البناء التوافقي في قصيدة أفول الطوفان لساجدة الموسوي

331

 

 

 

 

البناء التوافقي في قصيدة أفول الطوفان لساجدة الموسوي

بناء متواز بين الإيقاع  والقافية

سعد الدغمان

تعمد ساجدة الموسوي  كثيراً لرسم البنية التشكيلية البصرية لأبياتها  وفق الوزرن والقافية التي تعمل عليها في تشكيل هيكل القصيدة بشكل عام،  و دائما ما يكون البناء الفني لقصيدتها مكتمل بسماته العامة مايمنح نتاجها لغة واصطلاحاً وصف اكتمال البناء الفني بوصفه الشامل، تشكل حروفها على هيئة بناء متوازي يوازن بين الايقاع الداخلي والتنغيم والقافية التي تحدد بعض انماط قصيدتها.

كان العيش رغيداً

وكلام الناس بوقت الشاي كطعم السكر

في رمشة عين هبت ريح فأرتجفت أبواب البيت

حط غراب فأنكسر المصباح

ماذا حل بنا ؟

من أي جهات الأرض تجئ الريح؟

دخلت الموسوي من باب الوصف في قصيدتها ( أفول الطوفان) ، فركزت في مطلعها على الماضي الذي وصفت عيشه ب ” رغيداً” ،و ضمنته الشاعرة أبياتها لتصف طيبة الناس حينها وطبائع المجتمع، حتى جاءت الريح  كعنصر مبهم  عرجت عليه الموسوي  لتورد المجهول في سياق النص الشعري لإكتمال المعنى الضمني في بناء السمة العامة في بنيتها لأبياتها، ولتتم عملية التشكيل البصري للصورة الشعرية التي احتوتها أبياتها.

ولأن القافية هي التي تحدد بعض أنماط البناء الشكلي للقصيدة وليس كلها، لذلك سعت ساجدة الموسوي من هذا المفهوم لفصل القافية حين استخدمت التوازي رغم أن بنى التوازي الأخرى لاتحدد أنماط  القصيدة. وسعت لتوظيف البنية المضمرة والتي تشكل أعمق بنية في النص الشعري كونها ( الحاملة للمعنى)، فجاء البناء التوافقي للقصيدة مكتملاً يحمل كل عناصر السرد وموسيقاه.

كشفت الموسوي عن الكثير من المتناقضات اللفظية التي ضمنتها أبياتها لإكتمال المعنى، ورسمت صورة شعرية غاية في الدقة توحي بعمق تجربتها الشعرية واتقانها التصوير اللفظي لتجسيد المعنى وشد القارئ لإتمام  قراءة النص الشعري، وهذه ميزة تحسب للشاعرة تضعها في مكانة متقدمة على سلم الشعراء ، وتنم عن خبرة تستوفي أركان اكتمال النص وجودة بناءه.

داخلت ساجدة الموسوي بين البناء التوافقي، والتعارض، والتوالدي في قصيدتها ( افول الطوفان)، وضمنتها الإستفهام لترد على تساؤلات عدة، ولكل من تلك التداخلات ما يسوغ وجودها واستخدامها في نصها الشعري وعلاقته بإنتاج الصورة الشعرية.

من اي جهات الأرض تجيء الريح

تهدأ حيناً ثم تصيح

غبراء هوجاء

غريب مسارها

كانت تعصف دون هوادة

عناصر مؤثرة

ذهبت الموسوي لتورد عناصرها  المؤثرة في النص لتحدث اثراً في نفس القارئ، أي ذهبت  لاستخدام الوجداني لتبقى صورتها الشعرية في ذهنه ، ثم عرجت على تضمين التوصيف في ثنايا ابياتها ليكتمل المعنى، وخرجت من ذلك التكوين لتورد الدهشة ولتضع القارئ على اعتاب استفهام جديد تستحق عليه الشاعرة الإطراء كونها تنقلت بالقارئ بين توصيفات عدة ورسمت له صوراً شتى يستجمعها بذائقته الشعرية لتشكل لديه وضوحاً في المعنى والمضمون.

طول القصيدة وتعدد موضوعاتها مابين الوصف والوجداني والواقعي وبعض من تجليات احتوتها، ضمنتها الموسوي النص بقصد استكمال صورتها الشعرية ، كل تلك الأغراض تشي بتعدد الموضوعات التي تتناولها الشاعرة بقصيدتها، كما ذهبت لتوظيف المعنى القرآني ضمنياً لأضفاء الهيبة على نصها أو بقصد التمثيل من خلاله عبر الوصف.

