البعد السياسي في أدب فرمان – مؤيد جواد الطلال

217

 البعد السياسي في أدب فرمان – مؤيد جواد الطلال

يمكننا أن نصف  غائب طعمه فرمان  بأنه القاص المخضرم الذي كتب في فترتين متناقضتين وانتمى إلى جيلين مختلفين،  أو بأنه حلقة الوصل الحيوية بين جيل الرواد وجيل الشباب الجديد الذي برز بعد ثورات العراق التحررية وخاصة ثورتي 14 تموز 1958 و17 تموز1968،  حتى وإن ارتهنت هذه الثورات بالقوى العسكرية التي ستتحول تدريجياً إلى الحكم الفردي المطلق.

          لقد عَمّق  فرمان  مضامين وبنى قصصه القديمة وقصص جيل الرواد ذات النفس التاريخي الاجتماعي السياسي الناقد،  بل وصل به الذروة في أعماله الروائية الأخيرة،  وأرسى ملامح المدرسة الواقعية الاجتماعية النقدية،  وفتح باباً واسعاً وعظيماً للتجربة الفنية التي لا تتناقض مع أهداف وخصائص وأُطر هذه المدرسة،  إن لم نقل على العكس من ذلك: تُعمقها وتخرجها من طورها البدائي المباشر الذي ميز أعمال جيل الرواد عامة وكتاب الدرجة الثانية منهم خاصة.

      ولو أخذنا بنظر الاعتبار قلة الروايات العراقية عامة،  والرواية السياسية خاصة الجديدة المتطورة،  فإن  فرمان  يكون جديراً بلقب الرائد في هذا المضمار لاسيما وأن رواياته تتناول فترات خطيرة من تاريخ العراق الحديث. إذ تتناول رواية النخلة والجيران ،  مثلاً،  وضع العراق في ظل الحرب العالمية الثانية وآثارها السلبية على المجتمع العراقي،  في حين تناولت رواية  خمسة أصوات  فترة فيضان نهر دجلة أو المرحلة السياسية الحرجة أواسط خمسينات القرن العشرين – عام فيضان دجله في 54 19على وجه التحديد – بينما تناولت رواية ( المخاض ) مرحلة مهمة ألا وهي مرحلة ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958  وما تلاها من وضع حساس حتى نهاية عام  1961  كما يبدو من سياق الرواية؛ وإن كان  فرمان  قد حدد عام  1959  هو العام الذي أراد معالجته في رواية ( المخاض )، والتي قدم فيهاً نقداً صريحاً للحكم الفردي ومرحلة الفوضى التي قال فيها ما يلي:  ثورة 14 تموز 1958 لم تتمكن من القضاء على حالة التمزق والفوضى،  حيث لم تدم مدة الاستقرار النسبي بعد الثورة أكثر من ستة أشهر،  وهي فترة قصيرة للغاية ……… أعلنت رأيي منذ البداية حين رسمت في روايتي المخاض صورة لحكم فردي يعتمد على المفاجآت،  والناس كانت تنتظر هذه المفاجآت المتعلقة بشخص واحد هو عبد الكريم قاسم،  أنا شخصياً أعلنت موقفي مابين السطور./ المصدر: التقرير عن ندوة موسكو .  ((1

 نحو أدب ملتزم

      إن أدب  غائب طعمه فرمان  مترع بالمضامين الاجتماعية والسياسية والأخلاقية،  مترع بروح الإخلاص لقضيته السياسية .. وما رواياته الأخيرة إلا استمرار لما بدأه في الخمسينات من تأكيد لهذه المضامين في قصصه القصيرة حصيد الرحى 1954   مولود آخر 1959 وما تلاها من روايات.

 ومع بقاء أعماله ضمن دائرة القص الواقعي الاجتماعي النقدي الملتصق بجذور البيئة الشعبية،  الطامح في الوقت عينه لبناءات وأشكال فنية عالية  كالقص الروسي والإنجليزي والأمريكي خاصة  .. فقد سعى فرمان – كما هو حال جيل الرواد كلهم في هذا الأمر – إلى مطاردة الفكرة السامية والبحث عن القضية الإنسانية والاجتماعية المهمة أو الموقف البناء لتصوير ذلك الشعاع من الأمل،  أمله وأمل الشعب العراقي بمجموعه،  وهو يمر بمفترق الطرق الخطيرة.

