البوذية في التبت الصينية .. دين أم فلسفة أم إنفصالية ؟ – طه جزاع

459

 

 

 

 

بوذا الحي تحت سقف العالَم

البوذية في التبت الصينية .. دين أم فلسفة أم إنفصالية ؟ – طه جزاع

+  ما موقفكَ من ترامب ؟

– مشاعرهُ هي أيضاً معقدة جداً .

+  ماذا تقصد بذلك ؟

–  في اليوم الأول يقول شيئاً ما ، وفي اليوم التالي يقول شيئاً آخر . أعتقد انه يفتقر إلى المبادئ الأخلاقية ! . عندما أصبح رئيساً صرح أن أميركا تأتي أولاً .. هذا خطأ . يجب أن تتحمل أميركا مسؤولية عالمية .  ” من مقابلة أجرتها هيئة الاذاعة البريطانية الـ BBC مع الزعيم الروحي للبوذيين في التبت ، الدالاي لاما الرابع عشر بتاريخ 28 حزيران / يونيو 2019 . تختلف قضية التبت ، عن قضايا تايوان وهونغ كونغ وماكاو ، من وجهة نظر القادة والسياسيين في الصين الشعبية ، فهذه الهضبة بخريطتها الكبرى التي تضم قوميات عديدة ، تمثل ربع مساحة الصين ، وهي جزء لا يتجزأ من البَّر الصيني الكبير ، لذلك فإن فكرة ” دولة واحدة ونظامان ” لا يمكن أن تُطبق عليها بالصيغة نفسها التي طُبقت في هونغ كونغ وماكاو ، وهي صيغة تصلح أيضاً لتايوان ” فورموزا ” إن عادت يوماً إلى الحضن الصيني الأكبر بصورة سلمية …. لكن مع التبت ، الأمر مختلف تماماً .

تقع هضبة التبت جنوب غرب الصين ، وتسمى بـ ” سقف العالَم ” بسبب ارتفاعها الشاهق الذي يبلغ حوالي 4500 م ، وكذلك بسبب الطبيعة الانعزالية لسكانها البوذيين ، عاصمتها لاسا ، وفيها أعلى قمة في العالم ضمن سلسلة جبال الهملايا ، هي قمة جبل إيفرست ، التي يبلغ ارتفاعها حوالي 9 كم عن مستوى سطح البحر ، وتتمتع هذه المنطقة بحكم ذاتي منذ العام 1965 وعلى الرغم من كونها ثاني أكبر المقاطعات الصينية مساحة ، غير انها الاقل كثافة في عدد السكان ، وبحسب الكتاب الأبيض الصيني حول التبت الصادر عام 2015- الذي سيأتي ذكره لاحقاً – فإن عدد سكان التبت حتى بداية خمسينيات القرن العشرين ، لم يزد عن مليون نسمة ونيف ” يبلغ حالياً حوالي ثمانية ملايين وفق أحدث الاحصاءات ” . غالبية سكان التبت هم بوذيون ، باستثناء أقلية مسلمة ، وأخرى مسيحية ، وقد تم ترسيم الحدود بين الهند والتبت في مؤتمر تطبيع العلاقات بين بريطانيا والتبت والصين الذي عقد بمدينة سميلا في شمال الهند عام 1914 لكن الصين لم تعترف بذلك ، وبقيت التبت مستقلة حتى العام 1950 إذ ضمتها الصين إلى أراضيها بعد انتصار الثورة الشيوعية . وبعد تسع سنوات قامت انتفاضة شعبية ، وهاجم الثوار التبتيون الجيش الصيني وأعلنوا الإستقلال في التاسع عشر من أذار / مارس عام 1959 لكن سرعان ما تمكن الجيش الصيني من اعادة السيطرة عليها ، واختفى على اثرها الزعيم الروحي للبوذيين في التبت الدالاي لاما الرابع عشر بعد فراره إلى الهند المجاورة ، واستقباله من قبل رئيس الوزراء الهندي وقتذاك جواهر لال نهرو الذي وفر الحماية له ولأتباعه ، ولتقوم الصين من جانبها بتعيين زعيم روحي للبوذيين في التبت بديلاً عنه .

