البيت المعمور – ثامر مراد
كانت ألأرض الطيبة تمتد مسافات على طول البصر تعزف ألحان الصباح عند شروق كل يومٍ جديد. أشجار النخيل الباسقة تحتضن الجميع بأغصانها الخالدة خلود عادات القبائل العشائرية في تناغم أبدي يحكي حكاية المحاربين القدامى ضد إلأحتال البريطاني في زوايا مختلفة من زوايا الوطن الكبير. بنات الحي يخرجن عند جني المحاصيل المختلفة يزغردن عشقاً كبيراً لتلاحم إجتماعي موحد لايعرف التناحرات والصراعات لنسيج المجتمع المتماسك بكل فصائلة ومكوناته ألأجتماعية. تاريخ بعيد من مصاهرات ومساعدات بين جميع ألأطراف – ولا فرق بين هذا أو إذك إلا بمدى إخلاصة لحب ألأرض وتكاتفه مع كل فردٍ من أفراد القبيلة بكل مسمياتها- كانت الحياة كرنفالاً لاينتهي في جميع الفصول. بيادر القمح تشرئبُ بارزة تغذي العراق من أقصاه الى أقصاه ومحاصيل أخرى تمتد على طول تاريخ الزمن الجميل. بين عشية وضحاها جاءت – غربان سود- من أقصى بقاع العالم تدعي مبادئ وقرارات وحيثيات ليس لها علاقة بمفهوم تلك ألأرض ولاتعاليم السماء الواضحة. هجمت تلك الغربان البشعة على تاريخ ألأرض وراحت تعبث فيها فساداً ودماراً ..مزقت كل تلاحم بين أبناء المجتمع الواحد هناك. تناثرت ألأرواح البريئة في كل الجهات وتمزقت أغصان الرمان وعناقيد العنب وبيادر القمح وتحولت ألأرض الى صحار قفار تشكو العطش وهي قريبة من نهر الفرات الخالد. الغربان السود جاءت تبحث عن دمار كل شيء بحجة بناء ألأنسان وعودته الى تعاليم السماء وهي أبعد ماتكون من تلك المبادئ. من بين أولئك – العم خضير الجنابي- ذلك ألأنسان الذي عرفته وأنا في سنواتي ألأولى من طفولة عشقت تلك ألأرض ورسمت لها أخاديد في نبضات القلب سنوات وسنوات. لازلت أتذكر تلك السيارات في الستينات وهي تتقدم نحو القرية البعيدة لتختار عروساً له من بين أزهار تلك القرية . كانت فرحتي لاتوصف وأنا أركض خلف تلك العربات مع بقية ألأطفال وهي تتجه الى وسط البستان حيث عروسه تنتظر الرحيل الى أرض أخرى وعالم آخر وحياة أخرى. منذ طفولتي قبل أكثر من أربعين عاماً وأنا أسمع عن – العم خضير الجنابي- وعن أخلاقه الكريمه وأجداده وآبائه الذين يمثلون رمزاً كبيراً للقبيلة على مر العصور. كانت نارهم لاتنطفئ لحظة واحدة تدل على كرم الضيافة للغريب والبعيد ..ترسم أعلى درجات الكرم على مر العصور. كانوا يمثلون رمزاً لتلك ألأرض المعطاء التي تغدق على القريب والبعيد خيرات لاتنتهي وكأن الله سبحانه وتعالى قد نفخ فيها رائحة الخصب والعطاء. وأنا أتصفح في زمنٍ ما مواقع التعارف ألأجتماعي وإذا بصورة مأساوية تظهر هناك حيث البيت الكبير والمضيف المعطاء يتحول الى بؤرة من دخانٍ أسود يحكي قساوة الغربان في هذا العصر حيث أشعلت فيه النيران من كل حدب وصوب وترك – العم خضير تاريخ أجداده وآبائه – وسافر مع المسافرين غصباً وظلماً ووحشية الى مكان لاأعرف أين هو ألآن. كل ما أحمله عنه من ذكريات الطفولة تدفقت هذا اليوم لتعيد الى ذهني تاريخاً ظل هناك يلعق جراحه بألم وحسرات وطوفان دموع تغطي كل تاريخ البلاد. صبرا – أيها العم خضير الجنابي – ستعود العصافير مرة أخرى تمزق ساعات الشروق عند الصباح ..تغني للحب للتاريخ لتقاليد العشيرة وجميع القبائل التي كانت هناك. قلبي معكم جميعاً وأقبل أياديكم من الرضيع الى أكبر شيخٍ لازال يسير على – عصا – تمنعه من السقوط على تلك ألأرض المعطاء. هذه هي الحياة بناء وتدمير وزغاريد وحريق . لن تبقى تلك الغرباء السود التي جاءت لتدمير بيادر القمح وتحرق أشجار النخيل. سيقف الجيل الجديد يوماً ما على مشارف -مضيفكم العامر – وسيعيدون بناء كل شيء عصفت به الريح وأختلط في هشيم النار.




