 صحيح أن القارئ العادي قد لا يجد في رواية المخاض مثلاً،  أكثر من حكاية عائد من الغربة [ كريم / الشخصية المحورية أو المعادل الموضوعي للراوي ذاته / الشخص الأول – المتكلم ] وهو يتخبط في بحثه عن أهله وجذوره بعد أن هدمت البيوت القديمة لتفسح الطريق أمام بناء شارع الجمهورية على أسس عمرانية حديثة .. لكن الصحيح أيضاً أن ذلك البحث كان نحتاً بأزميل الفن البارع ليس في ذاكرة الزمن حسب،  بل في الحاضر المعاش: في المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية بعد أن احتلت قضية اتجاه الثورة المكانة المهمة والأساسية في اهتمامات الراوي  كريم …. هذا إضافة إلى ما تحمله الرواية من ألغاز وأسرار ورموز قابلة للتأويلات العديدة !

        لم يرفع  فرمان  شعارات،  ولم يطرح خطابات،  وربما ابتعد كثيراً عن أسلوب رواد القصة .. بل أظهر فقط حرصه على أن تأخذ الثورة مداها نحو الاشتراكية،  ولا تبقى في مرحلتها البرجوازية كما يريد البعض  ومنهم الشيوعيون بتوجيه من القيادة السوفيتية آنذاك  ويظهر هذا في حديث احدهم،  وهو شخصية ساندة: صديق لكريم يعمل معلماً واسمه مهدي حيث يقول “.. أنا أرضخ لأوامر الحزب وأنفذها. ولو طلب مني الحزب النزول إلى الشارع والدفاع عن الحكم الحالي لنزلت ودافعت عنه بآخر قطرة من دمي. ولكن أحس أن هناك خطأ في الموضوع،  خطأً جسيماً نحن واقعون فيه. ويجب أن نبادر إلى تصحيحه،  وإلا فسيهلكنا. سنذبح ذبح الخراف ”  ص 228 من الرواية  .  (2 )

وكما لا يريد فرمان أن ترتبط الثورة بالطبقة البرجوازية،  بحيث تكون ثورتها هي وليست ثورة الشعب،  فهو أيضاً لا يريدها أن ترتبط بشخص واحد حتى لو كان  عبد الكريم قاسم  ذاته،  وحتى لو انتصرت على كل العراقيل التي وضعت أمامها جراء تصرفات البرجوازية النفعية الاستغلالية أو الجنوح الفردي العسكري أو المؤامرات الاستعمارية الأجنبية..الخ  وتحولت إلى المرحلة الاشتراكية التي كان   فرمان  يحلم بها،  فإنها يجب أن لا تتوقف: هذا ما كانت توحي به وتبثه التعاليم أو الأفكار الماركسية من أجل أن ترتقي الثورة إلى المرحلة الشيوعية ..

       ولم يقتصر حلم  فرمان  بغدِ أفضل للشعب العراقي فقط،  بل أراده أيضاً لأخوته الفلسطينيين أيضاً،  فقدم رؤية إنسانية ونضالية لهذه القضية المعقدة دون خطابات أو بلاغات أو شعارات،  بل جعلها تتسرب إلى مجمل رؤيته للحياة والعالم  من خلال الحوار غير المتكلف    – وغير المقحم – مع صديقه الفلسطيني الذي يعمل معه في وكالة الأنباء .. ولعل هذا الموقف الماركسي الصحيح هو نقطة خلاف جوهرية ثانية بين الرؤية الستالينية التي كانت تتحكم بالأحزاب الشيوعية العربية [ ومنها العراقي ] التي تغفل الصراع القومي وتقصره على صراع الطبقات = أو في أحسن الأحوال لا تريد خلق بؤر توتر وصدام مع المعسكر الإمبريالي في المناطق الساخنة آنذاك كفلسطين = وبين الرؤية الماركسية الصحيحة التقدمية التي تعتبر الأمر كُلآَ واحداً،  وإن نصرة إخواننا العرب في فلسطين جزء لا يتجزأ من الثورة الدائمة التي تكنس بطريق مسيرتها الاستغلال الطبقي والعنصري وكل القيم البالية،  ولا تُبقي إلا ما هو إنساني وجميل ومثمر للبشرية.