الأمير الهائم على وجه الأرض

فمن هو الدالاي لاما الرابع عشر الذي أصبح رمزاً لقضية التبت ، وهي من القضايا التي طالما تثيرها الولايات المتحدة الأميركية ، ومعها الدول الغربية ، في مواجهة الصين ، مع قضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان ؟ . وقبل ذلك ماهي البوذية باختصار شديد ، أهي فلسفة هندية ، أم ديانة ، أم حركة سياسية تسعى لفصل التبت عن الصين ؟ . في كتابه ”  قصة الديانات ” يكتب سليمان مظهر قصة مولد بوذا الذي ولدته أمه الملكة ” مايا ” تحت شجرة سال وارفة الظلال ، كتجسيد لحلم غريب رأته ذات ليلة من ليالي صيف العام 568 قبل الميلاد ، وحكت لزوجها الملك سودهوادانا حكاية ذلك الحلم ، فاضطرب الملك وهو ينصت لها، وما أن انتهت حتى أرسل باستدعاء أربعة وستين حكيماً من حكماء قبيلته ” الساكيا ” التي تعيش في سهول نهر الجنجز ، عند سفوح جبال الهملايا في الهند ، فطمأنه هؤلاء الحكماء عند سماع حلم الملكة الغريب ، وأخبروه انها حملت بغلام سيصبح ملكاً على كل البلاد لو هو استقر في بيته ، أما إذا غادر بيته هائماً على وجهه في الارض ، فعندئذٍ سيصبح هو البوذا ، كاشف نقاب الجهل عن وجه هذا العالم .

عندما ولد سِيدْهاتا – وهو اسم بوذا الحقيقي – تلقفته أيدي أربعة من البراهمة في شبكة نسجت خيوطها من أسلاك الذهب ، ” ووقف المولود فجأة ، وتقدم إلى الأمام سبع خطوات ، ثم صاح في صوت عذب : أنا سيد هذا العالم .. وهذه الحياة هي آخر حياة لي .. ” ! . بالطبع هناك الكثير من التفاصيل والنبوءات حول مستقبل هذا الأمير الصغير الذي رغب والده ، أن يخلفه على عرش الملوكية ، فرعاه رعاية خاصة ووفر له حياة مترفة مبالغ بها ، خوفاً من إحدى النبوءتين اللتين تنبأ بهما العرافون عند مولده ، حتى تم تعميده كهندوسي عندما بلغ الثانية عشرة من عمره ، ثم  تعلم اللغة السنسكريتية ليتمكن من قراءة كتب الهندوس المقدسة، وبعد ذلك قرر الأب أن يشغل ولده بحياة زوجية رائعة ، ويحيطه بمئات الحسان ليحبب الحياة إليه ، وليبعده عن النهاية التي لا يرضاها له ، فوقع اختيار الأمير على الأميرة يوسودهارا ابنة عمه ملك مملكة كولي لتكون زوجته ، وهي التي ولدت معه في نفس يوم مولده ، وقد أصبحت وهي في السادسة عشرة رائعة الحسن بالغة الجمال ، ليعيش معها حياة زوجية سعيدة لسنوات طويلة .. وفي يوم ما استأذن والده الملك للقيام بجولة في المدينة ، وفي المدينة رأى مالم يدر في خلده يوماً بسبب حياة الترف التي عاشها طيلة عمره ، رأى حقيقة الحياة ، من مرض وشيخوخة وموت . مما جعله بعد عودته من جولته أن يعلن لوالده أنه سيهجر بيته ويصبح راهباً متسولاً ، وعند وداع زوجته وطفلها النائم بجوارها ، فإنه لم يوقظهما ، فقط نظر اليهما في حب كبير ، فقد كان يخشى أن يضعف قلبه أمام توسلات زوجته وبكاء طفله ، وهكذا أصبح سِيدْهاتا راهباً متجولاً وهو في سن التاسعة والعشرين ، وأخذ يضرب الأرض سبع سنوات ، ينتقل من مكان إلى آخر باحثاً عن الحكمة . لقد وجد سِيدْهاتا – بوذا  ” المستنير ” أخيراً مفتاح الحكمة ، انه أول قانون للحياة : من الخير يجب أن يأتي الخير .. ومن الشر يجب أن يأتي الشر .

