البطل البليد

385

قصة قصيرة

 البطل البليد

اسعد عزيز محمد

ترجمها: عماد الناصح

ذات مساءٍ وبينما كان القاص منهمكا في تهيئة مستلزمات الكتابة في مكتبه كانت الافكار تتزاحم في مخيلته وتتدافع فيما بينها كي تخرج الواحدة منها قبل الاخرى حتى انهن لم يدعن مجالا للقاص ان يجسد بطل قصته الجديدة او يعطيه الدور الرئيسي . كل المحاولات التي بذلها القاص ليضع خريطة طريق لعمله الجديد لم تسعفه في شيء . وفي دوامة هذه اللحظات السريعة كانت روح البطل تتشكل شيئا فشيئا .

وكان القاص حائرا ماذا يفعل به ايعيده الى عالم العدم  او يتركه على تلك الصورة غير المكتملة لربما يعود اليها في وقت اخر. وقفا الاثنان امام بعضهما صامتين لوقت طويل ، وفي ذروة ذلك الصمت والهدوء العميق الذين كانا طاغيين على كل الاصوات . اذا بصوت يسمع مع امواج الاثير وشهقات من الاوكسجين اخذت طريقها الى رئتي البطل لتستقر في تجاويفها وبهن بدأ البطل يتمتم ويقول :

(لماذا توقفت ؟ ماذا تريد ان تفعل ؟ اين قصتي ؟ )

ومع هذه الكلمات التي تفوه بها البطل شعر القاص بنفسه مهزوما في معركة غير متكافئة ومعالم تلك الهزيمة كانت نصب عينيه ولا شيء غيرها استجمع ما استطاع ان  يستجمع من قواه الخائرة وبنفس مليئة بالحزن والحيرة قال : ( لا يوجد في خيالي شيئا لأجلك لا اعرف ماذا افعل بك )

لغاية تلك اللحظة كان البطل روحا بلا جسد لكنه كان واثقا من نفسه ويملأه شعور داخلي بانه بطل حقيقي وحيوي وبتلك الحيوية وبدون ادنى خجل او تردد التفت الى القاص قائلا :

( انت فقط هب لي جسدا وامنحني الحرية انا استطيع ان اكتب قصة بنفسي )

خوف وهاجس تولدا في نفس القاص ولم يدعا القاص ان يكتب قصته وفي تلك اللحظة ولكي يتخلص من الخوف والتردد اتفق القاص مع البطل على ان يوقعا على تفاهم بينهما وبموجب هذا التفاهم يمنح القاص البطل جسدا ويعطيه الحرية ليكتب قصته ولكن في مقابل ذلك يأخذ القاص من حياة البطل شيئا ذات اهمية كبيرة !!!

ارتبك البطل ايما ارتباك وخاف خوفا شديدا من شرط القاص وبشعور الخائف الوجل قال للقاص :

( ماذا ستأخذ مني)

ولكي يطمئن البطل قال القاص لكي امنحك جسدا واعطيك الحرية لكتابة قصتك عليك ان ترهن عندي احد الاشياء التي به تتعلق حياتك حيث به امنعك من الذهاب بعيدابأحلامك وطموحاتك وبدونه لا تستطيع القيام بعمل شيء خارج حدود سيطرتي وتبقى تتذكر قدرتي عليك لم يكترث البطل لكلام القاص وعباراته ولم يترك لديه اثرا يذكر لأنه كان يرى نفسه مخلوقا يريد القاص ان يسلبه ذلك الشعور .

مرة اخرى وبالطريقة نفسها وبصوت ملؤه الخوف والحيرة كرر وقال : (ماذا ستأخذ مني)

بسرعة كبيرة وبدون مقدمات قال القاص :(لن اعطيك العينين )

تبدل لون البطل وكأن ظلما او حيفا قد وقع او سيقع عليه فقال بصوت المنكسر :

( ارجوك لا تفعل هذا معي لأنني بدون البصر لا لا استطيع القيام بأي شيء ، بدون البصر كيف سأتحرك وكيف اختلط بالناس من حولي واذا لم اختلط بالناس  لا أصادف الاحداث وبدون الاحداث لا تكتب القصص ، بدون البصر لا اميز الالوان وحياة بلا الوان موت بطيء ).