وقد أكد الدكتور  الماشطة ،  بطريقة غير مباشرة،  على حقيقة حب الفنان الكبير   فرمان  لفلسطين وتعاطفه مع القضية الفلسطينية؛ إذ أخبرنا في حديثه في الطاولة المفتوحة التي أقامتها مؤسسة المدى حول غائب بالشهادة الآتية:  كان غائب صديق روحي،  وكنا وتلازمين،  ونسكن عمارة واحدة وحينما تدخل إلى غرفة غائب،  على اليمين هنالك ربابة ودلال وصورة فتى فلسطيني يقذف الحجارة./ مصدر– جريدة المدى .  (3)

وهنا أشعر أن  فرمان  هو جزء أصيل من تلك ” الجذوة المتوقدة في ضمير الشعب ” التي أهداها رواية المخاض .. جذوة روحية عالية يحيا بها هو كجزء لا يتجزأ من ” ضمير الشعب ” . فرحم الله غائباً الذي لم يطلب جاهاً أو سلطاناً ولا حتى شهرة أو علواً في الأرض،  ويكفيه انه عَلا في ضمائر القراء النجباء الذين مازالوا يحافظون على تلك الجذوة وهذا الضمير النقي.

 ورغم أن أفكار  غائب  أو غيره من الماركسيين الصحيحين بقيت مثالية وعمومية لم تستطع الصمود حتى في الإتحاد السوفيتي،  قلعة النظام الاشتراكي لأكثر من سبعين سنة،  غير أن الرجل كان يؤمن بما يحلم ويعتقد .. عاش ومات نزيه اليد والفكر والأخلاق،  وهو أمر نادر في عالم تكثر فيه الوساخات والأدران ذات اليمين وذات الشمال. إذ أن الاختلاف في الفكر لا يفسد للود قضية كما كان يقول العرب القدماء.

 هذا السبب،  ولأسباب عديدة أهمها قوة الفن والقدرة على الخلق والإبداع والالتصاق الحقيقي بالناس الشعبيين والفقراء والبسطاء منهم خاصة،  الالتصاق بالجذور العراقية المترعة بالحب والإنسانية والنخوة والنجابة والقيم الاجتماعية والأخلاقية السامية .. الخ هو الذي جعلني أعد غائب طعمه فرمان  العمود الثابت  في القصة العراقية لما يقارب ربع قرن من الكفاح والنضال والكتابة والإبداع وإعلاء كلمة الحق ؛ الكلمة الصادقة التي يؤمن بها هو بغض النظر فيما لو كنا متطابقين مع رؤياه الأيديولوجية للعالم والحياة والواقع السياسي أم لا ؟!

              سعى  فرمان  أكثر من غيره من الكتاب العراقيين الذين أسهموا في كتابة الرواية والقصة الاجتماعية السياسية إلى تصوير الحياة وسبر أعماق الواقع،  والى رصد حركة التاريخ ومظاهر التحولات الاجتماعية والسياسية – خاصة بين صفوف الطبقات الشعبية الكادحة – كاشفاً التناقضات الأساسية والثانوية ضمن المراحل التاريخية التي تتناولها كتاباته،  مبرهناً على تجذر وأصالة الدوافع السياسية في روح أبناء الشعب العراقي،  موجهاً تلك النزعة الأصيلة باتجاه حركة التأريخ ومحولاً إياها إلى فعل مباشر ..

            وباختصار،  فان أدبه هو تعبير عن الانحياز الثوري في الفن،  وتجسيد لمفهوم الأدب الملتزم !

    ولأنني غالباً ما أهتم في دراساتي الأدبية بالأفكار في الدرجة الأولى؛ باعتبار إن الفن السليم والقدرة على معالجة مثل هذه الأفكار الكبيرة العالية النبيلة أمر مفروغ منه أو شرط لازب،  فقد أثارت تأملات  فرمان  الفكرية والروحية والفلسفية شجوني واهتماماتي وأنا أعيد قراءة رواية (المخاض ) بعد أكثر من ربع قرن على صدورها .. تلك الأفكار التي بقيت حبيسة الرؤية الأيديولوجية والمواقف السياسية في قصص الرواد قبل أن يعلن  غائب  عن نخلته المجيدة،  ويغذيها بأصواته الخمسة،  إضافة لمخاض ثورة  1958  التي غيرت أوضاع العراق وربما منطقة الشرق الأوسط برمته. ولذا أود أن أنقل للقارئ الكريم صفحة واحدة من صفحات هذه الرواية،   الصفحة التي تجمع،  على نحو مُركّب،  مُعظم – إن لم أقل كل – الاستنتاجات التي تحدثنا عنها في هذا البحث وخاصة التداخل ما بين الفني وما هو فكري وسياسي .. مع ضرورة التركيز على أحاسيسه النفسية العميقة القريبة إلى التأملات والتساؤلات الفلسفية التي لم تعرفها القصة العراقية من قبل باستثناء بعض قصص  عبد الملك نوري  الناجحة،  ثم لاحقاً بعض قصص وروايات فؤاد التكرلي وخاصة الرجع البعيد.

