البيروقراطية الإدارية والحكم الرشيد – صلاح نوري

121

 

 

 

البيروقراطية الإدارية والحكم الرشيد – صلاح نوري

البيروقراطية الادارية هي احدى المرتكزات المهمة التي تستند عليها اليات الحكم الرشيد,اذ غدت عملية قياس مدى الرصانة والاستقامة التي تمتاز بها الانظمة الادارية بمدى قابلية وفاعلية الاجهزة البيرواقراطية على إنفاذ السياسات العامة بصورة صحيحة وعادلة فضلاً عن الجدارة والفاعلية في الانجاز ,ومدى الامكانية والقدرة التي تحتكرها تلك الاجهزة على ادارة شؤون الدولة وتوفير الخدمات الاساسية,وبطبيعة الحال ان ذلك الشئ بمفرده يمثل هدفاً بحد ذاته لتثبيت اسس دولة المواطنة في العراق التي يشعر فيها المواطنين بانهم متساوون في الحقوق والواجبات,وبالتالي انجاز هدف مهم واساسي للدولة الا وهو إِسْتِتْمام شكل جوهري من اشكال السلطة عبر تَطْويع الجهاز البيروقراطي الى الدولة في حدود السياقات الدستورية والقانونية ,وضمان اِنْسيَاق ذلك الجهاز لمتطلبات النظام السياسي ,وافراد المجتمع بصورة عامة دون استثناء ,ومن هذا المنطلق يصبح لزاماً على النظام السياسي العراقي إِنْفاذ كَوكْبَة من الاصلاحات على صعيد الاجهزة البيروقراطية لكي تستطيع مسايرة التطورات والمتغيرات الحديثة فضلاً عن إِتْمام المهام المطلوبة بصورة سريعة دون تعقيدات ادارية ,وهذا ما تدعي الحكومة العراقية السير عليه وفقاً للاتفاقيات المبرمة مع البنك الدولي الذي يعد المتبني الرئيس للادارة الرشيدة .

الا ان اللافت للنظر ان العراق لا يزال ذو بون شاسِع عن عملية اصلاح وتقويم السياسات العامة ,والتي تعد مرتكز مهم من مرتكزات واليات الحكم الرشيد في البيروقراطية الادارية ,فعملية عقلنة بيروقراطية الادارة تعتمد على تنشيط مرتكزات الحكم الرشيد بالمواكبة مع إِنْتَاج عملية اصلاحية وتقويمية على مستوى الهياكل المؤسسية والادارية والتنظيمية وادارة الموارد البشرية فضلاً عن إِعْتِماد احدث التقنيات لرفع مستوى اداء الاجهزة البيروقراطية وتحسين نوعية الخدمات المقدمة للصالح العام بما يتلائم والمفاهيم الحديثة للادارة العامة.

وعطفاً على ما تقدم وبالرجوع الى ما جرى من اجراء اداري قبل عدة ايام من قبل رئيس مجلس الوزراء العراقي وبالتحديد في يوم 5 اب من عام 2020, والمتعلق بتعيين عدد من المعتصمين على ملاك وزارة الدفاع, فان ذلك الاجراء يتناقض جملة وتفصيلاً مع كل مقـــــــومات وتفاصيل الحكم الرشيد والقواعد الحاكمة والمؤسسة على اساس العدالة في توزيع فرص العمل حسب ما نص عليه الدستور العراقي الدائم  لعام 2005.

صورة اولى

ان الاشكالية التي وقع فيها رئيس مجلس الوزراء تتمثل بعدة صور لعل ابرزها الاتي:-

الصورة الاولى تتمثل بكون تلك الخطوة اشارة صريحة ,و واضحة من قبل رئيس مجلس الوزراء الى انه كل من يريد فرصة عمل فعليه بالاعتصام او التظاهر لكي يحصل على حقه في العمل,وهذا ما صرح به قبل عدة ايام الناطق باسم رئيس مجلس الوزراء,و وبالتالي فان ذلك المنطق يناقض ما يجب ان تقوم علية دولة المؤسسات.