الهندوسية والبوذية

وما يهمنا في حكاية بوذا ، تلخيص ما جاءت به البوذية من آراء وأفكار في نقاط محددة ، تجمعت لدينا من قراءات ومراجعات كثيرة حولها ، منها ما يأتي :

1- ان بوذا ليس الهاً متخيلاً ، ولا نبياً ، كما قد يظن البعض ، أو كما صوره أتباعه فيما بعد ، إنما هو بشر وأمير ابن ملك . وكان بإمكانه أن يكون ملكاً خلفاً لوالده .

2- انه ولد هندوسياً ، وتم تعميده وفق طقوس الديانة الهندوسية ، عندما بلغ العمر المحدد للتعميد .

3- بقي سِيدْهاتا هندوسياً ، حتى تجاوز السادسة والثلاثين وأكثر من عمره .

4- مفتاح الحكمة الذي توصل اليه ، ليس جديداً ، انما هو جزء من قانون الأعمال في الهندوسية .

5- الهندوسية دين قومي خاص بالعرق الهندوكي ، ولا يمكن لغير الهندي أن يكون هندوسياً ، بينما يمكن لغير الهنود أن يعتنقوا البوذية ، ولذلك فإنها حققت انتشاراً عالمياً ولم يقتصر وجودها على الهند ، مع ملاحظة أن طبيعة الشخصية الصينية المنغلقة ، لا تحبذ اعتناق الأديان والفلسفات الأخلاقية الوافدة من خارج الصين ، والبوذية بالنسبة للصينيين ، وافدة من الهند .

6- الرهبنة الهندوسية خاصة بالرجال دون النساء ، فلا يمكن للمرأة في الهندوسية أن تكون راهبة ، غير أن البوذية أتاحت الرهبنة للنساء والوصول إلى أعلى المراتب الدينية ، وكان الدالاي لاما الرابع عشر بنفسه قد أقر في مقابلة أجرتها معه هيئة الاذاعة البريطانية بإمكانية أن تكون خليفته امرأة : إذا أتت دالاي لاما امرأة ، فينبغي أن تكون جذابة ! .

7- يتكون ” الطريق الوسط ”  الذي جاء به بوذا من ثمان شُعب ، تتضمن قواعد الحياة ، وهي : الايمان بالحق ” الايمان بأن الحقيقة هي الهادي للإنسان ” . والقرار الحق ” بأن يكون المرء هادئاً دائماً لا يفعل أذى بأي مخلوق ” . والكلام الحق ” بالبعد عن الكذب والنميمة وعدم استخدام اللفظ الخشن ” . والسلوك الحق ” بعدم السرقة والقتل وفعل شيء يأسف له المرء فيما بعد أو يخجل منه . والعمل الحق ” بالبعد عن العمل السيء مثل التزييف وتداول السلع المسروقة وعدم اعتصاب المرء لما ليس له ” . والجهد الحق ” بالسعي دائماً إلى كل ما هو خير والابتعاد عما هو شر ” . والتأمل الحق ” بالهدوء دائماً وعدم الاستسلام للفرح أو الحزن ” . وأخيراً التركيز الحق ” وهذا لا يكون إلا بإتباع القواعد السابقة وبلوغ المرء مرحلة السلام الكامل ”  . ” النيرفانا ” : وهي كلمة سنسكريتية تعني حرفياً ” الانطفاء ” أو ” الإخماد ” ، وهي تعني في البوذية الوصول إلى حالة سامية من التحرر عن طريق إخماد رغبات الفرد ووعيه ، وهكذا تغتني الشخصية بتفريغها من كل محتوى أناني غير نبيل كيما يحقّ لها الاتحاد بالنفس الكبرى . وهي حال من النعمة أو الغبطة التي لا يُنطق بها أو يُعبر عنها بكلمات أو صفات . وهي حال ثالثة إلى جانب الوجود والعدم .   ” التصوف البوذي والتحليل النفسي ، د . ت . سوزوكي ، ترجمة ثائر ديب ، تقديم وفيق خنسة ، دار الحوار ، اللاذقية،  2007.

