صواريخ جو -جو وكذلك صواريخ جو-أرض قادرة على تدمير الأهداف الأرضية ( قصف أرضي خفيف) ، وقد زودت الطائرة بمحرك هانيــويل الامريكي Honeywell ITEC F 124-GA-100 ، مكنها  من زيادة قدرتها على حمل انواع متعددة من الصواريخ وحاويات القنابل ومنحها دور قتالي أوسع منها طائرة تدريب .

ويمكن استخدام الطائرة طراز الـL-159، لأغراض الدعم الجوي القريب والاستطلاع التكتيكي والدفاع الجوي و مكافحة التمرد وحراسة الحدود ،  والهجمات المضادة للسفن ، فضلا” عن كونها طائرة للتدريب . أما تسليح الطائرة طراز الـ L-159 ، فهو صواريخ جو /جو من طراز سايد وايندر ، و صواريخ جو أرض من فئة مافريك ، صواريخ جو-جو من طراز AIM-9M سايد-ASRAAM و IRIS-T ، وقنابل موجهة بالليزر و غير موجهة من MK-82 ويمكن تزويدها  بحاويات القنابل العنقودية CBU-87 ، وقاذفات الصواريخ LAU-5002، وتحتوي الطائرة على مدفع 20 ملم..

مما سبق يتبين أن نوعية وحجم الاسلحة المتعاقد عليها مع روسيا وجمهورية التشيك تتناسب مع مراحل بناء القوات المسلحة العراقية خلال السنوات الخمس المقبلة وتلبي متطلبات ومستويات هذا التطور اذا مأخذنا بعين الاعتبار الاوضاع والظروف الغير طبيعية التي يمر بها العراق منذ 2003، وحقيقة بقائه تحت طائلة البند السابع .  بالإضافة الى طبيعة الاسلحة المتيسرة في سوق السلاح العالمية ومستوى تأهيل وأعداد عناصر القوات المسلحة العراقية للتعامل معها واستيعاب تكنولوجياتها .

     ومن الجدير بالذكر أن عملية تسلح الجيش العراقي الجديد بالأسلحة الثقيلة والجوية قد واجهت  خلال السنوات الماضية اعتراضات من جانب بعض القوى السياسية الكردية المشاركة في الحكومة ، حيث طالبت حكومة اقليم كردستان بشكل متكرر ان تكون لها “رقابة” على مشتريات الاسلحة ! ويعزو الأكراد حسب تصريحات جبار ياور أمين عام وزارة البيشمركة رفضهم تسليح الجيش إلى “فداحة ما عانى منه الشعب العراقي كافة على يد الجيش في الماضي”. وفي مقابلة مع صحيفة لوس انجلوس قال د. برهم صالح عندما كان رئيسا” لحكومة اقليم كردستان : “من حق الشعب الكردي ان يقلق بشأن الانباء التي تحدثت عن امتلاك الجيش العراقي اسلحة ثقيلة”. وأضاف قائلا” ان “هذا القلق لا ينحصر بالأكراد. فهناك قطاعات معينة من العراقيين تتخوف من ان يُستَخدمْ الجيش العراقي كوسيلة للاضطهاد كما حدث في الماضي(منشور على الرابط  www.shatnews.com/index.php?show=news&action=article&id)  .

     في وقت أكد فيه ساسة عراقيون ان ما يسمى بـ (مخاوف) الاكراد من تسليح الجيش العراقي ، غير مبررة على الاطلاق، لأنهم يشاركون الحكومة المركزية بكل قراراتها التشريعية والتنفيذية فهم أعضاء في مجلس النواب ويقودون رئاسة أركان الجيش ولجنة الأمن والدفاع وكل المفاصل الأخرى في الدولة العراقية . وأن ذهاب القادة الأكراد للمطالبة بضمانات من الدول المصدرة للسلاح يأتي اتساقا” مع تقليد نفذته دول غربية مثل الولايات المتحدة من ناحية صفقات تسليح عقدتها مع دول خليجية عدة بأن لا تنشر مثل هذه الأسلحة في مجابهة “إسرائيل” . لذلك فان العديد من الساسة العراقيون ، يعتقدون أن هذا الموقف الكردي ، “يصب في مصلحة القوى الخارجية “. الا أن نفس الاحزاب والقوى السياسية التي انتقدت موقف الاحزاب الكردية من تسليح الجيش العراقي ايدت الغاء صفقة شراء طائرات (F-16) الامريكية واحالة مبلغ(900) مليون دولار كانت مخصصة في ميزانية العام 2011، الى تخصيصات دعم البطاقة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية الامر الذي ابقى  العراق دون غطاء جوي وطني يعتمد عليه منذ الانسحاب الامريكي نهاية عام 2011.

   ان ارتباك وتجاذبات ما يسمى بـ(العملية السياسية) الجارية في العراق برعاية أمريكية، وعمل عناصر ورموز هذه العملية ضد بعضها البعض، أو على الأقل بتجاهل متبادل ، امر يثير العديد من المخاوف من تأثير الانتماءات الحزبية السياسية والطائفية العِرقية على بناء وتطور المؤسسة العسكرية العراقية وبالتالي على ولائها و مهنيتها وكفاءة أدائها. كما ان طريقة الدمج التي أسس بها الجيش العراقي الحالي سمحت بوجود هويات وانتساب وولاءات للأصول المناطقية والطائفية والعشائرية، بما يهدد وحدة الجيش وعقيدته. بالإضافة الى أن التداخلَ في التوصيف الدستوري  لمهمة الجيش في العراق اليوم،  بين جيش مدافع عن البلاد من الاعتداء الخارجي،  وبين قوات مسلحة تواجه أوضاعا أمنية داخلية متوترة منذ سنوات، وكأنه في حالة طوارئ دائمة. وضع العديد من المعوقات أمام وضع ستراتيجية تسليح ناجعة للقوات المسلحة العراقية .