الإنسان دائماً يدخل في حوار مع الأمل. وهو لا يعترف بالهزيمة بلسانه. انه مجنون بخلق المبررات لانتصارات خيالية ومتع فقاعية. وحين تزول عكازات الأمل هذه يجد نفسه معلقاً في فراغ. وان كان يحاول المعاودة بعد زمن،  بعد تضميد الجرح ،  بعد نسيان الصدمة.

    ولكنه يعيش لحظة الخواء هذه،  على أية حال،  لحظة انهيار التوقعات. وها أنا أعيشها. أنا لا أعرف حتى الآن ما أضمر لآمنة. حباً ؟ احتراماً ؟ عطفاً ؟ لا أعرف بالضبط . إنها كانت تمس شيئاً في قعر نفسي،  تنفذ إلى زاوية مبهمة فيها. كنت طوال الوقت أحس بحضورها. كانت تملأ مساماتي بحضورها،  تشعرني بشخصيتها بصرامة،  ومهابة،  وفتنة. كانت تحاور فيّ شيئاً لا أعرفه. أظن أن الرجال لا يحبون النساء المستسلمات المتعطشات إلى الحب من النظرة الأولى. فينا شيء من فوارس القرون الوسطى الذين تغريهم القلاع والغوامض والمجازفات ومعرفة “ما وراء الحجب”. وآمنة مثل قلعة حصينة تجد عسراً في اقتحامها. وفي الوقت ذاته تغريك بوجودها الثابت الرصين. كأنها لا تهتم بك،  كأنها قائمة بذاتها،  بحيرة تستمد الماء من ينابيع داخلها. ولأنني بلا كيان ثابت،  فقد أحسست بميل إليها. كانت بالنسبة لي حقيقة ثابتة،  وأنا حتى الآن لا أحس بشيء ثابت حولي. ثورة،  جمهورية،  مشاريع،   أحلام،  توقعات. عناوين جبارة في الصحف،  خطب تزرع الوشوشة في الرأس من حدتها ووعودها. إلا أنني كنت أحس وكأنني في مزاد علني لا أستطيع أن أظفر بحاجتي منه،  إلا بمقدار فلوسي القليلة التي هي إمكانياتي.

   ثم بدأت أحس بالرتابة،  أخبار. أخبار. أخبار. وكأنني دلال أنادي على بضاعة غيري. ثم ترجمت خبراً عن السيبرنيطيقا. واحتمال ابتكار آلات مبنية على قواعده تستطيع ترجمة الكتب،  وحتى الروائع،  والإجابة عن الأسئلة وحل المعادلات. فما قيمتي في الحياة إذن ؟! ”  ص 322 من رواية المخاض .               نعم لقد أرست أعمال  غائب طعمه فرمان ،  الروائية منها خاصة،  ملامح المدرسة الواقعية الاجتماعية النقدية وفتحت باباً واسعاً وعظيماً للتجربة الفنية حتى خيل للبعض أن       فرمان  قد سد الطريق على القصاصين الشباب الذين انتموا،  بطريقة مباشرة أو غير مباشرة،  للمدرسة الواقعية الاجتماعية النقدية التي يمكن أن نضيف لها صفة  الجديدة ،  ولم يعد بإمكان هؤلاء الشباب إضافة شيء جديد أو البلوغ إلى ذروة  فرمان  في أحسن الأحوال ؟!