 8- ويُبَسِط فراس السواح في كتابه (موسوعة تاريخ الاديان ، الكتاب الرابع ، الهندوسية – البوذية – التاوية – الكونفوشية – الشنتو) الوصايا العشر التي لابد أن يمتثل لها البوذي المبتدئ بما يأتي : أحجم عن تدمير الحياة ، لا تأخذ مالا يعطى لك ، ابتعد عن عدم العفّة ، لا تكذب ولا تخدع ، امتنعْ عن المسكرات ، كُلْ باعتدال بعد الظهر ، لا تتطلّع إلى المشاهد الراقصة أو الغنائية أو التمثيلية ، لا تَسْتَحل استعمال أطواق الأزهار ، أو الروائح الطيبة ، أو المراهم ، أو الحُليّ ، لا تستخدم الأسرّة المرتفعة أو الواسعة، لا تقبل الذهب أو الفضة .

9- إن مجمل ما جاء في الطريق الوسط لبوذا ، ليست أكثر من فلسفة أخلاقية بمسحة روحانية ، عرفت بها فلسفات الشرق غالباً من عرفانية وغنوصية . لكنها تحولت بمرور الزمان إلى طقوس وعبادات دينية ، وكذلك استخدم البوذيون في التبت خلال السنوات الأخيرة وتحت الزعامة الروحية للدالاي لاما الرابع عشر، مصطلح ” الطريق الوسط ” بتسميته البوذية “مادهياماكا ” وتسييسه – وفق ما يرى المسؤولون الصينيون – للمطالبة بنوع عالٍ من الحكم الذاتي يقترب من مفهوم الاستقلال لهذه المنطقة عن جمهورية الصين الشعبية ، لذلك فإن حركة الدالاي لاما تُعد من قبل الحكومة الصينية حركة انفصالية.

بوذا الحي المنفي منذ ستين عاماً

يقيم الزعيم الروحي الحالي للبوذيين التبتيين ، واسمه الحقيقي هامو تسوندوب ، المعروف بإسم تينزن غياتسو ، أو الدالاي لاما الرابع عشر ” 85 عاماً ” في دارامسالا بشمال الهند ، حيث مقر حكومته في المنفى ، منذ خروجه مع أتباعه منفيين من التبت قبل أكثر من ستين عاماً ، وهو من مواليد العام  1935 في تشيجياتشوان بمحافظة هوانغتشونغ في مقاطعة تشينغهاي حيث تم تنصيبه وهو في الخامسة من عمره ، خلفاً للدالاي لاما الثالث عشر ثوبتين غياتسو الذي توفي في العام 1933 فأصبح لامو توندوب الدالاي لاما الرابع عشر ، أو ” بوذا الحي ” ، ذلك أن البوذية التبتية تؤمن بتناسخ بوذا ، فإذا ما توفي الدالاي لاما ، يجتمع عدد من ” الدالاي لا مات ” للبحث عن طفل نُسخت فيه روح الدالاي المتوفي ، بحسب علامات ودلالات خاصة ، وعادة ما يتم العثور على عدد من الأطفال المرشح كل واحد منهم لأن يكون بوذا الحي ، وعندها يتم اختيار الطفل بحسب نظام سحب القرعة من جرة ذهبية لتحديد متناسخ الروح للدالاي لاما ، وهذا النظام معمول به منذ العام 1793 بعد اقراره من قبل اسرة تشينغ الامبراطورية الحاكمة آنذاك . وبالنسبة للدالاي لاما الحالي ” الرابع عشر ” فإن الحكومة الصينية تقول انها اصدرت قراراً في العام 1940 أيام جمهورية الصين ” قبل تأسيس الصين ” الشعبية ” أقرت فيه تحديد هذا اللاما الذي كان يومها طفلاً بعمر خمس سنوات ، كمتناسخ روح الدالاي لاما الثالث عشر ، واعتمدت بشكل خاص خلافته ، وفقاً لطلب حكومة التبت المحلية : ” حول الاعفاء من سحب القرعة من جرة ذهبية ، مع تخصيص 400 ألف يوان لإقامة مراسم التنصيب ، لذا جاءت شرعيته من أحكام الحكومة المركزية بشأن نظام الدالاي لاما ، وموافقة حكومة جمهورية الصين واعتمادها بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية 1949.. وهنأه قادة الصين الجديدة . ونفهم من هذا الكلام الذي يتضمنه الكتاب الأبيض الصيني حول التبت ، بأن للحكومة المركزية الصينية الفضل في تنصيب الدالاي لاما الرابع عشر ، حين استجابت لرغبة حكومة التبت المحلية بإعفائه من نظام سحب القرعة ! . بل أنه شارك في الدورة الأولى للمجلس الوطني الأول لنواب الشعب ، وأعلن موافقته على الدستور الأول ، وألقى كلمة قال فيها : ” إن العدو اختلق اشاعة تقول إن الحزب الشيوعي والحكومة الشعبية ، يعملان على تبديد الأديان ، لكن الآن هذه الاشاعة قد أفلست تماماً ، إذ أن أبناء التبت قد أحسوا احساساً شخصياً بحريتهم في الاعتقاد الديني ” ويُقال إنه كتب ” أنشودة إلى الرئيس ماو ” في مدح مآثره العظيمة ! .