كان القاص في حيرة من امره  نتيجة قصر التفكير واستحالة طلبه ورد فعل البطل ولكنه كان جادا من اجل الوصول الى حل لهذه المشكلة فعاد واقترح على البطل :

( ما رأيك لو جعلتك بلا اذنين فلا تسمع شيئا )

صرخ البطل صراخا شديدا وقال ( بحق الله عليك لا تفعل شيئا كهذا كن انت مكاني هل تعقل يا سيدي ممثلا ابكما يدعى الى عمل مسرحي ؟  بدون اذان وبدون السمع كيف استطيع اداء دوري في تلك القصة

فلا حياة في حياة بلا سمع )

( بدون الاذان كيف لي ان اميز بين هديل الحمامات وحفيف الافاعي كيف لي ان اميز بين انين البكاء وقهقهات الضحك بدون حاسة السمع لا يمكنني ان اكتب القصة مطلقا ) .

القلق والإنشغال كانا واضحين على محيّا القاص بسبب هذا البطل المخبول الذي يريد ان يكتب قصة  لنفسه وقد سبب له هذا الامر صداعا ولم يعرف ماذا يفعل ثم اردف قائلا

( ارى انك لا ترضى باي شيء لم يبق سوى ان اخذ عقلك فتكون بطلا بلا عقل يفكر )

وقف ابطل مشدوها لا يتكلم ولم يفهم القاص معنى سكوته فكرر كلامه :

( هل توافق ان تكون بلا عقل يفكر )

بكل سعادة ورحابة صدر قال ( نعم اوافق )

دخل القاص في تفكير عميق مشبها موافقة البطل على العيش بلا عقل وتفكير بقبول بني البشر على حمل الامانة التي اشفق منها كل مخلوقات الله السموات والارض والجبال الا الانسان فقد اخذها على عاتقه لأنه كان جهولا لا يعرف شيئا . من هنا تبدأ القصة :

لقد كان البطل متحمسا جدا ليكتب قصة حسب رغبته وعلى مزاجه ذلك الحماس انساه ان يضع اسما او عنوانا لقصته لذلك لكم الحرية الكاملة في اختيار اسم او عنوان لها .

منذ صغره احست الام بان وليدها طفل غير عادي فلم يكن يبكي مثل باقي الاطفال الا عندما يحس بالجوع لم يميز يوما بين حضن امه وحضن امرأة اخرى .شيئا فشيئا بدأ يكبر وبدا واضحا للعيان انه طفل غير عادي .لم يشعر بخوف او رعب من أي مخلوق ولم يجفل لأي حادث ولم يخش على نفسه من المخاطر يوما مثل اقرانه من الاطفال . عندما دخل المدرسة  بدأت مشاكله تظهر للعلن . يوما سأل المعلم تلاميذه عن رغباتهم وهواياتهم فبدأ يسأل كل تلميذ ( ماذا تحب ان تكون في المستقبل) فيستمع الى اجاباتهم ثم يستفسر منهم سبب اختيارهم لتلك المهن ، فكان كل تلميذ يعطي اسبابه الخاصة به ، فأحدهم كان يرغب ان يكون طبيبا ليعالج المرضى واخر يريد ان يكون ضابطا في الشرطة ليقبض على اللصوص والقتلة ويودعهم السجن    واخر كان معجبا بمهنة ابيه فكان يحلم ان يكون مهندسا يرسم ويخطط البنايات والمنازل ، واخر كان يفكر ان يكون تاجرا لكي يكسب مالا كثيرا .

وصديقه الذي بجنبه كان يرغب ان يكون بستانيا لكي يغرس ويشم وروداجميلة فواحة ويسعد بتطاير الفراشات الجميلة الملونة على تلك الورود .وعندما جاء الدور عليه اعاد المعلم سؤاله عليه اكثر من مرة وفي الاخير قال البطل :

( لا اعرف ) ويساله المعلم لماذا لا تعرف يا بني ؟

وفي كل مرة تعود ذاكرته الى تلك الاتفاقية والتفاهم الذي بينه وبين القاص فكان جوابه بكل خنوع ( لأنني لا افكر ) انتشر خبر التلميذ معدوم التفكير ليس في فصله الدراسي فحسب بل في كل اروقة المدرسة مثل انتشار حمى وبائية حتى عرف البطل بالتلميذ الذي لا يفكر .