      وبالطبع فان مثل هذا التصور قد ينبع من دوغمائية عقائدية أو يصدر عن تصور ساذج لطبيعة الحياة وجدلها ؛ إذ أن أعمال فرمان الروائية – على أهميتها – لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال هي نهاية المطاف بالنسبة لتيار المدرسة الواقعية الاجتماعية النقدية [ أهم التيارات وأكثرها حيوية وثورية في القصة العراقية ]،  بل إن أعماله ليست إلا نقطة ضوء بين فترتين وجيلين وإن كانت تحتويهما معاً !! … كما إن هذه الأعمال،  على أهميتها أيضاً،  لا تخلو من نقاط الضعف وبعض الهفوات الفنية.

اتجاهات القصة السياسية بعد  فرمان

 إذا كانت الأفكار الاشتراكية والإنسانية بشكلها العمومي غير المتحزب،  المتأثرة بالرؤية الأيديولوجية الماركسية العامة،  قد ميزت أدب الرواد عامة  والقصاصين منهم خاصة  فإن غائباً بحكم انتمائه الفعلي المباشر للحزب الشيوعي كما توحي به الكثير من الأمور،  وبالرغم من نفي الأستاذ  شلبية  لهذا الأمر ( المصدر المذكور في الهامش رقم 1  ) كان قد أسس القاعدة الأساسية العريضة لما عرف في الإتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية لاحقاً بالأدب الملتزم أو الأدب من أجل الجماهير وليس النخبة.

       وبالرغم من أن غائباً الفنان كان أرفع من هذا المستوى الضيق،  أو من هذه الرؤية المحصورة بضفة واحدة،  وذلك من خلال مجمل اهتماماته الفكرية والإنسانية والثقافية – كما ظهر في روايتيٍّ خمسة أصوات والمخاض ذوات الانتماء الحزبي الواضح – لكن أعماله الأدبية وضعت فرزاً واضحاً مابين قصص إنسانية اجتماعية نقدية ذات منحى اشتراكي أو شعبي عام وما بين قصص وروايات تعكس بشكل وبآخر المفهوم الماركسي،  إن لم أقل الشيوعي،  للأدب ودوره ووظيفته الاجتماعية إضافة إلى رؤيته النقدية الأيديولوجية التي تهدف إلى محاربة العالم القديم وفسح الطريق للعالم الاشتراكي الجديد أو ما عبر عنه  ماركس وإنجلز ولينين  بمهمة تغيير وتحويل العالم تحويلاً جذرياً وثورياً !

 ولأننا لا نستطيع أن نعيد عملية كتابة تاريخية للأدب العراقي،  وهي عملية لم تعد مجدية بعد كل التحولات الميلودرامية التي حدثت بعد هزة  9 نيسان 2003  الكارثية،  فإننا ينبغي أن نلحظ بأن  فرمان  كاد أن يصبح سداً منيعاً لا يمكن تجاوزه في هذا الباب أو هذا المجال،  بقدر ما كان قد دفع بعملية اهتمام عموم قصاصي جيل الرواد بتلك الأفكار والمشاعر الإنسانية والاشتراكية إلى الذروة ؛ في الوقت الذي عمل فيه على بلورتها وتجسيدها بتصورات ورؤية ماركسية واضحة.  وهكذا أصبح هذا السبب معادلاً موضوعياً للمتغيرات السياسية التي حدثت في العراق بعد حركة ومتغيرات 17 تموز في عام 1968 وما تلاها من تحولات شاملة على جميع الصعد بما فيها الأصعدة الثقافية التي عبرت عن تلك المتغيرات،  وبلورتها كشكل من أشكال البنية الفوقية،  بقدر ما منحتها رؤية جديدة تتوافق مع أفكار ومفاهيم وبرامج حزب البعث العربي الاشتراكي خاصة في العراق وسورية .. ولذا ظهرت القصص والروايات التي تحسب الحساب لمثل هذه المتغيرات ولا تستطيع أن تلتزم برؤية  فرمان ،  وإن كانت قد قلدت لغته واستلهمت إيمانه بالإنسان كما في رواية || المبعدون || لهشام توفيق الركابي الذي اعتبرناه بمثابة الابن الشرعي لغائب طعمه فرمان.        غير أن التطورات والتغيرات السياسية في البلد حالت دون استمرار نهج  فرمان ،  بل إن  عبد الرحمن مجيد الربيعي  قد عبر عن هذه الأزمة السياسية والأيديولوجية – [ وحتى الأخلاقية كمسؤولية تاريخية ]- بشكل واضح ودقيق في رواية \\ الوشم \\ التي خلق بها شخصية محورية مزدوجة ؛ إذ أن كريم الناصري  بطل هذه الرواية والمعادل الموضوعي للراوي أو الكاتب ذاته  قد عرف الانتماء السياسي للاتجاه اليساري،  وربما الشيوعي كما تظهر بعض المؤشرات في الرواية،  ولكنه انخرط بذات الحزب الذي أذله في انقلاب 1963،  بل كان يدعو أصحابه القدامى للعودة إلى حزب البعث كما ورد في ذات الرواية وكما أشار للموضوع دكتور عبد جاسم الساعدي  في مجلة الأقـــــــــــــــــــــلام / العدد الأول من سنتها الرابعة والأربعــــــــــين عام 2009 م .