الصورة الثانية ان الكتاب الصادر من مكتب رئيس مجلس الوزراء جاءت فيه مخالفة واضحة وصريحة تخالف ما الزمت به الحكومة العراقية نفسها بالالتزام  بضوابط العمل الاداري وفقاً لمفهوم الحكم الرشيد فجاء الكتاب الرسمي بالنص على الاستثناء من الضوابط والتعليمات,اي بمعنى اخر ان ذلك الامر يذكرنا بهبات ومكرمات النظام السلطوي السابق لكسب ود الرأي العام.

الصورة الثالثة  هناك عملية ارتجال في اتخاذ القرار دون الارتكاز على مبدأ العدالة والتخطيط السليم وعملية تكافؤ الفرص للجميع وهذا بحد ذاته يناقض اهم مبدأ من مبادئ الحكم الرشيد .

 الصورة الرابعة ان الدستور العراقي الدائم لعام 2005 ووفقاً للمادة 16 منه  نص وبصورة صريحة دون لبس فيها او تأويل على عملية تكافؤ الفرص فنصت تلك المادة الدستورية على الاتي (تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين ,وتكفل الدولة الاجراءات اللازمة لتحقيق ذلك ) وبالتالي فان اقدام رئيس مجلس الوزراء على اصدار امر بتعيين  440 شخص دون وجود لمبدأ تكافؤ الفرص فيه مخالفة واضحة وصريحة وخرق للدستور وبالتالي من حق اي مواطن عراقي يرى نفسه انه لم تتاح له اي الية لتكافؤ الفرص لايجاد فرصة عمل ان يرفع دعوى قضائية ضد رئيس مجلس الوزراء كون ذلك خرق واضح للدستور العراقي ,ولا يوجد نص دستوري من ضمن النصوص التي نصت على صلاحيات رئيس مجلس الوزراء وهي المادة 80 من الدستور والتي تتفرع الى ستة صلاحيات لا توجد ضمن الصلاحيات الست تلك صلاحيات لرئيس مجلس الوزراء باستثناء اي شخص من الضوابط والتعليمات .

واقعا نحن ليس ضد الاشخاص الذين  صدر امر تعيينهم ضمن ملاك وزارة الدفاع بقدر ما نسعى الى ان تكون هناك عدالة في عملية توزيع الفرص فهناك عشرات الالاف من الشباب والشابات ذو الكفاءة يبحثون عن فرص عمل يجب ان تحتويهم الحكومة بجميع مؤســــساتها باسلوب دولة المؤسسات وتحقيق العدالة للجميع لتخفيف عنهم الم البطالة والتمتع بحياة حرة وكريمة اما الاستمرار باسلوب الهبات والمكرمات والارتجال في عملية اتــــــخاذ القرار فهذا يرجعنا الى المربع الاول الذي لا زال المجتمع العراقي يعاني منه وهو من مخلفات النظام السلطوي السابق ومن هذا المنطلق وفي ظل اعادة صياغة دور الدولة ضمن التحول الديمقراطي في العراق وظهور مفاهيم واسس الحكم الرشيد فاننا نتأمل خيراً من الحكومة الحالية لترشيد بيروقراطية الادارة من اجل الانعتاق من اشكالية العجز البيروقراطي ولتكييف العملية الادارية مع المتغيرات الحاصلة على المستوى الدولي وهو امر حتمي لابد منه لتـــــــــرسيخ اسس دولة المؤسسات والانتقال من نظام بيروقـــراطي غير فاعل الى نظام اداري عصـــــــري فاعل ومؤثر على جميع المستويات  وهذا بطبيعة الحال غير مستبعد اذا ما توافرت الارادة السياسية وتكييف الاجهزة البيروقراطية مع متطلبات دولة القانون والمؤسسات.

مشاركة