شدي ياروح على الأولاد نطاق الروح

ولنمسك سارية الله بقوة

لاغالب إلا هو

طاف الطوفان علينا فتجبر

والريح المجنونة مازالت تعصف

مازجت ساجدة الموسوي في قصيدتها ( أفول الطوفان) بين الحماس والفخر ، وهما بابان يعمد اليهما الكثير من الشعراء العرب لبناء التكوين العام للقصيدة منذ العصور الغابرة التي كانت تقام لهما فيها منابر حينها للفخر بالعادات والأشخاص وحتى المدن والنسب، كما تقام منابر لتحفيز الجيوش للغزوات حتى في صدر الإسلام، وشعر الحماس والفخر معروف في القيم العربية وصفحات الشعر العربي بشكل عام.إلا أن الموسوي وعبر هذا التداخل في قصيدتها سعت لخلق التماسك الداخلي للبنية العامة للقصيدة ما يجعل القارئ مشدوداً إلى احداثها ، وقد نجحت بل أبدعت في ذلك المزج الذي اكتملت عبره خصائص النص الشعري والغرض من القصيدة.

ولا غرابة حين نقرأ في متون نصوص ساجدة الموسوي تغزلها بالعراق ودجلة والفرات فهي أبنة ذلك التدفق المانح للحياة ( بلاد النهرين)، وهي التي تحمل لقب تفردت به دون سواها ( نخلة العراق)، فلا تكاد قصائدها تخلو من ذاكر العراق وأهله  وأنهاره وفيافيه وتاريخه العريق الضارب في القدم والحاضر معه بفخر واعتزاز.

ونوارس دجلة ومازالت ترتاح إذا تعبت عند نوافذنا

مازلنا فوق هدير الموج وعصف الريح نغني

نحن هنا ….

مزروعون بطين الماء

وتختم بإبداع عبر تضمين أبياتها  الجميلة التي عمدت لتكون نهاياتها سردية تصف قصة تاريخ عظيم غابر يصارع ابناءه الزمن والأهوال اليوم  ليقف بل ليعود شامخاً كما كان ، ولابد له من النجاة من الطوفان الذي اجتاحه بغفلة  من الزمن .

بابل تشرق ثانية بين منازلنا

مازلنا نمخر والموج يصارعنا

غيض الماء وبان النخيل

نوشك أن نصل

ماشاء الله

تلك منازلنا

مازلنا فوق الطوفان نجذف

للعام التاسع لم يغمض جفن كرامتنا

والدنيا تعرف

وبماذا أحلف

سنعانق بغداد قريباً ونزف البشرى

ابداع قل نظيره ، جسدته شاعرة من الزمن الجميل، تمتلك القدرة  على   إدارة الحرف ورسم صورتها الشعرية بإتقان ، تجيد التحكم بالنص وأدواته، تعمل بتداخل رائع ما بين المواضيع التي تتناولها وتحكمها بتماسك لتظهر للقارئ نصاً شعرياً متكاملاً شاملاً يوفي بالغرض الذي كتبت من أجله القصيدة.

سيرتها الذاتية

وهنا لابد من أن نورد بعضاً من سيرتها العطرة والتي حفرتها بذاكرة شعرية فوق العادية ، فأستحقت مكانتها التي كرستها عبر الحرف والإبداع ، ولدت ساجدة الموسوي ببغداد وحظيت بلقب تفردت به ( نخلة العراق) ، حاصلة على بكلوريوس أداب من جامعة بغداد ، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق منذ عام 1972  عضو اتحاد الكتاب العرب، وعضو الهيئة العليا لمهرجان المربد الشعري حتى عام 2003  ترجمت قصائدها للعديد من اللغات وهي مدرجة في معجم البابطين للشعراء العرب.

واحدة من ست شاعرات عربيات حظين بمرتبة ( ابرز شاعرات الوطن العربي للشعر الفصيح) من خلال الاستفتاء الذي اجرته وكالة الشعر العربي 2008? كتبت في الصحافة العربية والعراقية في المجالين الثقافي والاجتماعي، ترأست تحرير مجلة المرأة العراقية لعدة سنوات ، ترأست نادي الجمهورية الثقافي لسنوات عدة، شاركت في العديد من المهرجانات والملتقيات والأسابيع الثقافية العربية، شاعرة مرهفة الحس، صادقة الوجدان، غزيرة العطاء، صدرت لها ثلاثة عشر ديوانا شعرياً، وكان ديوان ( بكيت العراق) ديوانها الرابع عشر والذي أخترنا منه قصيدة ( أفول الطوفان) موضوع الدراسة.

{ صحفي وناقد عراقي

ماجستير صحافة

مشاركة