كذلك تم انتخابه في هذه الدورة نائباً لرئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني الأول لنواب الشعب إلى حين نفيه ، غير أن الحكومة الصينية لم تسحب منه هذا المنصب لغاية العام 1964 أملاً منها في عودته .

لكن ماهي شروط العودة من المنفى ؟ هذا ما أوضحه الرئيس ماو تسي تونغ بعد نفي الدالاي لاما الرابع عشر : ” إذا وافق الدالاي على دعوتنا ، نأمل عودته ، يمكنه أن يعود مادام يوافق على موضوعين ، أحدهما إن التبت جزء من الصين ، والآخر ضرورة ممارسة الاصلاح الديمقراطي والاصلاح الاشتراكي في التبت ” . ومن ذلك اليوم إلى يومنا هذا – وقد مضت 61 عاماً – لم يعد بوذا الحي المنفي إلى بلاده ، ولم تتراجع الحكومة الصينية عن شروطها ! . في المقابل فإن المبادئ التي طالما نادى وتحدث بها الدالاي لاما ،  – الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة البوذية ، والذي ينتمي إلى جماعة القبعات الصفر ” غيلوغبا ” التي أسسها اللاما تسونغكابا قبل أكثر من ستمائة عام –  مثل اللاعنف والتسامح والرحمة ، وجدت اهتماماً في الولايات المتحدة والعالم الغربي ، تتوج بحصوله على جائزة نوبل للسلام للعام 1989:  لأنه في كفاحه من أجل تحرير التبت ، كان يعارض باستمرار استخدام العنف ، وبدلاً من ذلك ، دعا إلى الحلول السلمية القائمة على التسامح والاحترام المتبادل للحفاظ على التراث التاريخي والثقافي لشعبه ” مثلما جاء في ديباجة قرار منحه الجائزة . وفي السادس عشر من تموز / يوليو 2011 أثار الرئيس الأميركي باراك اوباما غضب بكين باستقباله الدالاي لاما الرابع عشر في البيت الأبيض على الرغم من مطالبتها بإلغاء هذا اللقاء معتبرة أن واشنطن إنما تطعن بذلك في وحدة الاراضي الصينية وسيادتها على التبت ، ولم يقلل من هذا الغضب ، استقبال أوباما لضيفه في قاعة الخرائط ، وليس في المكتب البيضاوي المخصص عادة لاستقبال رؤساء الدول . وفي سياق الاهتمام الأوروبي بالدالاي لاما ، نشر عدد من كتبه على نطاق واسع ، والكثير منها ترجم إلى اللغة العربية ، مثل ” فن السعادة ” مع هوارد سي كتلر ، والحكمة القديمة والعالم الحديث ” ،  و حكمة الشفقة ” مع فيكتور تشان ، وكتاب البهجة .. السعادة الدائمة في عالم متقلب ” مع دوغلاس أبرامز ، فضلاً عن الكتب التي تناولت سيرة حياته ، مثل كتاب ميانغ شايا ” الدالاي لاما .. الرجل . الراهب . الروحاني . سيرة ذاتية ثبتها الدالاي لاما شخصياً ” .