وفي يوم من الايام طلب معلم الرسم الى تلاميذه ان يرسموا منظرا او شيئا شدَّ انتباههم على ان يفكر كل تلميذ لوحده وبشكل مستقل ويرسم بالقلم لوحته الخاصة به فالكل كان مشغولا برسم لوحته الا هذا الذي يلقبونه ( بالتلميذ البليد  الذي لا يفكر ) وقف المعلم على راسه فساله لماذا لا ترسم وقبل ان يرد على سؤال المعلم كان الجميع في الفصل يسبقونه بالإجابة ويقولون استاذ ( انه بليد لا يفكر ) .

( انعدام التفكير ) في رأس هذا التلميذ اصبح لعنة تلاحقه اينما توجه ومتى ما توجه وكانوا ينظرون اليه كشخص غير طبيعي وكان ذلك يمنعه من التصرف السليم واخذ القرارات الصائبة بنفسه حيث كان الاطفال من اقرانه يحبون تربية الحيوانات والطيور والكلاب الاليفة الجميلة الوفية ، واكنوا يطلقون اسراب الحمامات لترتقي الى اعالي السماء ثم تعود في نهاية النهار الى اعشاشها واخرون كانوا ولهين بجمع صور الحيوانات الجميلة مثل صور الاسد ملك الغابة او صور المدن وعملات الدول. لكن هذا التلميذ  كان يوما بعد يوم يتوارى عن اقرانه ويبتعد عنهم  ( لانه عديم التفكير ) لم يكن يعرف الحب

والود والصداقة او الكره والحقد . بقي في المدرسة لسنوات دون ان يستفيد شيئا وفي النهاية ترك مقاعد الدراسة وودع الاقلام والدفاتر والحقيقة المؤلمة انه لم يتعلم شيئا ابدا .لان الناس يتعلمون فقط عندما يمتلكون عقلا يفكر وينجحون في كل شيء كلما توسعت افق افكارهم .اضطر والده ان ياخذه الى صديق له ليعمل صانعا في معمل النجارة الذي يملكه عله يتعلم الصنعة لكي تعينه على كنف الحياة . كان الصناع في المعمل يصارحون بعضهم بعضا بأحلامهم وامالهم .احدهم كان يحلم ان يكون نجارا مشهورا مثل استاذه , واخر يسابق الزمن  في تعلم النجارة لكي يكبر ويفتح محلا او معملا للنجارة ويعمل عنده صناع

 كثيرون , واخر كان يجهد نفسه ليلم بتفاصيل المهنة وفنونها فيصنع اثاثا واشياء جميلة جذابة يصدرها لتباع في اسواق المدن الكبيرة مثل طهران واستانبول الا هو لم يكن له حلما او امنية يرغب في تحقيقها والحق انه لم كن يعرف معنى الحلم اصلا او كيف تتحقق الاحلام . قضى عدة سنوات من عمره في معمل النجارة ولم يتعلم شيئا يذكر .لكي تكتسب خبرة في مهنة ما يجب ان تمتلك عقلا يفكر وهذا ما ينقصه بكل اسف .الخيبة واليأس والتشاؤم كلهن اجتمعن عنده فبات يبحث عن مخرج او مخلص له حتى ان القصة لم تصل بعد الى نهايتها التفت نحو القاص ونظر اليه بنظرات ملؤها الحزن والالم وقال له بتأفف:

( متى ستضع نهاية لقصتك ؟)

وبدم ابرد من الثلج ودون ادنى رحمة او شفقة قال له  :

( حتى في هذه اعطيتك مطلق الحرية )

ومع اخر كلمة خرجت من فم القاص ولكي يتخلص من حياته رمى بنفسه تحت عجلات سيارة قادمة بسرعة جنونية وهناك كانت نهاية البطل البليد ( معدوم العقل والتفكير ) مات البطل ولكن احتراما للاتفاقية التي كانت بينه وبين البطل دوّن القاص حكايته وارسلها للنشر في احدى مجلات المدينة .

مشاركة