البلياتشو الحزين

507

قصة قصيرة

البلياتشو الحزين

الى وجودي الابقى… وحلمنا البعيد.. وامنيتي التي سرقتها لوعة الايام…

لا شيء ، افجع من الفوضى ، لا شيء اشنع من الرحيل ،  دع عنك افلام الرومانسية هذه فهي ترقق القلب وتزيد المشاعر وبالتالي تؤدي بك الى الجبن، الحب جبن وليس قوة ،  كان يقولها لروحه المستعرة من الداخل والباسمة من السطح ، هو لا يقر بقوة الحب ، ويرى ان هذه المدن لا تجلب له سوى المزيد من البؤس والحنين لرفاقه المغادرين ، يُضحك الاخرين وبؤسه شرٌ متجذر في الروح ، لا شيء جميل في هذه المدن، المدن الصامتة… المتهرئة من الارواح والبنايات ، يرسم البسمة على الاخرين وهو في قمة البؤس  يتفحص البنايات الكئيبة. وحيوات الناس هنا اكثر بؤسا وكآبة، حياة روتينية يعيشها بنفس الكلاكيت اليومي …صور تعاد الاف المرات بهيأات تكاد تكون واحدة لا اكثر .

 وهو فتىً حالم ، يعشق التسكع في مدن الثلج والعواصم التي لا تنام ليلا… كان يحلم ان يقضي سهرة وردية مع فاتنة فرنسية بالقرب من برج ايفل… كان يحلم ان يتسكع في لندن… ويزور مومباي وشرق اسيا… كان حالماً بكل السعادات لكن ثمة حيوات تدور في فلكه تقيده بالمدن البائسة تلك وشتان ما بين المدن البائسة والمدن الحالمة.

طاقة الفرد تأتي من طاقة تلك المدن وايقاعها ، لا شيء اكثر ضيقاً وحسرة وانحسار من تلك المدن لا شيء اكثر انفراج وفسحة من تلك المدن. ياللوعته من الجدران التي ترسم مسارات تلك المدن عائداً في حر قائظ يتفحص الامكنة يتفحص الاشياء ويتفحص روحه كذلك يبدو كالبلياتشو او هو كذلك من يعرف.

 فهو نفسه يعمل ويجني المال ولا يعرف ما عنوان وظيفته بعد فالجميع هنا في هذه المدن لا يعرف ما هي وظيفته… الجميع يذهب ويجيء دونما اكتراث للعمل المهم جني المال! في هذه المدن البائسة المال كل شيء!

المال والجنس والطعام ، لا شيء خارج هذه الثلاثية.

ها هو يتفحص الجدران بروية  او بنظرات شائهة ومريبة بعيون لم تر الجمال الحقيقي يوما ما ، عيون الفت الامكنة المقرفة والشخوص المملين جداً.

ففكر ان يلج الجدار ، ان يكُ شيئا من الاشياء… جماداً يرقب الحياة عن كثب بعيون مغايرة.. فكر ان يأتلف مع المكان ذلك المكان الممل ليعرف لما هو ممل لهذه الدرجة؟!  فكر ان يجعل عيونه ثقوب تلك الجدران التي خلفتها رصاصات الموت المجاني فكر ان يكون صورة شهيد معلقة على ذلك الجدار او لافتة سوداء خطت عليها حروف التعزية او كرسي في مدرسة متهرئة او طاولة في مطعم فاخر ! فكر ان يتجاوز الحدود كحفنة رمل او اطار سيارات مدعوس مراراً على اسفلت حظه العاثر… فكر ان يتحول لازرار كمبيوتر او حبر على ورق… كل هذه الافكار راودته وهو يصهر البؤس خبزه اليومي عائدا من حفلة تهريج فخمة كان هو الحزين الوحيد فيها… كانت فكرة ان يتحول لجدار او فوهة بوق او بندقيةالاقرب… كانت فكرة ان يتحول لرصاصة هي الابعد…  لم يخلف البؤس يوما في وجوه زبائنه كان يبكي خلف الكواليس دونما دموع بينما كان يغط الجمهور في سكرات من الضحك الهستيري…

 غاب البلياتشو ثلاثة ايام ، كان الجمهور حزينا دونه تحول لافتةسوداء على جدار متهرئ كان يغط بنومٍ عميق بصندوق من الخشب…تلاشى البلياتشو وتلاشت معه ضحكات الجمهور…

نور كريم الطائي – البصرة

مشاركة