الكتاب الأبيض بشأن التبت

في الخامس عشر من نيسان / ابريل 2015 نشر مكتب الإعلام التابع لمجلس الوزراء الصيني ما أسماه بكتاب أبيض حول طريقة تنمية التبت ، تضمن مقدمة تاريخية أكدت على أن جمهورية الصين الشعبية دولة موحدة متعددة القوميات أسسها أبناء مختلف القوميات في الصين سوية على مدى الفترات الطويلة من التطور التاريخي ، وظلت التبت جزءاً من الصين منذ القدم ، وقومية التبت عضو في رابطة المصير المشترك للأمة الصينية .

ويشير الكتاب إلى أن التبت بقيت حتى أواسط القرن العشرين تحت حكم نظام العبودية الإقطاعي الذي يدمج بين السياسة والدين ، وأنها شرعت بدخول الحضارة الحديثة بصورة حقيقية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 ومروراً بالتحرير السلمي والإصلاح الديمقراطي وإنشاء المنطقة الذاتية الحكم ، وسلوك طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية . ويطلق الكتاب الأبيض تسمية ” عصابة ” على أتباع الدالاي لاما الرابع عشر ، ويصفها بأنها تمثل القوى المتبقية لطبقة ملاكي الأقنان الإقطاعية ، التي بدأت خلال السنوات الأخيرة الدعاية ” الغوغائية ” للطريق الوسط بعد تعرض ما روجته لاستقلال التبت بالعنف للفشل . ويبدو ” الطريق الوسط ” في ظاهره بأنه يدعو إلى ” التنازل ” و التوسط ” والسلام ” وعدم العنف ” لكنه في الحقيقة ينكر الطريق التنموي الصحيح الذي تسلكه التبت منذ تأسيس الصين الحديدة ، ويحاول تأسيس ” بلد داخل البلاد ” تحت حكم ” عصابة الدالاي لاما الرابع عشر ” على أرض الصين ، في سبيل تحقيق هدف ” استقلال التبت ” على خطوات .

في التبت القديمة كانت السلطة الدينية هي السلطة العليا ، حيث تسترت السلطة السياسية على السلطة الدينية ، وسيطرت السلطة الدينية على السلطة السياسية ، واندمجت السلطتان بعضهما مع البعض ، بغية الحفاظ المشترك على حكم المجموعات الإقطاعية الثلاث وهي الموظفون الرسميون والنبلاء وكبار الكهان في المعابد ، ويفيد إحصاء أنه قبل الإصلاح الديمقراطي عام 1959 كان في التبت 2676 معبداً و 925 . 114 ألف راهب بوذي ، وكان عدد الرهبان البوذيين يحتل ربع تعداد الذكور في التبت ، وهذه نسبة أعلى بكثير من نظيرتها لرجال الدين في أوروبا في العصور الوسطى . ويمضي الكتاب الصيني الأبيض في تعداد مساوئ الحكم الإقطاعي الديني الذي عاشته التبت قبل عام 1959 ويضرب الأمثلة للكثير من حالات الاذلال والظلم والطغيان والعبودية والتخلف لفلاحي وفقراء هذه المنطقة ، حيث ينقسم الناس فيها إلى أصناف ودرجات ، نتجت عنه هوة سحيقة بين الأغنياء والفقراء ، إلى أن تأسست جمهورية الصين الشعبية لتحقق التبت التحرير السلمي في عام 1951 وتشهد تحولاً تاريخياً ، وبما أنهى بين عشية وضحاها ، نظام العبودية الإقطاعي الذي يدمج بين السياسة والدين ، بعد أن دام مئات السنين ، وفي عام 1965 تم تأسيس منطقة التبت ذاتية الحكم وإنشاء النظام الاشتراكي ، وبعد عام 1978 شرعت الصين بانتهاج الإصلاح والانفتاح ، وبعد أكثر من 60 عاماً اكتشف أبناء التبت بمختلف قومياتهم الطريق التنموي ذا الخصائص الصينية والميزات التبتية بصورة تدريجية – بحسب وصف الكتاب – .