 ولعل رواية \\ الوشم \\ هذه كانت الثمرة الناضجة أو الواضحة لمحاولات الكوادر الثقافية والسياسية في حزب بعث العراق لكسب ما يمكن كسبه من الكوادر الثقافية للأحزاب الأخرى   من الحزب الشيوعي خاصة  أو الفئات اليسارية غير المنتمية،  وربما الحائرة إن لم أقل المتذبذبة .. كما إن رواية الأيام الطويلة  لعبد الأمير معلة كانت الثمرة الناضجة والواضحة أيضاً لمحاولات صدام تعزيز دوره في الحياة السياسية والثقافية،  وتعزيز مفهومه عن البطل الثوري البعثي الصلب والصلد.

 وبذلك تأسست القاعدة الأساسية العريضة لما يسمى بالأدب الملتزم،  ولكن من منظور آخر غير منظور   فرمان  وما سبقه من جيل الرواد،  فحل الفرد القائد محل الشعب،  وحلت قصص الحرب محل دعوات أنصار السلام التي كان الشيوعيون يقودونها وانتهوا إلى ما انتهوا إليه بعد فشل تجربة الجبهة الوطنية السياسية في نهاية سبعينات القرن الماضي والمتغيرات الدرامية بعد أحداث وهزة  9  نيسان 2003  الكارثية .. هذه المتغيرات التي لابد أن تترك طابعها الاستثنائي على مستقبل القصة التي تتخذ من الواقع،  ومن الأحداث السياسية خاصة،  المادة الأساس لمكوناتها الدرامية والإنسانية.

     وباختصار فقد كان الأدب العراقي عامة،  والأدب القصصي خاصة،  ومازال حتى يومنا هذا يتماهى بشكل مباشر أو غير مباشر مع الواقع السياسي ويخضع لقواه السائدة المنتصرة،  بقدر ما يعبر عن الرغبة – رغبة البعض من الكتاب – في الانفلات من قيود هذه القوة السائدة. وقد عبرت الباحثة العراقية المقيمة في لندن  هيفاء زنكَنه  تعبيراً دقيقاً بانورامياً شاملاً عن هذه القضية في مقالتها المتسائلة: تواصل أم انفصال ؟! ولذا أحيل القارئ الكريم إلى هذه المقالة الموجودة بموقع عدنان الصائغ في الإنترنيت أو بالصفحة المخصصة باسم مؤيد الطلال في Google … المقالة المنشورة أصلا في صحيفة القدس العربي بلندن وفي مجلة تموز الصادرة في  مالمو/ السويد  أيضاً. ولا أستطيع أن أضيف عليها أي شيء يذكر.

الهوامش والمصادر

 -1مادة منشورة في الإنترنيت فيها صورة لكتاب الأستاذ  زهير شليبة  عن غائب طعمه فرمان،  مع مقدمة عامة عن أدب غائب،  وعن الندوة الثقافية التي أقيمت له بمعهد الاستشراق في موسكو عام 1983م،  وتلخيص لمحاضرته وأجوبته على أسئلة الحاضرين .. وفي أغلب الظن أن المادة تعود إلى الأستاذ زهير شليبة.

 -2غائب طعمه فرمان: رواية المخاض – بيروت 1974م.

 -3جريدة المدى العراقية – العدد 1083 في تشرين الثاني 2007 – صفحة خاصة بعنوان  غائب طعمه فرمان  في طاولة مفتوحة / إعداد محمد درويش علي.

مشاركة