ومنذ العصر الحديث ، وبسبب العدوان الإمبريالي ، كان أمام التبت مصيرين ، أحدهما الاتحاد مع الأسرة الكبيرة للأمة الصينية ، والآخر الانفصال عنها . غزا المستعمرون البريطانيون التبت بقوة السلاح عام 1888 وعام 1904 على التوالي ، وأجبروا حكومة أسرة تشينغ الصينية وقتذاك لتوقيع معاهدات غير متكافئة ، حصلوا بموجبها على امتيازات كثيرة في التبت ، وأوجدوا مسألة ” استقلال التبت ” بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية ، وعجلت العناصر الانفصالية في التبت والقوى الامبريالية تدبير ” استقلال التبت ” في محاولة لفصل التبت من أرض الصين ، لذلك فإن الحكومة المركزية ، قررت اتخاذ سياسة التحرير السلمي للتبت للحفاظ الثابت على وحدة الدولة وسلامة أراضيها ، وفي 23 مايس / مايو 1951 تم توقيع ” الاتفاقية حول طرق التحرير السلمي للتبت ” التي يشار اليها اختصاراً ” اتفاقية الـ 17 مادة ” بين ممثلي الحكومة الشعبية المركزية وحكومة التبت المحلية ، واعلان التحرير السلمي للتبت ، وقال الدالاي لاما الرابع عشر في برقية أرسلها إلى الرئيس ماو تسي تونغ : ” أن حكومة التبت المحلية والمتدينين وغير المتدينين من قومية التبت يؤيدون بشكل موحد ويساعدون بنشاط الوحدات التابعة لجيش التحرير الشعبي المرابطة في التبت ، وذلك تحت قيادة الرئيس ماو والحكومة المركزية ، في سبيل توطيد الدفاع الوطني وطرد القوى الإمبريالية من التبت وحمـــاية وحدة السيادة على أراضي الوطن الأم “.

ويشرح الكتاب الأبيض بالتفصيل والأرقام ما حدث بعد تحرير التبت السلمي وما حققته المنطقة من تنمية وانجازات وتحسين في مستوى المعيشة وتمثيل متقدم في مجلس نواب الشعب الصيني وفي مناصب الحكم الذاتي والصحة والتعليم والقبول في الجامعات والوظائف الحكومية وحماية اللغة التبتية المنطوقة والمكتوبة وغيرها . ثم يصل الكتاب إلى أن جوهر ” الطريق الوسط ” هو تقسيم الصين ، مستعرضاً سعي ” عصابة الدالاي لاما الرابع عشر ” من أجل ” استقلال التبت ” وبعد هروبها إلى الهند فور فشلها في تمردها المسلح الشامل في اذار / مارس 1959 دعت علناً إلى تحقيق ” استقلال التبت ” عبر سبل العنف .

ومع تحسن العلاقات الصينية – الأمريكية ، رأت ” العصابة ” أن الوضع الدولي ليس في صالحها ، فبدأت تغير تكتيكها وطرحا ما يدعى ” الطريق الوسط ” لتحويل الاستقلال العلني إلى الاستقلال المُقَنَع . وفي السنوات الأخيرة استخدمت تسمية ” طريق مادهيا ماكا ” وهي تسمية بوذية ، قامت ” العصابة ” بتسييسها ، لتعني بها الطريق الوسط الذي يشتمل على عدم الاعتراف بأن التبت ظلت جزءاً من الصين منذ القدم ، والادعاء بأن ” التبت كانت دولة مستقلة تماماً في التاريخ ” ، واستولت عليها الصين عام 1951 ويحق لأبنائها الاستقلال من زاوية التاريخ ، كما يشتمل على المطالبة بضم مناطق لقوميات أخرى إلى التبت ، وتأسيس مناطق ادارية موحدة ، وتنفيذ حكم ذاتي عالي الدرجة لا يتقيد بالحكومة المركزية باستثناء الشؤون الخارجية والدفاع الوطني .

وفي سنة اصدار الكتاب الأبيض كان يقيم في التبت أكثر من 46 ألف راهب وراهبة ، و 385 بوذا حياً ، فضلاً عن 1787 مكاناً لمزاولة العبادات والأنشطة الدينية ، من بينها 4 مساجد لأكثر من 3 آلاف مسلم مؤمن ، وكنيسة كاثوليكية واحدة لأكثر من 700 كاثوليكي . وبعد الاصلاح الديمقراطي ، تم تحديد 60 بوذا حي متناسخ الأرواح حسب الانظمة التاريخية المحددة والطقوس الدينية ، إذ تحترم الدولة الصينية تناسخ الأرواح للبوذا الحي والذي يعتبر اسلوب توارث تتميز به البوذية التبتية ، وقد أقرت مصلحة الدولة للشؤون الدينية ما أسمته بـ ” الطرق الادارية لتناسخ الأرواح للبوذا الحي التبتي ” مما وحَّدَ اجراءات تناسخ الأرواح للبوذا الحي بشكل متزايد .

في لقاءه مع هيئة الاذاعة البريطانية BBC أعرب الدالاي لاما عن اعتقاده بأن الصينيين أنفسهم يغيرون منهجهم ، لكنه أوضح أن الرئيـــــــس شي جين بينغ لم يطلب لقاءه بعد .

ولا أحد يتوقع أن يطلب الرئيس الصيني لقاء بوذا الحي من دون أن يلتزم بشروط ماو تسي تونغ القديمة ، والتي كررها الحزب الشيوعي الصيني في مؤتمره الوطني الثامن عشر الذي جدد انتخاب جين بينغ أميناً عاماً للحزب: ” سياسة الحكومة المركزية تجاه الدالاي لاما الرابع عشر ذاته ، ثابتة وواضحة ، لا يستطيع الدالاي لاما أن يتحدث عن تحسين علاقته مع الحكومة المركزية إلا بشرط أن يصرح علناً بأن التبت ظلت جزءاً لا يتجزأ من الصين منذ القدم ، ويتخلى عن موقف استقلال التبت ، ويتوقف عن مزاولة الأنشطة الرامية إلى تقسيم الوطن الأم “.

ولم تنفع تصريحات الدالاي لاما المتكررة بأنه لا يريد الانفصال عن الصين ، مثلما قال للرئيس اوباما ، وأنه يريد البقاء في جمهورية الصين الشعبية ، ويشعر في قلبه بمحبة للصين ، كما قال ذلك قبل عشر سنوات في مقابلة شهيرة مع الاعلامي ومقدم البرامج لاري كينغ لصالح شبكة CNN الأميركية .

لا الصبر الصيني ينفد ، ولا حدود لصبر الدالاي لاما الرابع عشر الذي ظل يسمع الشروط نفسها من كل الزعماء الصينيين …. مثلما سمعها لأول مرة من ماوتسي تونغ قبل ستين عاماً ! .

كأن روح ماوتسي تونغ تتناسخ في زعـــــماء الصين بعده على طريقة الدالاي لامــــا الذي يجســـد روح بوذا ! .

أو ربما ينتظر الزعماء الصينيون أن تحل روح الدي لاما الرابع عشر ، في الدي لاما الخامس عشر .. عندها سيدعونه إلى بكين لكونه بلا تاريخ ثقيل من سوء التفاهم معهم مما يجعل الحوار معه أكثر مرونة وانفتاحاً …. سيما وان بوذا نفسه لم يُعَّمِر أكثر من ثمانين عاماً ! .

مشاركة